""الإلياذة الفلسطينية"، تتحدى الشمس!

""الإلياذة الفلسطينية"، تتحدى الشمس!
دبابات اسرائيلية.
Smaller Bigger
محمود القيسي
 
"..يا نشيدُ! خذ العناصر كُلَّها
واصعدْ بنا سفحاً فسفحاً
واهبط الوديان – هيّا يا نشيدُ
فأَنت أَدرى بالمكانِ
وأَنت أَدرى بالزمانِ
وقُوَّةِ الأَشياء فينا.."
*محمود درويش
 
لم يأتِ الكيان الصهيوني – الإسرائيلي الغاصب من (السلسلة التلمودية المسروقة) تاريخياً.. أو من "التلمود البابلي"، أو "الحضارة البابلية".. التلمود البابلي الذي أطلقوا عليه تسمية چمراه (بالعبرية: גְּמָרָא) لاحقاً.. هو مُؤَلَّف جماعي من حكماء بابل تلك الحقبة التاريخية. يلخص به الأفكار التشريعية – الأسطورية – التصويرية – المركزية "الخاصة"، والذي أصبح يتضمن العديد من الأساطير والقصص والروايات "العامة" و"الخاصة" في فترة ما بعد اختتام "المشنا" عن سابق إصرار وترصّد كما جاء في بحوث ودراسات موثوقة تاريخيًا، وخصوصاً أولئك الذين ادّعوا الإقامة في بابل أو الذين ادّعوا الإقامة في أرض فلسطين تاريخياً.
 
هذه الأفكار التلمودية البابلية كُتبت في الأساس كشروح لأقوال الأجيال السابقة من حكماء تلك الفترات التاريخية، والتي أصبحت تشوبها الكثير من المفاهيم المدسوسة والخاطئة لغاية في نفس جماعة "يهوذا يوضاس سمعان الإسخريوطي الصهيوني" الذي باع السيد المسيح بحسب الأناجيل القانونية التي تقول: إن يهوذا الإسخريوطي هذا هو التلميذ الذي خان المسيح وسلمه لليهود مقابل ثلاثين قطعة فضة. وبعد ذلك ندم على فعلته ورد المال لليهود وذهب وقتل نفسه، كما "جاء" في مرحلة "لاحقة"، من دون ذكر "أبناء"، أو "جماعة" يهوذا (سمعان) الإسخريوطي في العصور اللاحقة حتى أيامنا هذه.!؟
 
و"المشنا" اصطلاحاً وتعريفاً؛ ﻫﻲ مجموعة اﻷﺣﻜﺎم واﻟﺘﻌﺎﻟﻴﻢ واﻟﺘﻔﺎﺳﲑ التي انتقلت "ﻣُﺸﺎﻓﻬﺔ" عبر اﻷﺟﻴﺎل، ﻣﻦ عهد "موسى" عليه السلام إلى عهد "ﻳﻬﻮدا ﻫﻨﺎﺳﻲ" اﻟﺬي ﻗﺎم بتنسيق المشنا وجمعها في نهاية القرن الثاني الميلادي وﺑﺪاﻳﺔ اﻟﻘﺮن اﻟﺜﺎﻟﺚ الميلادي تاريخيًا. نعم، هي مجموعة اﻷﺣﻜﺎم واﻟﺘﻌﺎﻟﻴﻢ واﻟﺘﻔﺎسير التي إذًا انتقلت "ﻣُﺸﺎﻓﻬﺔ" عبر اﻷﺟﻴﺎل دون مستند تاريخي علمي يُذكر، والتي سوف تبقى دائماً في "ذمة" يهودا هناسي "المشبوهة" و"المطاطة" في مواجهة تاريخ الجدل العلمي الذي يعتمد على الحواس، والعقل، والسبب، والنتيجة، والتحليل، والمنطق، والنظريات العلمية، والتطبيقات التجريبية، والصور في عصر الصورة، والاستنتاجات، والبراهين والنقد الذاتي والموضوعي. يهودا الناسي في العبرية: יטהוּדָה השנָּשששא، Yəhūḏā hanNāsīï؛ أو يهودا هانسي أو يهودا الأمير، أو يهوذا الأول، كان حاخاماً من القرن الميلادي الثاني ورئيس تحرير ومحرر الميشناه، أو الحاخام الذي كتب التلمود "الجديد". أو التلمود "الآخر". أو "العهد الجديد". عاش يهودا هانسي أو الناسي من حوالي سنة 135 لسنة 217 م. كان قائداً ورئيساً للجالية اليهودية في فترة الاحتلال الروماني "ليهودا".. في حين يهودا هو مصطلح إسرائيلي "رسمي" يستخدم للإشارة إلى الضفة الغربية الفلسطينية. يهودا كما تسمى في الإضافات أو التحريفات التلمودية الأخرى. أو في التلمود الآخر، أو التلمود الجديد والإسرائيليات المستجدة..!
 
بنيامين هاريسون فريدمان Benjamin H. Freedman رجل الأعمال السياسي الأميركي اليهودي الأصل، والناشط ضد الصهيونية والماسونية واليهودية، والذي اشتهر بإنكاره الشديد لِما يُسمى معاداة السامية، يقول: "إنّ يهود اليوم ليسوا ساميين ولا حق لهم في فلسطين"... تحدّث فريدمان عن الكذبة الكبرى، التي لم يعرف لها مثيلٌ في التاريخ المُدوّن حيث غُرِسَ في أدمغة الشعب الأميركي والأوروبي اليهودي الاعتقاد المُخادع بأنّ اليهود ينحدرون من سلالة "القبائل العشر الضائعة" في العهد القديم حسب خرافة "التشتت في زوايا الأرض الأربع".
كتاب القبيلة الثالثة عشرة: "أمبراطورية الخزر" اُصدر أول مرة في لندن عام 1976، وهو من تأليف الكاتب والمؤرخ اليهودي المجري ارثركوستلر الذي عمل مع الحركة الصهيونية في فلسطين المحتلة، قبل أن يكتشف حقيقة هذه الحركة ومشروعها. فهو ينقد مقولة أن اليهود الحاليين ساميون أو أنهم من نسل بني إسرائيل القدامى. ويثبت أنهم آريون عامة وقوقازيون، ازدهرت دولتهم في القرن السابع وتهودوا عندما وجدوا أنفسهم بين الأمبراطورية الرومانية الشرقية في بيزنطة وبين الدولة الإسلامية. كما عزز خيار التهويد عندهم موقعهم التجاري وأعمالهم الربوية التي تنسجم مع الإيديولوجيا اليهودية بحسب الكتاب. شكّل "اليهود المنحدرون من سلالة الخَـزر، أكثر من 92 في المئة من يهـود العالم. والخزر الآسيويون والأتـراك الذين أنشأوا مملكة الخزر في أوروبا الشرقية، هـم يهـود بالتحول والاعتناق اعتبارًا من سنة 720 م. هـؤلاء أي 92 في المئة من اليهـود، لم تطأ أقدام أجدادهم قط أرض فلسطين في تاريخ العهد القديم".
 
إنّ اليهود في أوروبا والأميركتين هم من الأشكيناز، والذين أسّسوا الحركة الصهيونية، وهم يشكلون غالبية يهود العالم الحاليين، ولا ينحدرون من بني إسرائيل والنبي إبراهيم ولا تربطهم بهم صلة قرابة دم أو صلة تاريخية، أي ليسوا عبرانيين على الإطلاق. يذكر آرثر كوستلر Arthur Koestler الروائي والكاتب والصحافي اليهودي الهنغاري/الإنكليزي الشهير، صاحب كتاب "السبط الثالث عشر" The Thirteenth Tribe الذي نُشر عام 1976 ودحض فيه أسطورة يهود إسرائيل، قال: "يهود عصرنا قسمان: السفرديم والأشكنازي، عدد السفرديم وفق إحصاء 1960 هو 500 ألف هم يهود إسبانيا، بينما عدد الأشكنازي هو 11 مليوناً". هذه حقيقة في كل حقل من حقول البحث العلمي، المختصون بموضوع خزر الأمس ويهـود اليوم، وكل ما ذكر هنا هو مركز فيريل Firil للدراسات وهو من مصادر عالمية ويهودية تحديداً.
 
في كتابه الموسوعي "قصة اليهود عبر ثلاثة آلاف عام"، يستنتج المؤرخ البريطاني سيمون شاما، مستندًا إلى وجود لفائف يهودية مدفونة بالمقابر في مواقع أثريّة خزريّة، أن "وصول اليهود إلى مملكة الخزر جاء عن طريق حركة انتقال وهجرة من التجمعات اليهودية في البلقان ومنطقة البوسفور. حيث وجدوا مناخًا من الأمن والحرية في أراضي مملكة الخزر". ويرى شاما أنّ "يهودًا من أرمينيا أيضًا التحقوا بهم". ويشير إلى أنّ "اليهود آنذاك وجدوا في المناخ الديني الوثني في مملكة الخزر، تساهلًا وتقبلاً لهم، مقارنة بما كانوا يلقونه من المسيحيين في مناطق الإمبراطورية البيزنطية وفي أرمينيا.
 
نعم، لم يأتِ الكيان الصهيوني – الإسرائيلي الغاصب من التلمود البابلي المسروق أو التوراة الكنعاني، بل جاء من المؤتمر الصهيوني الأول، أو المؤتمر الافتتاحي للمنظمة الصهيونية الذي عقد بزعامة "تيودور هرتزل" في مدينة بازل بسويسرا يوم 29 أغسطس 1897. المؤتمر الذي كان من أخطر نتائجه إقامة المنظمة الصهيونية العالمية لتنفيذ البرنامج الصهيوني الذي ينص على أن "هدف الصهيونية هو إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين يضمنه القانون العام"؟! المؤتمر الصهيوني الأول الذي جاءت قراراته لتحقيق ذلك الهدف على النحو التالي:
 
أولًا: تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
 
ثانيًا: تنظيم اليهود وربطهم بالحركة الصهيونية.
 
ثالثًا: اتخاذ السبل والتدابير للحصول على تأييد دول العالم للهدف الصهيوني (إعطاؤه شرعية دولية).
 
رابعًا: تشكيل المنظمة الصهيونية العالمية بقيادة تيودور هرتزل.
 
خامسًا: تشكيل الجهاز التنفيذي "الوكالة اليهودية" لتنفيذ قرارات المؤتمر؛ ومهمتها جمع الأموال في صندوق قومي لشراء الأراضي وإرسال مهاجرين يهود لإقامة مستعمرات في فلسطين.
 
لا تختلف ممارسات الحركة الصهيونية العالمية تاريخيًا عن أيديولوجية النازية وممارساتها الإجرامية في الحروب وإبادة الشعوب بالشعارات والعناوين والمضامين.. من شعارات الصليب المعكوف والنجمة السداسية.. إلى المضامين العنصرية.. والممارسات السياسية الإرهابية الشمولية اليمينية المتطرفة. كما لا يمكن إختصار موضوع النازية و علاقتها بالصهيونية العالمية بسب هول الحقائق والأحداث التي أخفيت قسراً عن الجمهور واستبدالها برواية سمجة وكاذبة لتشريع جرائمهم طوال 130 عاماً وتعد من المحرمات التي تطرح في الإعلام بل ويتم سحقها كما حدث مع الكثير من المفكرين والإعلاميين تاريخيًا. يُعتبر الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية منذ عام 1948 نموذجًا فريدًا في تاريخ الغزوات في العالم، يكاد لا يكون له مثيل إلا الاستعمار الاستيطاني في جنوب أفريقيا وروديسيا والاحتلال الألماني النازي إبان الحرب العالمية الثانية. لكنه يتميز بعدة خصائص أبرزها: تشريد السكان الأصليين، وتحويلهم إلى لاجئين في الشتات والمنافي، أو إلى مواطنين من الدرجة الثالثة في داخل أوطانهم، وعدم الاعتراف بالاحتلال كاحتلال، وما يترتب على ذلك من واجبات وحقوق تحددها المواثيق والمعاهدات الدولية.. ومحو الهوية الوطنية والثقافية والحضارية لسكان الأراضي المحتلة، واستعمال نظام الرهائن، وأسلوب نسف المنازل أو الاعتقال الكيفي، وإنشاء مناطق أمنية في الأراضي المحتلة لا تخضع لأي قانون يحدد الحقوق والواجبات الأساسية…!؟
 
والاحتلال الإسرائيلي متعدد الوجوه والأشكال وفقاً للفترات التي كان يمر بها أو بالنسبة للأراضي التي احتلها. وقد كان احتلال فلسطين وأجزاء أخرى من الوطن العربي الهدف الرئيسي لرواد "الصهيونية" في القرون الماضية، وبشكل خاص "هرتزل". وقد كان هدف هذا الاحتلال الأول والأخير هو إحلال شعب مكان شعب، لا مجرد احتلال عسكري استعماري على طريقة القرون الماضية. وقد عبّر "بن غوريون" عن ذلك بقوله: "سنقول للعرب ابتعدوا. فإذا لم يبتعدوا، وقاوموا أبعدناهم بالقوة". وقد خطا الصهاينة من أجل تحقيق هذا الهدف عدة خطوات، فعقدوا المؤتمرات لتبادل الأراء حول أفضل السبل المؤدية إلى ذلك. لكن تعقّد الوضع الدولي العام في ذلك الحين، وعدم تمثيل الصهيونية في تلك المرحلة لأية قوة مادية محددة، وصعوبة تنفيذ هذا المشروع بل استحالته، جعلهم ييأسون وينقسمون على بعضهم البعض، إلى حد أنهم كادوا يقتنعون بفكرة إقامة هذا الوطن في أوغندا بأفريقيا. لكن الفرصة سنحت للصهاينة، بالتقاء مخططاتهم مع مخططات بعض القوى الاستعمارية، التي خرجت من الحرب العالمية الأولى، وهي في وضع صعب وحرج على الصعيدين السياسي والاقتصادي. وأعطى البريطانيون، بشخص وزير خارجيتهم "بلفور"، وعدًا للصهاينة بإنشاء وطن قومي في فلسطين.
 
يقول هيغل الذي تكلم عن (إنجيل الشعب): "إن الملحمة تملك بعدًا تأسيسياً قويًا، وتحكي حلقة متصلة بالعالم الكامل لبلد أو لفترة من الزمن فتُكِّون الأسس الحقيقية للوعي". لقد شَكلت مَلْحَمة "الإلياذة" اليونانية تاريخيًا القالب الإلهامي للروائي الفلسطيني "إبراهيم نصر الله" في رِوايته الملحمية "زمن الخيول البيضاء"، من خلال التماثل الـموضوعي بين الالياذة اليونانية والفلسطينية من حيث أجواء الصراع والحرب والتّشابه في رسم صورة البطل كنموذج مثالي لروح الشعب المدافع عن حقه، بين أبطال مدينة طروادة الـمحاصرة، وبين أبطال فلسطين المحاصرة منذ ما يزيد عن سبعة عقود.. الأبطال الذين تماهوا بأرواحهم وقيمهم مع أصالة "التراب والبشر"، والذين تتعرّض بلادهم "الهادية" في نهاية الرواية، لحصار مشابه لحصار طروادة، وتؤول إلى الـمصير نفسه في مشهد تراجيدي للحرائق والدمار والـموت والتهجير، الذي يستحضر بقوة صور القتل والتدمير والرعب وهمجية الغزاة الـمحتلين عند سقوط طروادة.. أو همجية الغزاة الصهانية منذ احتلال فلسطين في إلياذة الموت الفلسطينية المستمرة منذ نكبة عام 1948 تاريخيًا مرورًا بعشرات المذابح والمجازر، وصولًا إلى تدمير "غزة" على رؤوس أطفالها ونسائها وشيوخها في أيامنا هذه.. وعامنا هذا، عام 2023 أو على مسافة أيام من ذكرى تقسيم فلسطين في الـ 29 من تشرين الثاني 1947.
 
"لا توجد هناك قوة بمقدورها ان تُوقف فكرة حان وقتها". نعم، لا توجد هناك قوة تستطيع أن تقف في وجه الشعب الفلسطيني في استعادة حقه في الحياة على أرضه المحتلة وقيامة دولته المستقلة. لقد أزفت الساعة في هذا العالم الصامت والمتواطئ، وحان الوقت للقيام بتغيير هذا الصامت المُوغل في تواطئه… "كونوا قدرًا وجموعاً داكنة غامضة الحجم بدون قناديل.. كونوا ليلًا وتراتيلَ دامية.. من كان تشوه أو كان يموت بطيئاً يتقدم قدام الجناز.. العين المفقودة، والكف المقطوعة، والساق المبتورة، والجثث المحروقة.. تُحمل واضحة في (غزة القيامة).. إن تراب العالم لا يغمض عيني جمجمة تبحث عن وطن"… في نهاية المطاف أو في نهاية الطوفان، أو كما يقول القس مارتن لوثر كينغ: "في النهاية لن نتذكر كلمات أعدائنا، ولكن صمت أصدقائنا". لم نكن أساسًا نعير كلمات أعدائنا أي انتباه يُذكر.. ولم نعد نهتم، أو حتى ننتبه إلى صمت من يسمّون أنفسهم أصدقاءنا.. أو كما يردد أهل غزة العزة والكرامة: "نموت واقفين ولن نركع"!
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

آراء 5/19/2026 4:27:00 AM

المسّ بركائز وثيقة الوفاق الوطني –سواء بطريقة مباشرة عبر طرح مشروع "المُثالثة"، أو بطريقة ملتوية عبر المناداة بتطبيقٍ ملتوٍ للطائف تحت شعار تطبيقه "كاملاً" – قد يُدخل البلاد في سجالٍ يدفع بها نحو الحرب الأهلية...

لبنان 5/19/2026 10:50:00 AM
يتحول الطقس تدريجياً إلى متقلب مع أمطار متفرقة ورياح ناشطة تصل أحياناً ٧٥ كلم/س مع ارتفاع لموج البحر ويستمر حتى مساء يوم الخميس
لبنان 5/19/2026 2:15:00 PM
اعتماد أحكام القانون الرقم 194 الصادر عام 2011 بالنسبة إلى المبعدين، واعتبار أحكامه نافذة
مجتمع 5/18/2026 10:32:00 AM
البطريرك المزعوم جان عبود هو كاهن روم كاثوليك سابق تابع لأبرشية طرابلس، كان قد تم توقيفه من الخدمة الكهنوتية وفُرضت عليه العقوبات الكنسية.