الثلاثاء - 13 نيسان 2021
بيروت 18 °

إعلان

الاستجابة المناعيّة للقاحات كورونا... متى تعود الحياة إلى طبيعتها؟

حملة التلقيح الوطنية (مارك فياض).
حملة التلقيح الوطنية (مارك فياض).
A+ A-
الدكتور نادر حسين

لم يسبق للعالم أن شهد مثل هذه التعبئة الضخمة حول لقاحٍ مقارنةً بلقاحات أمراض أخرى كالجدري والسلّ. على مرّ السنين، كانت حملات التلقيح الكبيرة تستهدف الأطفال، لكنّ العالم اليوم يشهد أكبر حملة تلقيح في التاريخ تستهدف جميع الأشخاص فوق سنّ الـ 16 عاماً.
ومع بدء حملات التلقيح عالمياً، نشأت مجموعة من الأسئلة الملحّة أهمّها:

- متى تعود الحياة إلى طبيعتها؟

- هل يعني اللقاح أننا لن نصاب بالفيروس، إذاً لن ننشره؟

لا يمكن العودةُ إلى الحياة الطبيعية قبل الوصول إلى مناعة مجتمعية، لا تتحقق إلّا عبر إصابة نسبة عالية من الناس بالفيروس أو عبر تلقيحهم. ومن الممكن أن تتلاشى هذه المناعة مع ظهور فيروسات متحوّرة فتّاكة، تقلّل من فاعلية اللقاحات المتوافرة.

وفقاً للبيانات التي جمعتها "بلومبيرغ"، فقد تم حتى الآن إعطاء أكثر من 202 مليون جرعة في 88 دولة، إذ يبلغ معدّل التلقيح العالمي اليومي نحو 6.47 ملايين جرعة.

في الولايات المتحدة الأميركية، بلغ عدد الأميركيين الذين تلقّوا جرعة واحدة من اللقاح أكثر من عدد الذين أصيبوا حتى الآن بالفيروس. وهذا يشكّل علامة فارقة في السباق لإنهاء الوباء، فقد تم إعطاء 59.6 مليون جرعة حتى الآن. ومن اللافت أنّ معدّل الجرعات اليومية التي سُجّلت في الأسبوع الفائت قد تعدّى 1.5 مليون جرعة في اليوم الواحد. على هذه الوتيرة، سوف يستغرق الأمر 9 شهور إضافية للوصول إلى المناعة المجتمعية، أي تغطية 75٪ من السكان بجرعتين من اللقاح.

أما في لبنان الذي باشر حملة التلقيح في 14 شباط 2021، ووفقاً لما جاء في نصّ الخطّة الوطنية التي وزّعتها وزارة الصحّة، فلن تكتمل خطة التلقيح قبل نهاية العام الحالي. وقد وصلت الدفعة الثانية من جرعات لقاح "فايزر" التي تقدّر كميتها بنحو 40 ألف لقاحٍ، وهذه الدفعة مخصّصة أيضاً للأطبّاء والعاملين في القطاع الطبّي والمسنّين.

على المستوى العالمي، وبالرغم من كلّ الجهود المبذولة من أجل تحقيق المناعة المجتمعية، لا تزال عملية التلقيح تسير بوتيرة بطيئة. سوف يستغرق الأمر سنوات لتحقيق مستوى كبير من المناعة المجتمعية العالمية. لكن من المرجّح ازدياد حملات التلقيح مع تكثيف الحكومات حول العالم جهودها للإسراع بوتيرة تلقيح المواطنين، وكذلك مع ارتفاع إنتاج اللقاحات، بالإضافة الى احتمال طرح لقاحات جديدة.

في ظلّ تسارع تفشّي فيروسات كورونا المتحوّرة، ومع ندرة اللقاحات المتوفرة حالياً، لجأ عدد من الدول إلى إرجاء الجرعة الثانية من اللقاح، نظراً لمستوى الحماية المرتفع الذي تؤمّنه الجرعة الأولى من بعض اللقاحات، وذلك من أجل تلقيح أكبر عدد ممكن من الأشخاص. فقد بيّنت الدراسة التي نُشرت حديثاً في دورية "نيو إنغلند الطبية" (The New England Journal of Medicine) أنّ فاعلية لقاح فايزر تصل إلى 92.6% بعد 14 يوماً من إعطاء الجرعة الأولى. على الجرعة الثانية من لقاح Pfizer- BioNTech أن تُعطى بعد 21 يوماً من الجرعة الأولى، ولكن إذا تعذّر ذلك وكان لا بدّ من تأخير الجرعة الثانية فمن الممكن تأخيرها حتى 6 أسابيع (42 يوماً) بعد الجرعة الأولى، فبيانات فاعلية لقاحات الحمض النووي الريبوزي المرسال(mRNA) ، إن تأخرت الجرعة الثانية لأكثر من ستة أسابيع، لا تزال محدودة وغير كافية.

وقد أظهرت دراسة أخرى نشرت في دوريّة "ذا لانسيت الطبّية"، أنّ لجرعة واحدة من لقاح أسترازينيكا قدرة على الحماية من كورونا لمدة 3 أشهر، وبفاعلية تصل إلى 76 في المئة. وأشارت الدراسة إلى أنّ فاعلية اللقاح تتجاوز 81 في المئة لدى الذين تلقّوا الجرعة الثانية بعد 12 أسبوعاً.

ومن اللافت أيضاً، ما أوصت به الهيئة العليا للصحّة في فرنسا، بأنّ جرعة واحدة من اللقاح ستكون كافية لحماية الأشخاص الذين أصيبوا بـCovid-19. كما أشارت إلى أنّ المتعافين من Covid-19 تتكوّن لديهم بعض المناعة، وينبغي حصولهم على اللقاح بعد نحو ثلاثة إلى ستة أشهر من التعافي ليُكَوّنوا استجابة مناعية مساوية أو حتى أكبر من استجابة الشخص الذي لم يصب بالفيروس، ولكنّه تلقى جرعتين من اللقاح. كلّ هذه الدراسات تشجّع على إعطاء جرعة أولى من اللقاح لأكبر عدد ممكن من الأشخاص، قبل المباشرة بإعطاء الجرعة الثانية منه.

هل يعني اللقاح أننا لن نصاب بالفيروس ومن ثمّ لن ننشره؟

توفر اللقاحات نوعين من الحماية، يطلق عليهما اسم "المناعة الفعّالة" (Effective Immunity)، و"المناعة التعقيمية" (Sterilizing Immunity). قليل من اللقاحات لأيّ مرض معدٍ يخلق مناعة تعقيمية، أي إنّ جهاز المناعة يكون قادراً على منع الإصابة بالعدوى تماماً.

لقد أثبتت الدراسات أنّ الأجسام المضادّة التي تشكّلت عند الأشخاص بعد الإصابة الطبيعية بـ Covid-19 لم تمنع بعضهم من الإصابة مجدداً.

وفيما يمنح التلقيح حماية كبيرة للأشخاص من الإصابة بمرض Covid-19، لا ضمانة حتى الآن بأنهم لن يصابوا بـ SARS-CoV-2 وينقلوه، حتى ولو كانت إصابتهم من دون أعراض (Asymptomatic) أو مع أعراض طفيفة، ما قد ينقل العدوى للأشخاص غير المحصّنين. وقد قدّرت إحدى الدراسات أنّ الأشخاص المصابين بدون أيّ أعراض مسؤولون عن 17% إلى 20% من حالات انتقال العدوى.

وقد رجّح بعض الباحثين أنه مع تلقّي اللقاح، تكون أشكال المرض في حال الإصابة أقلّ فتكاً وتنخفض حدة العدوى ومدّتها. ما يعني أنّ اللقاح سيساهم في تقليل عدد جزيئات الفيروس في أجسام الناس الذين تلقّوه وعندها سيكونون أقل عدوى.

حتى الآن، عمد الباحثون إلى تقييم فاعلية اللقاحات المتوفرة على الذين تلقوها، بتحديد نسبة المشاركين الذين أخذوا اللقاح ثم أصيبوا مجدداً بالفيروس مصحوباً بظهور الأعراض لديهم. لكن كان من الصعب الإحاطة بجميع الإصابات غير المصحوبة بظهور أعراض (Asymptomatic)، مع أنّ تتبع هذه الحالات بين متلقّي اللقاح يعدّ أمراً أساسياً.

خطت المملكة المتحدة خطوة هامّة وجريئة في مجال تقييم اللقاحات المتوفرة، عبر إجراء اختباراتٍ على متطوّعين أصيبوا عمداً بفيروس كورونا في ما سُمّيت تجربة "التحدّي البشري". تقوم هذه الخطّة التي نوقشت بشدّة قبل حيازها على موافقة أخلاقيات البحث العلمي (Ethics Approval)، كخطوة أولى، على تقييم أقلّ كمية من فيروسات كورونا اللازمة لإحداث عدوى Covid-19، عبر تعمّد إصابة المتطوّعين الشباب الأصحّاء، الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و30 عاماً بالفيروس. كما يخطّط الباحثون بعد ذلك لتلقيح متطوّعين إضافيين وتعريضهم لـ "جرعة التحدي"، لتقييم مدى الحماية والاستجابات المناعية التي توفّرها اللقاحات. ستؤدي هذه الاختبارات لتحديد أيّ اللقاحات آمن وفعّال، عبر منعها انتقال المرض والوقاية منه.

ستسرّع تجارب "التحدّي البشري" الحصول على لقاحات أكثر فاعلية ومناسبة لجميع السكان، ما يساعد على إنهاء التباعد الاجتماعي والعودة إلى الحياة الطبيعية.

مع استمرار الجهود في مكافحة الفيروس، وفي انتظار جلاء نتائج واضحة لكلّ التجارب السريرية والدراسات، سيكون علينا الاستمرار في اتباع إجراءات الوقاية والتباعد الاجتماعي حتى بعد أخذ اللقاح، إلى حين تحقيق المناعة المجتمعية.

*أستاذ وباحث في كلّية العلوم في الجامعة اللبنانية
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم