الأحد - 05 كانون الأول 2021
بيروت 19 °

إعلان

انتخابات نقابة المحامين في زمن تحرير القتل والسرقة

المصدر: "النهار"
من انتخابات نقابة المحامين (حسام شبارو).
من انتخابات نقابة المحامين (حسام شبارو).
A+ A-
غسان صليبي
 
أطلقت جهات مختلفة صفة "مستقل" على ناضر كسبار الذي انتخب رئيساً لنقابة المحامين في بيروت، وهو تمسّك بهذه الصفة، لتمييزه من مرشّحي الأحزاب ومجموعات ١٧ تشرين على حدّ سواء. بعدما كانت صفة "مستقل" تعني أن الشخص ينتمي إلى ١٧ تشرين، وهو مستقل عن السلطة، أصبح المقصود بـ"مستقلّ"، أن يكون مستقلاً عن الطرفين. كسبار ترشّح مرات عديدة لمنصب نقيب المحامين وخسر. في المرة السّابقة، خسر أمام ملحم خلف مرشّح "الثورة"، وفي المرّة التي قبلها خسر أمام مرشح "السلطة". أما اليوم فقد انتصر على الفريقين، وبأصوات الفريقين.
 
أعقب الانتخابات كلام صحافيّ عن "إقصاء" الشيعة في انتخابات بيروت، وعن لا مساواة في مجلس نقابة المحامين في طرابلس لصالح المسيحيين، وعلى حساب السنة، في مخالفة للعرف القائم على الحفاظ على المساواة بين الطوائف. ليس هذا بالجديد في علاقات الطوائف، ولو اختلف من هو "المقصيّ" ومن هو "المهيمن" من الطوائف، عبر الزمن.
 
الجديد هو انقسام وخسارة مجموعات ١٧ تشرين، بعد أن كانت قد ربحت الانتخابات السابقة في نقابة المحامين في بيروت، ومن بعدها في نقابة المهندسين في بيروت أيضاً. من اللافت أن مجموعات محسوبة على الثورة، وكان لها مرشّحون رسبوا في الدورة الأولى، صوّتت لكسبار إلى جانب المستقبل" و"أمل" و"التيار الوطني الحر" و"حزب الله". المشكلة الكبرى التي برزت عند هذه المجموعات أنها انقسمت، وعجزت عن الاتفاق على مرشّحين، ومن بينهم المرشح لموقع النقيب، بخلاف ما حصل في انتخابات نقابة المهندسين.
 
لا أريد في هذا النص الخاصّ بنقابة المحامين تحليل طبيعة الانقسامات بشكل عام بين مجموعات الانتفاضة. فهذا يستحق مقالاً خاصاً. أحصر النقاش في ما حصل في انتخابات نقابة المحامين، وأبدأ بالتذكير الضروري أننا أمام انتخابات نقابية، وليست سياسية. انتخابات نقابية في نقابة مهنيّة، وليست عمّالية. ولهاتين الخاصيّتين تبعاتهما.
 
تتميز النقابة المهنية (نقابة المحامين أو المهندسين أو الأطباء مثلاً)، المسماة أيضاً "سلك"، من النقابة العماليّة بعنصرين أساسيّين. الأول أن الانتساب إلزامي إلى النقابة المهنيّة، وهو شرط لممارسة المهنة، فيما الانتساب إلى النقابة العماليّة اختياريّ، ولا تأثير له على الحق في ممارسة مهنة. العنصر الثاني أن طبيعة العضوية في النقابة المهنية له علاقة بنوع العمل، فيما العضوية في النقابة العمالية لها علاقة بالموقع في العمل، وتحديدا بالذين يعملون لقاء أجر. ذلك على عكس النقابات المهنية، أو الأسلاك، التي تضمّ أعضاء من مواقع العمل كافّة، أجراء وأصحاب العمل وعاملين لمصلحتهم الخاصّة، وجميعهم يمارسون مهنة واحدة.
 
هذان العنصران اللذان يميّزان النوعين من النقابات لهما انعكاسات "سياسية". تميل النقابة المهنية إلى التركيز على الشؤون المهنية الجامعة، وهي غير قادرة على الخوض بسهولة في الشأن السياسي العام، من جهة بسبب تعدّد الاتجاهات السياسية داخلها، حيث تضمّ جميع العاملين في المهنة، ومن جهة ثانية لغياب الحافز الطبقيّ، المولّد للاهتمام بسياسات الحكومة الاقتصادية والاجتماعية، والذي نجده في النقابات العمالية. النقابات المهنية "فئوية" نسبياً باهتماماتها، بالمقارنة مع النقابات العمالية التي تطال مطالبها قضايا مجتمعية متنوعة وذات أبعاد سياسية.
 
دلّت التجارب العالمية أن النقابات المهنية (الأسلاك) حافظت على وحدتها على عكس النقابات العمالية التي انقسمت على أساس سياسي، في بعض البلدان مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا. هذه النزعة نحو الحفاظ على الوحدة المهنية، تفرضها المصلحة المهنية، التي كما يبدو، تعلو على المصالح الأخرى للأعضاء. لنا مثل محليّ على ذلك في تجربة تجمع "مهنيون ومهنيات" الذي انبثق عن الانتفاضة، وكرد فعل على مواقف النقابات المهنية الرسمية التي اعتبرت متخاذلة. لكن ذلك لم يؤدِّ إلى انقسام النقابات، للأسباب التي ذكرتها أعلاه. لعلّ تجربة جاد تابت الرئيس السابق لنقابة المهندسين، وتجربة ملحم خلف الرئيس السابق لنقابة المحامين، اللتين كانتا "مخيّبتين" للآمال السياسية بالنسبة للبعض، تشيران إلى الهامش السياسي الضيّق في النقابات المهنية، أكثر ممّا تشيران إلى تخاذل أصحاب التجربتين. قد تكون هاتان "الانكسافتان" من العوامل المهمّة التي أدت إلى انتخاب ناضر كسبار، الذي يعتبره كثيرون "نقابياً قديماً" بدون زيادة أو نقصان من طبيعة سياسية. لفتني في هذا السياق، أن ملحم خلف هنأ كسبار بالقول "إنك موضع ثقة لكلّ المحامين"، مع أن كسبار هو من نافس خلف على رئاسة النقابة في الانتخابات السابقة، على أساس أن خلف يمثل الثورة، فيما كسبار يمثل جماعة السلطة.
 
لا أعرف إلى أي مدى تأخذ مجموعات الانتفاضة هذه المعطيات "النقابية" في الاعتبار. خاضت المعركة الانتخابية النقابية كأنها تستعدّ للانتخابات النيابية، مسقطة على الحدث النقابي خلافات سياسية وشخصية حملتها معها من خارج الإطار النقابي، ومن أيام الانتفاضة. لست ضدّ التوجّه "السياسي" للنقابات إذا كان ذلك ممكناً ونابعاً من اطرها التنظيمية وفي سياق نضالاتها، لكنّني لا أحبّذ "تسييس" النقابات، أي إسقاط الفكر السياسيّ عليها من خارجها، والتحكّم باختيار المرشّحين ونسج التحالفات باستقلالية عن أعضائها.
 
إذا كان لا بدّ من معنى سياسي لانتخابات نقابة المحامين في بيروت، ومن منظور مهنة المحاماة بالتحديد، فهو أن الانتخابات جرت في "زمن تحرير القتل والسرقة"، واستباحة القانون بشكل عام. فالنجاح بتنحية البيطار المكلّف التحقيق في قضية بحجم جريمة المرفأ، سيكون مرادفاً لتحرير القتل في لبنان من القيود القانونية والقضائية، كما ان نجاح مصرف لبنان والمصارف والسلطة معهما قبل ذلك بسرقة أموال المودعين والمواطنين دون أي قيود أو محاسبة، كان مرادفاً لتحرير السرقة.
 
من المفترض ان الأديان التوحيدية الثلاثة، ومعها الطوائف اللبنانية التابعة لاثنين من بينها، تحرّم القتل والسرقة، فهي تقول إن الله أمر في "الوصايا العشر"، التي تبنّتها، بأن "لا تقتل"، و"لا تسرق"، لكن الأديان الثلاثة فشلت في منع القتل والسرقة، لا بل مارستهما سلطاتها وشجّعت عليهما، بكلّ طيبة خاطر، مبتكرة الحجج اللازمة لتبريرهما باسم الله والدين. وها هي مراجعنا الدينية لا تشذّ عن القاعدة، فقسم منها يغطّي القتل اليوم، وقسم آخر غطى السّرقات البارحة. والموقفان اتّخذا نسبة لطائفة المتّهمين.
 
الدولة بشكل عام تسعى للحدّ من القتل والسرقة عبر اتخاذها إجراءات عديدة، من بينها تدبيران أساسيان. الأول هو احتكار الدولة لاستخدام العنف والسلاح. الثاني هو اللجوء إلى القانون والقضاء للتحقيق في الجرائم والسرقات وإصدار الأحكام بشأنها. من الملاحظ انه يجري اليوم في لبنان تجاوز التدبيرين هذين إلى حدّ إلغائهما، ممّا جعلني أتحدّث عن "زمن تحرير القتل والسرقة".
 
في زمن تحرير القتل والسرقة هذا، جرت انتخابات نقابتي المحامين في بيروت وطرابلس. من المفترض أن يتمحور التنافس السياسي في هذه الحالة حول أهمية انخراط النقابة في معركة الدفاع عن القانون والقضاء، في وجه الساعين إلى تحرير القتل والسرقة واستباحة القانون بشكل عام. للأسف، خاضت مجموعات الانتفاضة معاركها "السياسية"، في ما بينها ومع الآخرين، على أسسٍ لا علاقة لها بالقضية السياسية الأساسية المطروحة اليوم بالنسبة لنقابة المحامين، متمسّكة بمواقف بنيت على الاختلاف بشأن قضايا أخرى، من مثل مسألة "مشروعية" التحالف أو عدم التحالف مع حزب الكتائب.
 
لفتني موقفان غير مشجّعين لناضر كسبار، بعد انتخابه مباشرة، يتعلّقان بقضية "تحرير القتل والسرقة". الأول أنه مع "التركيز على الذي جاء بالنيترات وفجّرها أكثر من التركيز على الذي أهمل، في تحقيق انفجار المرفأ". الثاني إعلانه "أننا لن نتدخّل في السياسة، ولا نريد من السياسة أن تتدخّل معنا". في موقفه الأول يتشبّه كاسبار بنصر الله وبفرنجية عندما تحدّيا البيطار أن يعلن من أتّى بالنيترات ومن فجّرها، قبل أن يعاين مسائل أخرى. وإذا اضفنا إلى ذلك انتخاب ممثلة فرنجية على رأس نقابة المحامين في الشمال، يكون القاضي البيطار ربّما، قد خسر وخسرنا معه دعم النقابتين. في موقفه الثاني، أعلن أن النقابة لن تتدخّل في السياسة، مع أنّه يعلم أن السياسة تتدخّل في القضاء، ومطلوب موقف نقابيّ سياسيّ لردعها.
 
في المقابل نُقل عن النقيب المنتخب أنه كان ممتعضاً من موقف النقابة، إبان ترؤس خلف، لتساهلها مع سياسة المصارف. لكن لم نسمع منه مباشرة موقفاً بهذا الوضوح.
 
مواقف نقابتي المحامين، لا يختصرها بالطبع رئيسا النقابتين، في منظمتين ديموقراطيتين نسبياً، تحددان توجّهاتهما بحسب اتجاهات أعضائهما ومجلسيهما. ويجب الإشارة أيضاً إلى مفارقة تتعلّق بفريقي انتفاضة ١٧ تشرين في النقابة، فواحد يواجه جماعات السرقة من دون موقف حازم من جماعات القتل، وآخر يواجه جماعات القتل من دون موقف حازم من جماعات السرقة.
 
في زمن تحرير القتل والسرقة، لن يكون من الكماليات أبداً موقفٌ سياسي للنقابتين متمسّك بتطبيق القانون واستقلاليّة القضاء، بل هو على العكس، قد أصبح شرطاً للاستمرار في ممارسة مهنة المحاماة. بهذا يلتقي، عضوياً، الهمّ النقابي مع الهمّ السياسيّ الوطنيّ. فهل يلتقيان، أم ينتفي سبب وجود محامين ونقابات تمثّلهم؟
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم