الثلاثاء - 26 تشرين الأول 2021
بيروت 21 °

إعلان

ثلاثة تحدّيات أمام مجموعات الانتفاضة في تعاملها مع الحكومة الجديدة

المصدر: "النهار"
تعبيرية (نبيل إسماعيل).
تعبيرية (نبيل إسماعيل).
A+ A-
غسان صليبي
 
قرّرت مجموعاتٌ من الانتفاضة الاعتصام في ساحة رياض الصلح من ١ إلى ١٧ تشرين الأول، في الذكرى الثانية لانطلاقة الانتفاضة. الغرض من الاعتصام لا يزال غير واضح، باستثناء ما قيل عن الرغبة في تفعيل الانتفاضة بعد الركود الكبير الذي عرفته.
 
الاعتصام من الناحية الجغرافية سيُقام قبالة القصر الحكومي، ويطرح علاقة الانتفاضة بالحكومة الجديدة. لم يبالِ معظم مجموعات الانتفاضة بمسار تأليف الوزارة الذي طال لمدّة سنة، بحجة أن هذه التركيبة الفاسدة لا يُمكن أن تنتج حكومة إلا على شاكلتها. لكن في الوقت نفسه لم يجرِ تنظيم أيّ تحرّك ضاغط من أجل تحقيق مطلبها بحكومة مستقلّين ذات صلاحيّات استثنائيّة. فكيف ستتصرّف مجموعات الانتفاضة اليوم بعد التأليف؟
 
الحكومة الجديدة لا توحي بالثقة، لا من حيث تمسكّها بالسيادة الوطنية ولا من حيث حرصها على الوضع الاقتصادي الاجتماعي.
 
موقفها من السيادة بانت ملامحه قبل حصولها على الثقة النيابية. ففي ردّ ميقاتي على سؤال عن إدخال "حزب الله" النفط الإيراني والخوف من عقوبات على لبنان، قال: "أنا حزين على انتهاك سيادة لبنان، ولكن ليس لديّ خوف من عقوبات عليه، لأن العملية تمّت في معزل عن الحكومة اللبنانية". لا يبالي رئيس الحكومة إلا بإزاحة المسؤولية عن كاهله، ويغضّ النظر عن تأثير المسألة السياديّة على الاقتصاد والمعيشة، بالرغم من أن طرَفَي الصراع، الطرف "السيادي" والطرف "الممانع"، يقرّان، كلّ على طريقته، بهذا التأثير. ففيما الطرف "الممانع" يشير إلى مسؤولية "الحصار الأميركي" عن الشحّ في موادّ الاحتياجات الأوّليّة، يركّز الطرف "السيادي" على تأثير "الاحتلال الإيراني" على الوضع الاقتصادي ككلّ، لما له من تداعيات على الاستثمار في البلاد والدعم المالي الخارجي والعلاقة ببلدان الخليج العربي والتهريب إلى سوريا، فضلاً عن التهرّب من دفع الرسوم والضرائب وحماية الهدر والفساد في مؤسّسات الدولة.
 
ولم يقتصر انتهاك السيادة على النفط الإيراني. فبعد يومين من دخوله إلى الأراضي اللبنانية، تبيّن أن إسرائيل لزّمت شركة للتنقيب عن النفط والغاز في المنطقة المتنازع عليها بينها وبين لبنان. وبدل مطالبة رئيس الجمهورية بتوقيع المرسوم المعدّل لترسيم الحدود البحرية، الذي يحفظ حقوق لبنان بثروته، وإرساله فوراً إلى الأمم المتحدة، طالب بري وميقاتي وزارةَ الخارجيةَ بالتحرّك العاجل باتّجاه مجلس الأمن والمجتمع الدولي، للتحقّق من احتمال حصول اعتداء إسرائيليّ على الحدود البحريّة. وهذا تهرّب من المسؤوليّة أيضاً، يمنع لبنان من الإفادة من ثرواته لمعالجة أزمته الاقتصاديّة والمعيشيّة.
 
من السابق لأوانه الكلام عن السياسة الاقتصادية - الاجتماعية للحكومة الجديدة. ولن أعتمد على ما جاء في البيان الوزاري لتحديد هذه السياسة، لأنّه بقي في العموميّات، وعوّدتنا التجارب السابقة ألا نعوّل على ما جاء فيه. لكن من الممكن التأكّد من أربعة اتجاهات بحسب ما جاء في البيان:
 
الذهاب فوراً إلى التفاوض مع صندوق النقد الدولي، التسليم بموقف المصارف في ما يتعلّق بموضوع إعادة هيكلة القطاع المصرفيّ، التسليم بموقف باسيل في ما يتعلق بفتح المجال أمام بناء معامل إنتاج أخرى للكهرباء، التسليم بموقف الطبقة السياسية ومصرف لبنان والمصارف في ضرورة تعديل خطة التعافي وتحديد الخسائر التي أقرّتها حكومة دياب.
 
سأستعيض عن صعوبة الحكم على سياسة اقتصادية - اجتماعية لم تتبلور بعد بقرارات حكومية، بإبداء ملاحظات حول التركيبة الاجتماعية للحكومة وذهنيّة بعض وزرائها التي تجلّت من خلال تصريحاتهم الأولى.
 
تألّفت الحكومة برئاسة الميلياردير الأول في لبنان، وضمّت وزراء، معظمهم لم يُعرف عنهم خبرة في الشأن الاجتماعي المعيشيّ، ولا مواقف مدافعة عن حقوق النّاس المعيشيّة. ووجود امرأة واحدة من بين الـ٢٤ وزيراً، يقلّص قدرة الحكومة على تحسّس المشكلات الخاصّة لأكثر من نصف الشعب اللبناني، لا سيّما أن النساء هنّ من الفئات الأكثر تضرّراً من الأزمات الصحيّة والمعيشيّة.
 
وفي "ذهنية" بعض الوزراء الجدد ما يدعو إلى الريبة بشأن قدرتهم على التفاعل مع احتياجات اللبنانيين. فوزير الشؤون الاجتماعية المفترض أن يجد الوسائل الكفيلة بزيادة قدرة الفقراء على تجاوز صعوباتهم، لا يجد في تصريح له سابق لتعيينه، إلا نصائح يدعوهم فيها إلى المزيد من التقشّف وتحمّل أعباء هذا التقشّف، مثلاً: من خلال عدم استخدام الحفاضات بل الفوَط وغسلها كلّما اقتضت الحاجة. ولا يتنبّه إلى أن ما يطالب به يضيف أعباء على عاتق الأمهات في مجتمعات ذكوريّة تحصر هذه الأعمال بالمرأة. من ناحية أخرى، يلجأ وزير الطاقة إلى الاستعراض و"التجغيل"، فيصل إلى اجتماع مجلس الوزراء بثياب غير رسميّة وبسيّارة "سبور"، ليعود لاحقاً ويرتدي ثياباً رسمية لالتقاط صورة تذكارية للحكومة الجديدة، في وقت لم يعد يستطيع معظم الشعب شراء ملابس جديدة، وهو يقف متصبّباً بالعرق في الطوابير. ناهيك بصعوبة لا بل استحالة اقتناء سيّارة جديدة.
 
أمّا وزيرا الاقتصاد والعمل فعمدا إلى إعطاء مثلَين، بطلاهما حيوانان، ليعبّرا عن رؤيتهما للأمور. الجامع بين المثلين، الأول المتعلّق بالضفدع والثاني المتعلّق بالعصفور، هو من جهة، بُعدُهما عن الأمثلة الحيّة التي تجسّد حياة اللبنانيين كما هي، ومن جهة ثانية، ترويجهما لفكرة أن على الإنسان، كما الضفدع والعصفور في المثلين، أن يبادر هو إلى إنقاذ نفسه قبل أن يعتمد على مساندة الآخرين. هذه نظرة بورجوازيّة لكيفيّة تحسين أوضاع الفرد، لا تُعطي دوراً للجماعة أو للدولة في تحسينها. وهي صادرة عن وزيرين في موقعين استراتيجيين بالنسبة إلى تحسين الوضع المعيشي: وزارة الاقتصاد ووزارة العمل. المفارقة أن الموقع الأول بيد شخص عمل في خدمة الرأسمالية العالمية، والموقع الثاني بيد شخص عمل في خدمة "حزب الله" الممانع للرأسمالية العالمية. يجمع الاثنين تسخيف للمشكلات وتهرّب من المسؤولية من أول الطريق.
 
لا شيء يطمئن إذاً بشأن سياسات هذه الحكومة الجديدة. فكيف ستتعامل معها الانتفاضة؟
ادعو الانتفاضة إلى العزوف عن سياسة مقاطعة السلطة وعدم الاعتراف بها، الذي أثبت لا جدوائيّته. بدلًا من ذلك، عليها ممارسة الضغط على هذه الحكومة من أجل تعديل سياساتها المتوقّعة. ولكي تستطيع القيام بذلك، أعتقد أنه على الانتفاضة أولاً التخلّي عن رهان، وثانياً تصحيح خطأ، وثالثاً التخلّص من وهم.
 
الرهان هو أن التغيير لن يأتي إلا من خلال الانتخابات النيابية. الانتخابات، لا شكّ مهمّة، لكن معيشة المواطنين لا يمكن ان تنتظر موعد الانتخابات، هذا إذا لم يجرِ تأجيلها. الأهمّ من ذلك أنّه لا يُمكن خوض الانتخابات من دون برنامج عمليّ، والاكتفاء بالأفكار والشّعارات العامّة. والبرنامج العمليّ يأتي من خلال محاججة ما تطرحه الحكومة من سياسات وما تتّخذه من قرارات، تطال معيشة المواطنين وتثير اهتمامهم. وتؤدّي معارضة الحكومة أيضا وظيفة انتخابية، إذ تُحرج مرشّحي السّلطة إلى الانتخابات، وتساهم في تكوين مجموعة من المرشّحين تتّفق على مطالب مشتركة، ويتعرّفها المواطنون من خلال مواقفها من سياسات الحكومة.
أمّا الخطأ الذي حان الوقت لتصحيحه، فهو الاستمرار برفع شعار "كلن يعني كلن"، بصفته مقولة تحدّد الخصم الذي يجب مواجهته. فإذا كان هذا الشعار صحيحاً مع بدء الانتفاضة عندما كانت الحكومة "حكومة وحدة وطنية" برئاسة الحريري، وتضمّ جميع القوى السياسية، فإنه اليوم أصبح من دون فائدة في مجال الضغط على السّلطة الحاكمة. فالحكومة الحالية ليست حكومة وحدة وطنية، بل حكومة الأكثرية النيابية، بقيادة تحالف "حزب الله" وعون وبمشاركة ميقاتي، وبغطاء فرنسي - إيراني. هذا لا يعني بتاتاً أن "كلن يعني كلن" لم يتسبّبوا جميعهم بالانهيار، ومعهم حاكم مصرف لبنان والمصارف. لكنّنا لسنا بصدد تحديد الأسباب بقدر ما نحن نحتاج إلى تحديد المسؤولين اليوم عن المعالجة، لمفاوضتهم والضغط عليهم، وإلا ساهمنا في تضييع المسؤوليّات وخلق حجج إضافية للمسؤولين الرسميين للتهرّب من المسؤولية.
 
للمفارقة، نجد أركان السلطة يتبنّون بدورهم شعار "كلن يعني كلن". فعندما ينتقد نصرالله "استنسابية" القاضي البيطار، وعندما يطالب الحريري برفع الحصانة عن الجميع من دون استثناء، وعندما تكرّر هذه المواقف المرجعيّات الدينيّة عند الطرفين، يكون شعار "كلن يعني كلن" قد أصبح يلعب لصالح أركان السلطة.
يبقى أخيراً على مجموعات الانتفاضة أن تتخلّى عن وهم أنها تقود "ثورة". ربما كانت لديها أفكار "ثورية"، لكن لا استراتيجيّتها ولا تنظيمها ولا أدواتها النضالية تشبه الثورة. المسألة ليست مسألة مفاهيم، بل ما يترتب على اعتناق هذه المفاهيم من سلوكيات.
 
فعندما تعتقد أنك ثورة تصرّ على إسقاط النظام والسلطة، ولا تقبل عن ذلك بديلاً. وإذ تعجز عن القيام بذلك، تكتفي بإطلاق الشعارات "الثورية"، وتضع حداً لخيارات عمليّة أخرى. أمّا إذا اقتنعت بأنّك لست "ثورة"، من خلال وعي نقديّ لسنتين من التجربة النضاليّة، تبدأ بالتفكير في أهداف وآليات جديدة للتحرك، ومن بينها الضغط والتفاوض مع الحكومة لإجبارها على تعديل سياساتها بما يخدم مصالح الشريحة الكبرى من المواطنين. عكس ذلك يكون مثلاً بالاكتفاء برفض "ثوريّ" للتعامل مع صندوق النقد الدولي وترك الحكومة تتفاوض معه بحريّة مطلقة، في حين أن الضغط على الحكومة من خلال مطالب محدّدة، قد يجبرها ويجبر صندوق النقد الدولي على الأخذ بالاعتبار هذه المطالب.
 
المفارقة هنا أيضاً أن المتمسّكين بأدبيات "الثورة" يصبّون جهدهم الأكبر على التحضير للانتخابات، أي عمليا يصبون للتحوّل إلى معارضة سياسيّة نيابيّة، وهي النقيض الديموقراطي، لمفهوم الثورة.
 
 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم