الأربعاء - 26 كانون الثاني 2022
بيروت 11 °

إعلان

إعادة تعريف "المؤامرة" العربية

المصدر: "النهار"
تعبيرية.
تعبيرية.
A+ A-
د.خالد باطرفي
 
مسميات نظرية المؤامرة العربية متعددة، ولعلها فاقت في تنوعها المسميات الدولية. ففي أميركا الجنوبية، مثلاً، هناك المؤامرة الرأسمالية، الأميركية. وفي أفريقيا مؤامرة المستعمر الأوروبي القديم - الجديد. وفي آسيا، هناك المؤامرات الصينية والرأسمالية والروسية. وتكاد تكون كل الدول التي تشتكي من المؤامرات دول فقيرة (رغم مواردها الطبيعية)، ديكتاتورية (ولو غلفت بديموقراطية زائفة)، تعاني من الفساد وسوء الإدارة وتحكم العسكر، أو الحزب الواحد، أو الزعيم الأوحد. وتخوض حروباً وصراعات داخلية وخارجية.
 
المسميات العربية تضيف لكل ما سبق مسميات "فذلكية" فاخرة، بدءاً بالمؤامرة الصهيونية (المفضلة لدى محور المقاومة)، ومروراً بالتآمر الفارسي - الأوروبي - الأميركي (كما في العراق)، وانتهاء بالمؤامرة الكونية، التي صاغتها سوريا.
 
نظرية جديدة
تنظيري للنظرية قادني الى نظرية جديدة تفسر الحالة. فالمؤامرة هي أشبه بخطة إدارة نادٍ رياضي. وقيادة أي دولة أو تنظيم لا تختلف عن قيادة النادي. وساحة التنافس السياسية والاقتصادية والعسكرية تماثل ساحة المنافسات الرياضية على البطولات المختلفة، بمستوياتها المتعددة.
 
الكل يتآمر لتحقيق المكاسب في الحالتين. الزعيم السياسي والزعيم الرياضي يسعيان من خلال الخطط الاستراتجية والتنفيذية، من خلال التحالفات والشراكات، ومن خلال الصورة الذهنية لدى العامة عبر وسائل الإعلام والعلاقات العامة، لتوفير الدعم والتمويل والرعاية للمشاريع المحققة للأهداف المرجوة. وكل ذلك مشروع، بل ومطلوب، طالما لم يتجاوز النظم والتشريعات والقوانين، الرسمية والقيم والمبادئ الأخلاقية. أما إذا حدث تجاوز وتعدٍّ، فهناك مرجعية قانونية وأخلاقية يمكن للمتضرر اللجوء اليها. فمحكمة الرأي العام لا تقل أهمية عن المحاكم القضائية.
 
قيادة المؤامرة
وعندما يصل الزعيم إلى عرشه، بالانتخاب أو الاختيار أو الانقلاب أو التوريث، لا فرق، وبعد أن يشكل قيادة بلاده أو ناديه، وبعد أن يتعرف إلى الموارد المادية والبشرية، ويحدد الاحتياجات والمتطلبات، ويدرس التحديات والعقبات، يبدأ مع فريق العمل الذي اختاره (الوزراء والمدراء والمستشارون، أو القيادات والمدربون واللاعبون) في رسم خطط العمل في كل المجالات، بدءاً من الدراسات المتعمقة، وانتهاء بجداول العمل التنفيذية الداخلية والخارجية. وقد يتطلب الأمر إعادة هيكلة للمنظومة كلها، أو بعضها، تغيير الصورة النمطية بإعادة التسمية والتوجيه، رفع شعارات جديدة وإلغاء أخرى، وبناء علاقات نفعية وتشاركية مع دول أو أندية، منظمات أو كيانات أخرى، ممولين ورعاة، الخ.
 
ثم، يبدأ التنفيذ مع بداية مواسم السباق على المنافع والجوائز، وتظهر النتائج مدى نجاح المخططات (المؤامرات) الموضوعة مقابل تلك التي وضعها منافسوك. وعليك حينها أن تراجع تفاصيلها وتعيد برمجتها وتعديل مسارها وفق الحاجة والتجربة والمستجدات.
 
الرياضة نموذجاً
ولو أخذنا مثال المباراة، فخطة اللعب يجب أن تواكب أداء لاعبيك، وما ظهر لك من خطة وأداء الفريق المنافس. وقد تستبدل لاعباً أو أكثر، أو تغيّر مواقعهم، أو تقيّم أداءهم. وإذا لم ينجح ذلك كله، فعليك درس معطيات التجربة بعد المباراة، والاستفادة منها في المباريات المقبلة. كما عليك مواجهة جمهورك الغاضب، والإعلام الناقد، والرعاة المتململين بما يهدئهم ويطمئنهم ويقنعهم بأن القادم أفضل.
 
وفي نهاية الجولة... في نهاية الموسم، سيحق لك أن تنال "نصيبك" من الثناء على الفوز والنجاح، أو الحساب على الهزيمة والفشل. ولكن لا يحق لك أن تنسب لنفسك كل نجاح وترمي على غيرك مسؤولية الفشل. ولا يجوز لك أن تصف التفوق بعبقرية القيادة رغم الصعاب، وتسمي السقوط مؤامرة كونية. فقد كان لك أن تخطط وتنفذ بقدر ما كان لمنافسيك. الفرق، أن مشاريعك خابت، فيما وفّقت مشاريعهم.
 
المقبول والمرفوض
وفي هذه الحالة أمامك مخرجان: إما أن تتحمل مسؤولية الفشل، كقائد اختار بنفسه مساعديه، واعتمد بختمه مخططاتهم، وأشرف بعينه وسمعه على تنفيذها، وأن تضع مشروعاً للحل وخطة بديلة للمرحلة المقبلة، وتطلب من جمهورك مناقشتها والموافقة عليها وتفويضك الإشراف على تنفيذها، أو أن تستقيل، وتعطي الفرصة لغيرك لتحمل المسؤولية وقيادة مرحلة التغيير.
 
أما المرفوض تماماً، فهو أن تتبرأ من مسؤولية ما حدث، وتلقي بها على عاتق فريقك والفرق الأخرى، أو على التحكيم والإعلام واتحاد كرة القدم والملاعب والطقس والجمهور والرعاة، أو أن تدعي أن الكون تآمر ضدك لخوف المنافسين من عظمتك وعبقريتك، أو ضد ناديك لحقد دفين وحسابات قديمة، أو بسبب المبادئ التي تمثلها والمواقف السامية التي تعبر عنها. فدورة الفلك لم تبدأ بك ولن تتوقف بغيابك، والكرسي الذي جلست عليه جاء قبلك وسيبقى بعدك. والكيان الذي أدرته أوجده غيرك، وسيمضي بدونك.
 
حال الدول
هذا مثال محزن لمصير نادٍ. تخيّلوا حال بلد ابتلي بمثل ذلك لزعيم وتلك القيادة. وحال شعوب ترفع طوائفها لمقام الزعامات "الملهمة"، فوق الدولة والحكومة والقضاء. وتسمح للمرجعيات "المعصومة" بأن تمثل السماء. وينادي منادوها "الأسد أو نحرق البلد"، وتتبرع جماهيرها بالروح والدم فداء، لا للوطن، ولكن للزعيم الأبدي الأوحد. وفي المقابل، يعتبر الزعيم أن مجرد نجاته من مؤامرات إبعاده انتصار للوطن العظيم، والشعب الصامد، والأمة المجيدة. وأن وجوده ضرورة وجودية، وتحدٍ بطولي، وموقف سيسجله التاريخ بأحرف من نور، وتهلل له الشعوب المقهورة، الثائرة، الحرة في كل أرجاء المعمورة.
 
برأيي إن نظرية المؤامرة كأي نظرية تصيب وتخيب. تفسر أحياناً تحديات وعقبات تواجه الزعامات والقيادات في كل المجالات. فالتنافس حقيقة كونية، وطبيعة بشرية. فمنذ تنافس هابيل وقابيل على رضا الله، والذي انتهى بقتل احدهما لأخيه، والبشر في حالة تنافس مستمر على الموارد والمصالح والسلطة. ومن يدخل السباق لا بد من أن يدرك أن الرياح لا تجري دوماً كما تشتهي السفن. وأن قوانين اللعبة معلنة وسرية. وطريقة اللعب قد يشوبها خلل وقد يصيبها الفساد. والحكام بشر يصيبون ويخطئون، يخلصون ويخونون. والإعلام قد يظلمك لحساب خصومك، فيضخم أخطاءك ويتجاوز عن أخطاء غيرك، ويطبل لإنجازاتهم ويقلل من حجم انجازاتك. والرأي العام قد يُخدع، وقد يجهل، وقد يبالغ في ردود فعله. والتفوق المادي أو الجسدي أو الفكري قد يعطي خصمك مزية تميل بالميزان ضدك، وتدفعك لتعويضها بشكل أو بآخر.
 
التعامل مع الواقع
كل هذا واقع وحقيقة من حقائق الحياة، فإما أن تكون مستعداً للتعامل مع كل ما سبق، أو تتنحى لمن يجيد اللعبة كما هي، لا كما يفترض أن تكون. وأنك إن قبلت الشروط، وتسلمت القيادة، وخضت معترك الحياة السياسية أو التجارية أو الرياضية، أو حتى العلمية والتعليمية، فتوقع الخسارة بقدر ما تتوقع الربح. وواجه النتائج بعقلانية ومشروعية ومسؤولية.
 
نعم، المؤامرة موجودة وحقيقية، ولكنها لك وعليك، منك وضدك، حول منظمتك وداخلها. وعليك أن تتعامل معها بواقعية وجسارة وذكاء. فإن فزت فمرحى، وإن هُزمت فقاوم، وإن حان وقت الاستسلام، فودّع بكل شجاعة وعزة، من أجل الوطن، من أجل الكيان، من أجل الفريق. وسيسجل لك التاريخ ذلك. أليس هذا المخرج خيراً من مواصلة لعبة خاسرة، تنتهي بإقالة مهينة، مزرية؟
 
نُشر أيضاً في "النهار العربي".
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم