الأربعاء - 20 كانون الثاني 2021
بيروت 14 °

إعلان

مؤمن بالحواس الخمس فقط

المصدر: "النهار"
الاحتفال بالميلاد في القامشلي (تعبيرية- أ ف ب).
الاحتفال بالميلاد في القامشلي (تعبيرية- أ ف ب).
A+ A-
 
مصطفى علوش

أمضيت خمسين عاماً من عمري في سوريا في ظلال الحركة التصحيحة، ومن نتائجها أني صرتُ مهاجراً يصفني أهل هذه البلاد بالأجنبي. منذ عام تقريباً صرت أعيش في ظلال وباء كورونا. ما كان ينقصني أنا الغريب، الذي يبحث عن الدفء الإجتماعي في كل خطوة أخطوها، سوى وباء كورونا، ومعه كل قواعد التباعد الإجتماعي وارتداء الكمامة، ما يجعلني أكثر غربة من قبل.
 
رغم غربتي هذه، أحمدُ السماء على نعمة اللجوء. فهذا العالم يهتزّ ويتغير، وثمة أرض جديدة صار بإمكاننا المشي عليها، وتغيير شكل الحروف والمفردات، فاللغات الجديدة هي أيضاً حيوات جديدة بدأنا نعيشها.
 
في الطريق نحو أوروبا قادنا المهرّب الأول نحو الباصات في أحد أحياء اسطنبول، وبعد سفر تسع ساعات وصلنا إلى مكان ما بالقرب من البحر وبعد مشي نحو الساعة في البراري حططنا في مكان يطلق عليه المهرّبون اسم "النقطة". هناك اجتمعنا في طرف غابة ملاصقة للبحر، كمثل كائنات الإختبارات العلمية، المهرّب الآن هو الرئيس علينا. والمهرّبون هنا هم الطبقة الحاكمة، وليس علينا سوى الإصغاء وتنفيذ التعليمات الصادرة منهم بالحرف. 
 
في ذلك اليوم لم نتمكن من السفر عبر البحر فاضطررنا للنوم في الغابة. كنا بلا ماء ولا غذاء ولا مؤونة. أبو مالك السوري الكردي قال لي سأعطيكم بعض الخبز والحلويات. بعض الفتيان عثروا على نبع ماء قريب، فصار هناك غذاء وماء، والغريب للغريب صديق. غاب الأمل في ذلك اليوم، وامضينا ليلة بيضاء متسائلين: وماذا لو تركنا المهرّبون هنا ولم يعودوا غداً!؟
 
في "النقطة" رحت أبحث عما تمّ تركه الفارّون من حقائب في المكان. مئات الحقائب بمقاسات مختلفة تم تركها هنا. عثرت على عدد من عبوات الماء كما عثرت على حقيبة كاملة من ملابس نظيفة، أخذتها لأجعلها فرشة نوم لصغيرتي. هنا في "النقطة" يمكن تلخيص كامل أعمارنا البائسة، هنا زجاجات ماء وحقائب مرمية، هنا محطات عمرنا السوري المقهور، وإهانتنا وتركيعنا وتجويعنا. لكني هنا تلمستُ ضوءًا في نهاية النفق، فقد كان عليّ أن أكون قوياً لأتمكن من متابعة رحلة الهروب. بكيت وحيداً كشاة قبل الذبح ومسحت دموعي وحيداً، ثم وقفتُ لإنتاج الأمل وقلت لمن حولي: سنصل.
يمكن لكاميرا ما أن ترصد أدق الحكايات لمهاجرين تمّ إجبارهم على الرحيل. أنا واحد منهم، كنتُ أريد البقاء لكن صورة هتلر سوريا جعلتني أهاجر. 
 
إلى "النقطة" يصل الناس. يجلب المهرّب القارب المطاطي بسيارته، وخلال ساعة أو أكثر قليلاً يتم تجهيزه ونفخه، ثم يبدأ السفر.
"النقطة" هذا حكاية شرق حزين، حكاية بشر ولدوا بالغلط، ضحكت عليهم آيات من كتب الله فجعلت الأزواج يؤمنون بأن الأطفال يولدون وهناك رب يرزقهم. في "النقطة" كنا خرافاً بشرية مقهورة وكان المهرّب قائدنا.
 
في تلك الليلة السوداء عاد المهرّبون ليلاً وحملوا لنا الطعام والماء. كانوا أكثر رحمة من كل حكومات العالم، وخاصة حكومة هتلر الأسد.
 
"النقطة" إياها بقيت في ذاكرتي، شاهدة على زمننا الأسود. "النقطة" إياها كانت تعني أن ما بعدها ليس مثل ما قبلها. كانت نقطة النهاية مع قهر سابق وبداية تحديات جديدة.
أنا المؤمن فقط بالحواس الخمس، المؤمن فقط باليد وهي تتحسس يداً أخرى تحبها وتعانقها، أنا المؤمن برائحة المحبة، أريد أن أعيد تدريب حواسي الخمس على الحياة. لا أريد مسافة تباعد لمتابعة الحياة. لا أريد كمامة لإخفاء الفم والأنف. أريد التنفس والغناء والرقص والغناء. أريد البكاء والفرح. أريد أن تنتهي تلك "النقطة" الفاجرة والمرعبة من حياتي لتبدأ نقاط خضراء أخرى بالتشكل.
 
أريد أن أشمّ رائحة الحياة من خلال حبّ وأغنية. أريد تذوق طعم الماء والطعام دون خوف من الغد. أريد رؤية البشر فرحين مطمئنين آمنين. أريد الإستماع إلى الموسيقى. أريد الحرية لي ولغيري. أريد كل ذلك في عمرنا القصير الهارب.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم