الثلاثاء - 13 نيسان 2021
بيروت 17 °

إعلان

بين مطرقة المحافظ وسندان المجلس البلدي

المصدر: "النهار"
طرابلس تحترق (تعبيرية- "النهار").
طرابلس تحترق (تعبيرية- "النهار").
A+ A-
المحامي فهمي رشيد كرامي

منذ يومين تلقت طرابلس وأهلها خبراً مفاده أن سعادة محافظ لبنان الشمالي القاضي نهرا، تعرّض عبر مرافقيه، لرئيس بلدية طرابلس الدكتور يمق بالإهانة وحجز الحرية، أثناء جلسة التحقيق معه بناء على تكليف من معالي وزير الداخلية. علماً أن الاستدعاء والتحقيق، تم بناء على شكوى رفعت لمعالي الوزير عبر سعادته، يتّهم فيها بعضٌ من أعضاء المجلس البلدي رئيس البلدية بالتقصير في أحداث بلدية طرابلس ويطلبون التحقيق معه.
 
وطبعاً هذا التحقيق من الناحية القانونية واقع في محله، إذ إن نص المادة 108 من قانون البلديات واضح لجهة إعطاء وزير الداخلية صلاحية التحقيق مع رئيس البلدية، تحضيراً لاتخاذ القرار بإحالته للمجلس التأديبي الخاص برؤساء وأعضاء المجالس البلدية الذي نص عليه القانون في حال ثبت تقصيره.
 
ومن حق معالي الوزير أن ينتدب سعادة المحافظ ليجري هكذا تحقيق. وعندما نتحدث عن تحقيق في تقصير أدى إلى تسهيل إحراق مبنى بلدي، فمن المفروض أن يكون تحقيقاً جدياً، منتجاً، للوصول إلى حقائق حول تلك الواقعة، فيعاقَب المقصرون نزولاً عند مطالب أهل المدينة كافة، وإحقاقاً لعدل غاب عنا لدرجة أننا نفتقده ونشتاق لرؤيته.
 
لكن ككل مرة نتحدث فيها عن تحقيق وسعي لكشف المستور، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، وعوضاً من أن نكون أمام مطالبة بمتابعة للتحقيقات وإصرار على إظهار الحقائق، فإذا بنا ندخل في مواجهة نتناتش فيها كرامة طرابلس وأهلها، التي كما قيل، هي من كرامة رئيس البلدية التي أهينت، وأصبحنا بحاجة لتحقيق إضافي لنعرف ملابسات ما حصل وخاصة أمام تضارب الروايات.
 
فمن هدر كرامة طرابلس في ما حدث؟
 
عندما نتحدث عن كرامة مدينة كطرابلس، فإننا نلامس شيئاً نفيساً، وأمانة غالية، يفترض أن تصان بأهداب العيون، ويُذاد عنها بالدماء.
 
لا شك أن سعادة المحافظ ولا سيما بعد سنوات قليلة من استلامه مهامه، تخاصم مع المدينة وأهلها وكرامتها، وفضّل عليها مصالحه ومصالح تياره السياسي، وأظن أن ملفات كثيرة سيقت بحقه وخاصة في السنوات الأخيرة، حتى أنّ بعضاً من أهل المدينة صنفوه من الأعداء، ولا سيما أنه في أحداث طرابلس الأخيرة، التي جرّت على المدينة أضراراً مادية ومعنوية، نجده لم يحرك ساكناً، ولم يجر تحقيقاً، ولم يوجه مساءلة لأي جهة تحت إشرافه الوظيفي حول ما حدث، وكأن أمن المدينة وضبطه ليس من صلاحيته، ولا يدخل من ضمن مهامه. علماً أن المادة 11 من المرسوم الإشتراعي رقم 18 تاريخ 12/1/1953 تجعل حفظ النظام والأمن من مهامه، وتعطيه المادة 19 صلاحية اتخاذ الإجراءات الاحتياطية مع الأجهزة الأمنية، في الحالات التي تقتضي ذلك.
إن الهدف من ذِكر هذه الصلاحيات هو أن نوضح أنّ من يتولى التحقيق حول أحداث طرابلس هو المتهم الأول بالتقصير. وخاصة أن رئيس البلدية كان قد صرح أنه أعلم سعادته بأن هناك من ينوي الاعتداء على البلدة، إلا أن سعادته لم يحرك ساكناً.
إذاً نحن أمام متهم، متخاصم مع أهلها، يتولى التحقيق، وهذه إهانة واستهتار بالمدينة.
 
هذا من جهة المحافظ
أما من جهة أعضاء المجلس البلدي وحضرة الرئيس، فإنه وبالرغم سحب الثقة من الرئيس أحمد قمر الدين، الذي اعتبر البطة السوداء في ركب البلدية، والمجلس مستمر في التخبط في أهوائه الشخصية، ومهمل بلديته، يخرج من خلاف ليقع في خلاف، حتى وصل إلى أسفه أصول التواصل والتعبير، وسمعنا شتماً، وشهدنا ضرباً، في جلسات انتخاب الرئيس.
 
وما إن استقروا على شخصه بمعادلة غريبة، حتى بدأت البيانات والبيانات المضادة، والمدينة ينهشها الفقر والجوع، وتبيد رجالاتها ونساءها الكورونا، وما زالت طرابلس تنتظر المستشفى الميداني، وتتألم من انعدام قرارات تساعد في تخفيف أزمتها، وكل همّ أعضاء المجلس أن يتراشقوا التهم، ويسردوا براءتهم منها ودلائل سفاهة رفاقهم، ويبقون عاجزين عن الإجتماع لصالحها. علماً أن أغلبهم دخل المجلس مصلحاً من رحم المجتمع المدني لينقذنا من براثن سياسيين عاثوا فساداً في المدينة، وأهانوا أهلها، واستهتروا بألمها، حتى لجأوا إلى من رفضته المدينة مرجعاً لها، سعادته، ليشتكي بعض على بعض، وليسلّموا رقابهم لإرادته.
 
فعن أي كرامة نتحدث؟ وأي إهانة ضُرِبَ لها نفير الثورة والاحتجاج؟
كنا نأمل من أعضاء المجلس وحضرة الرئيس أن يحرصوا على كرامتهم، فلا يهينوا بعضهم ولا يشهّروا ببعض، ولا يسمحوا أن تصبح سمعتهم مادة تلوكها البيانات.
كنا نأمل من أعضاء المجلس أن يتحدوا في الصعاب، ويتكاتفوا في المحن، ويتعالوا على الصغائر، وإن كان من مرتكب فليتحدوا على كف يده وملاحقته.
 
كنا نأمل من حضرة الرئيس أن يدرك أنه مستدعى إلى التحقيق، وليس إلى فنجان قهوة، وكتاب معاليه واضح وصريح، فيعدّ العدة لهذا اللقاء بما يليق بكرامته قرينة كرامة المدينة، ويستعين بأهل الخبرة والقانون، ويحشد من الوقائع والأقوال ما يحوّل محضر استماعه إلى دليل إدانة لمن يحقق معه.
 
كنا نأمل من حضرة الرئيس أن يطبّق على نفسه ما يطبقه في عمله، بحظر تصوير المستندات الرسمية بجوّاله، ولا يدخل في مهاترات مع إنسان نعرف طباعه ونواياه، وينهي التحقيق ويدون طلبه رسمياً على المحضر بالحصول على نسخة عن صفحاته، فيوفر على نفسه وعلى المدينة صراعاً يضيّع البوصلة، ويدخلنا في سجال الكرامات المهدورة.
كنا نأمل من حضرة الرئيس أن يرفض المثول أمام إنسان لفظته المدينة، ويطلب تكليف الأكفاء لإجرائه أصولاً، ولا ينتظر الإهانة حتى يتذكّر فساده وسوء سيرته، فينشد البطولات بعد وقوع المحظور.
 
كنت آمل أن أرى كرامة المدينة مرفوعة مصونة على أكتاف مجلسها البلدي وأعضائه، محفورة في ضمائرهم يضحون بالغالي والنفيس للدفاع عنها، لا أن أرى كرامة المدينة أصبحت أداة للتناحر وتسجيل الأهداف في مرمى المصالح الضيقة.
لقد ضاعت كرامة المدينة عندما تسوّلت نساؤها، وجاع أهلها، وغاب مسؤولوها عن سماع أصواتهم.
 
واليوم أُجهزَ على ما تبقى من هذه الكرامة بمطرقة المحافظ على سندان المجلس البلدي.
يبقى لديّ أمل أن يصحو المجلس البلدي، ويتلقف المبادرات الطيبة، ويتعالى عن خلافاته، ولا يسلّم المدينة لمن قرر مخاصمتها واستباحة كرامتها.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم