الأربعاء - 12 أيار 2021
بيروت 24 °

إعلان

52 عاماً على انتقال المطران إيليا كرم في يوم الجمعة العظيمة

المطران ٱيليا كرم.
المطران ٱيليا كرم.
A+ A-
52 عاماً على انتقال المطران إيليا كرم في يوم الجمعة العظيمة.
قراءة سريعة في وَجه من الوجوه الكنسيَّة الانطاكيّة الجَدِيرَة بالاكتشاف

المحامي كارول سابا، باريس

أَنتَ تَقِفُ أَمام صُورَة المِتروبوليت إيليّا كرم الذي تَرَبَّع كملاك على عرش ابرشيّة الجبل المُستحدَثة حينها، منذ ١٩٣٥ الى ١٩٦٩، تقِفُ امام هذه الصورة وهي مُرَصَّعَة ومُتلألئة بألوان الأبيض والأسود، فتَشعُر أنك تَنتقِل على أجنِحَة الرياح والتاريخ بالزمن، من هذا الزمن الانطاكي الحاضِر الى ذلك الزمن الانطاكي الجَميل الآخر.
 
مِمَّا لا شك فيه، أن في هذه الصورة سِحْراً يُضفي عليه الأبيض والأسود سِحْرٌ أكبر، سِحرًا فيه جاذبيَّة، سِحْراً يُكَلِّمُك في صَمْتِ هذه الصورة المُتكلِّمَة الناطِقَة، سِحراً يَشُدُّكَ الى هذه الشخصِيَّة الفذَّة والمؤمنة والتقيَّة، يَجذُبُكَ إليها لتتعرَّف عليها أكثر، كَونك تشعُر انه قد يكون هناك، ما وَراء الأبيض والأسْوَد الجَذّاب، ألوانٌ وألوان وتلاوينَ كثيرة تَبْزُغ من هذا الحُضور الهادئ، تربطُكَ به وتجعلُكَ باحِثاً عنهُ وعن مَاهِيَّته وتكوينه.
 
ما هو هذا السِرّ؟ سِرّ هذه الهُدوئيّة التي تُقرأ على تكاوين هذا الوَجه الهَادِف والحاضِر؟ ما هو هذا السِرّ، سرّ النظرَة الصادِقة، العميقة، الحقيقيَّة والأصِيلة؟ إن شاهدتها مرَّة، تشعُر أنك بِحَاجَة لتزورها مرة ثانية. إن شاهدتها مرَّة، لا يُمكن أن تمضي غير مُبالٍ. إن شَاهَدَتها مَرَّة، يَتوَلَّد فيك شعورٌ أنه يجب أن تَقرأ بها، في تكاوينها، في ألوانها، وفي مَن هو في وسطها. إن شاهدتها مرة، تشعر أنك في حِضرَة شخصيّة غير اعتياديّة يَسكُنها بَهَاءٌ ما، بهاءٌ من عَصْرٍ آخر، بهاءٌ من زمَنٍ آخر، من مَرحليَّة أخرى، بهاءٌ فيه قُدسِيَّة ما، حاكت أبناءً بالماضي وقد تُحاكي ابناءً في الحاضر الذين يَتوقون إلى كلمة حق وحياة في حاضِر اليوم واليوم الحاضِر.
 
عندما تنظر بعمق للصورة البورتريه بالأسود والأبيض للمتروبوليت إيليا كرم، تَلفتك أولاً تلك الحِلَّة التي هي على رأسِه. فالقلّوسَة المُغطَّاة باللاطِيَّة البيضاء التي يَعلوها الصليب إشارة لكون هذا الإكليريكي رئيس كهنة في رتبة كنسية مَرمُوقَة، ليست تقليداً انطاكياً، بل هي تقليدٌ سَلافيٌّ عند الروس والصَرب، مع الفرق أن في الكنيسة الصَربيَّة، كما في الكنيسة الرومانيّة أيضاً، وحده البطريرك رأس الكنيسة يَلبس الحِلَّة الكنسية البيضاء، بينما في روسيا فهو تقليد لكل رؤساء الكهنة الذين لهم أعلى رتبة في الكنيسة الروسية، اي رتبة المتروبوليتية.
 
فمن ينظر لصورة سيدنا إيليا كرم يشعر لوهلة أولى أنه امام بورتريه لأحد أئِمَّة الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. كيف لا والمطران إيليا كرم، كُرِّمَ روسيّاً، فهو الذي يتمتع بشخصية فذة، له مآثر وعلاقات كبيرة ومُستديمة مع روسيا، بالأخص من خلال الحادثة الشهيرة التي حصلت في العام ١٩٤٢ والتي تتعلق بخلاص روسيا روحيّاً من الهجوم النازي عليها.
 
أليس هو الذي لبّى نداء المتروبوليت (البطريرك لاحقاً) ألكسي الأول، والنداء الذي أطلقه البطريرك الأنطاكي ألكسندروس إلى المطارنة والإكليريكيين في الكرسي الأنطاكي بهدف إقامة الصلوات وتلاوة التأملات لحماية روسيا من الخطر النازي؟ أليس هو الذي ظهرت له العذراء كعمود نار في دير النوريّة وأوكلته بإيصال رسالة روحية ليُرسلها إلى من هم في الحكم بروسيا (وقتها كان ستالين المُلحد الذي اضطهد الكنيسة في روسيا لعشرين سنة خلت) ليتخذوا قراراً بوقف الهجوم على الكنيسة واطلاق سراح المحتجزين والمنفيين من الإكليركيين والرهبان وأن يقوموا بتطواف على كل الجبهات العسكرية مُتَصَدِّرين المَسيرات بأيقونة سيدة كازان الشهيرة حامية روسيا؟ أليس هو من دُعي من قبل ستالين في ١٩٤٧ الى احتفالات النصر وحاز على أوسمة وجوائز لدوره في حماية روسيا؟ أليس هو الذي زار ثانية روسيا في ١٩٤٨ وشارك في اللقاء الارثوذكسي الجامع (البَانْ أرثوذكس) التي شاركت فيه بعض الكنائس الأرثوذكسية والأنطاكية منها وكان يُنبئ بعودة الكنيسة الروسية الى الساحة؟ أليس هو الذي زار روسيا للمرة الأخيرة في ١٩٦٣ في عز الصراع الذي كادَ ان يُصبح نوويّاً بين خروتشيف السوفياتي وكيندي الأميركي؟
 
الأمر الثاني الذي يُلفت النظر والجدير بالإشارة إليه، هو كون المطران يَظهر في الصورة مع اللاطيّة البيضاء التي يَعلوها الصليب، وعلى صَدرِه ايقونَتَيّ صَدْرْ (أونكولبيون باليونانية) وصليب، وهذا الاجتماع الثُلاثيّ من عادات لباس البطريرك وحده، كون الصليب مُحاطًا بأيقونتَي صَدر يَرمز الى الكماليَّة الكنسية الجامِعة التي هي في صلب خدمة الأول الخادِم للجميع، أي البطريرك. وهذا قد يكون دليلاً آخر على أن خدمة المطران كرم كان يُنظَر اليها أنها جامِعَة لا غُبار على ريَادتها.
 
أما المُشاهدة الثالثة فهي لباس الماندِيّاس التي هي على كتفي المطران في الصورة، وهي كلمة يونانية تعني الرداء الطويل البنفسجي اللون الذي يُستقبل به رئيس الدير أو رئيس الكهنة ويتم إلباسه إياه كدلالة على سلطانه الكنسي، كون هذا الرداء مُذهَّب الاطراف ومُطرَّزاً بخيوط ذهبية ويَحوي صور ايقونة السيد وصليبه، وأحياناً صور أيقونة والدة الإله، وبعض الأحيان الأخرى الإنجيليين الأربعة. وحول أطراف لباس الماندِيّاس نرى النَيَاشين والأوسِمة التي تعلو صدر المطران كرم كدلالة هنا ايضا على مآثره في خدمة الكنيسة بشكل لائق ومُفيد في مُناسبات عدة.
 
هناك أشخاص من الماضي، الذين لم يَمضوا هُم وإن مضوا ولم يَمض ماضيهم وإن مضى، يعودون وفجأة يدخلون عليك من حيث لا تدري. انت لا تعرفهم جيداً، ولا تعرف اقرباءهم، ولم تتصفَّح كتاباتهم، ولم تغوص بعد في تفاصيل مَن كانوا، ومع من عمِلوا، وكيف عملوا. قد تكون سمعت عنهم وقرأت عنهم القليل، دون ان تلتمس وجههم مرة عن قرب بمعرفة شخصية، أو ان تغوص بماهيتهم، سيرة وكتابات. وفجأة يدخلون عليك عنوة وتجد نفسك قريباً منهم، لصيقاً بهم، مربوطاً ببداية شوق لمعرفتهم أكثر. هؤلاء يَدحُلُّون عليك كضيفٍ غير مُتوَقَّع، فتستقبلهم، وتحتَفّ بهم وتُحدِّثهم... ومن حديث يجر الحديث، تبدأ رحلة مرافقة معهم فتقرأ في كتابهم وسيرتهم ما يفيدك اليوم، الآن وهنا ويفيد الآخرين ... والمطران كرم من هذه الطينة التي تدفعك الى معرفته أكثر، والبحث اكثر في سيرة رعايته وأسقفيته.
 
عناصر كثيرة يجب ان تحثُّنا باعتقادي على البحث والإضاءة أكثر على سيرة ورعاية واسقفية هذا الأسقف الجليل المَظهر والمَسَار.
 
أولاً، كونه من تلاميذ أحد أهم البطاركة الأنطاكيين في القرن العشرين، أي المثلث الرحمات البطريرك الأرثوذكسي الأنطاكي غريغوريوس الرابع، الذي يُعتبر من أهم البطاركة في التاريخ الكنسي الحديث، والذي له مآثر خلال الحرب العالمية الأولى وما بعدها والذي ربطته أيضاً علاقات جيدة مع روسيا كونه هو الذي ترأس في ١٩١٣، بناء لطلب القيصر نيقولا الثاني، احتفاليّات الثلاثمائة سنة حينها على اعتلاء عائلة رومانوف على عرش القياصرة في موسكو، وكان يُدعى بأبي الفقراء الذي لا يُميِّز بين مسلم ومسيحي، وكان هامَة وطنيّة واعية ومُستقيمة لا تزلُّف فيها لأحد وكان الرفيق الوطني الوفيّ للأمير فيصل بن الشريف حسين الهاشمي، والذي بقي لهُ وفيًّا حتى عندما تغيَّرت رياح السياسات والمَصالح في المنطقة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى.
 
ثانياً، كون المطران كرم عايش فترة زمنية مِحورية في تاريخ المنطقة العربية وبالأخص لبنان وسوريا، رئتي الكرسي الأنطاكي. وهذا عامل هام يجب أن يَدفعك الى معرفته أكثر، والبحث أكثر في سيرة رعايته وأسقفيته في فترة هي من أهم وأدقّ الفترات الزمنية التاريخية المُعاصرة في تاريخ الكرسي الأرثوذكسي الأنطاكي، كنسيًّا ووطنيًّا
 
فبالفعل، هذه الفترة ليست مهمة فقط من الناحية الكنسية بل أيضاً هي مهمة مُجتمعياً وسياسيًّا وجيوسياسيًّا في المنطقة كونها رافقت كل تحولات لبنان وسوريا في هذه الفترة وتحولاتها من تجليّات وسُقطات أسَّست لتوثُّب الكنيسة الأنطاكية، بشكل أو بآخر، في سبعينيات وثمانينات وتسعينيات القرن الماضي إلى اليوم، وفيها حصلت تراكمات عديدة وتناقضات وحساسيات لا بد من قراءتها اليوم بهدوئبة كنسية وموضوعية تاريخية، كونها أنهكت الكرسي الأنطاكي وجعلته على تساؤلات... فقراءة جغرافية رعاية واسقفية المطران كرم في كل تلك الفترة الزمنية التي مَنَّ الله بها هذا الأسقف من ١٩٣٥ الى ١٩٦٩ عند رقاده، في ابرشيّة مُتمادية الأطراف و هي أبرشية وسطية ومِحورية في الجانب اللبناني من الكرسي الأرثوذكسي الأنطاكي ومِحورية أيضاً في جغرافية الكرسي الأنطاكي ككل، هي مُفيدة لقراءة نقديّة بنَّاءة لهذه الفترة بموضوعية لا تنفي الإيجابية حين توجد ولا السلبية إذا انوجدت.
 
أما العنصر الثالث، فهو في نموذجية الرعاية الوديعة المُتواضعة القريبة من الناس ومن الفقراء ... كيف لا وهو تتلمذ في دمشق على يد البطريرك غريغوريوس الرابع وتعلم منه كيف يكون في خدمة الفقراء مهما كان دينهم، فشرب المطران كرم هذا النهج الخدماتي المتواضع، وكرسه في رعايته وكان يُردد دائماً أنا مطران عن البشر ولست مطراناً عن الحجر، كما كان يتمسك بقول (البطريرك الإسكندري) القديس
يوحنا الرحيم، أن الفقراء أسيادنا. أليس جميلاً وفيه سر كنسي أن التسلسل الرسولي لهذه الخدمة المتواضعة الجليلة والقريبة من الناس، تتجلَّى أيضاً بكون أن المطران كرم هو الذي أقام الرسامة الشموسية والكهنوتية لذلك القديس الوديع الآخر، سيدنا بولس بندلي؟
 
ناهيك، نهاية، إن هذه الوداعة الكنيسة لم تغِب عنها الأيقونة الذي كان معروفاً عنه تمسكه بالأيقونة ومحبته لها ولا حضور والدة الإله عن سيدنا إيليا كرم. فسيرة المطران طبعتها ثلاث أيقونات هامَّة وعجائبية، أيقونة سيدة كازان حامِية روسيا، أيقونة سيدة النورية حامِية الشاطئ اللبناني والأنطاكي، وأيقونة سيدة إم النِعَم السريعة الاستجابَة في بلدته بحمدون، التي لها تاريخ عريق من الاستجابة والمعونة ...
 
نهاية، بالطبع كل سيرة تحتمل النقد أو المَدح. نحن لسنا دُعاة أي نقد ليس فيه بناء وعنصر جَمْع، ولسنا دعاة أي مدح هو تبخير وتبجيل تزلفيّ لا يُفيد الكنيسة ونُموها وصدق وطهارة شهادتها. بالطبع هناك اعتبارات كنسية وداخلية مختلفة حول هذه الفترة الكنسية الطويلة حيث كان المطران إيليا ملاكاً على أبرشية الجبل، قد تكون حسَّاسة وتتطلب هدوئية وترفُّع ودِقَّة في التحليل والتحليق، لكن باعتقادي نحن لسنا ورثة بل نحن أبناء... وبالتالي علينا كأبناء أنطاكية العظمى، الآن وهنا، لما يبقى أمامنا من تحديات وتحولات، أن نقرأ قراءات روحية للتجارب التاريخية والآنيّة التي مررنا ونمر بها (من ما قبل الأزمة اللبنانية من سبعينيات القرن الماضي، مروراً بالأزمة السورية إلى أزمات عالم اليوم...) أن نقرأ علامات الأزمنة فيها ووجه الرب من خلالها وما يطلبه منا، من كل واحد منا.
 
نعم، علينا ان نقرأ الزمن الأنطاكي الحاضِر على ضوء أنوار وتناقضات ذلك الزمن الأنطاكي الجَميل الآخر الذي عاش فيه المطران كرم ورعى فيه شعب الله، ونرى كيف تفاعل مع أخوته رؤساء الكهنة الآخرين ومع التحديات وقتها، وهو زمن أحبَّه البعض وانتقده البعض الآخر، وأنا أرى فيه عناصر ممزوجة بعضها ببعض، ومُتلونة بألوان مُختلفة، فيها الأبيض وفيها الأسود وفيها الرمادي، ولكن ليس بياضها بياضاً أعظم، وليس سوادها سواداً أعظم. بالطبع، ليس المَطلوب مُقارَنة ذلك الزمَن بالزمَنِ الحاضِر، سَلباً أو إيجاباً، وكأن الأزمنة الكنَسيّة مُتجابِهة، مُتصَارِعَة أو مُتنافِسَة، بل المطلوب أن يكون لنا سَرديَّة تاريخية كنسيَّة موضوعية مُتناغِمة مُترابِطَة مُتكامِلة فيها استمرارية تربُط الماضي بالحاضِر بما فيه، بما لهُ وبما عَليه ... علَّنا لا ننسى انه ليس المطلوب كنسيّاً وروحيّاً التَوَثُّب نحو الماضي، بل نحو المستقبل أي نحو مملكة الآب والابن والروح القدس المُباركة، وهي الهدفُ الوحيد والأوحَد، والطريق إلى الهدف.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم