الجمعة - 04 كانون الأول 2020
بيروت 17 °

إعلان

خيمة، أين منها القصور...

المصدر: النهار
لوحة لزينة نادر.
لوحة لزينة نادر.
A+ A-
بقلم زيـاد بـارود *
 
 
يخذلك القلم أحيانا أو هو يعاندك. في اليوم الثاني والعشرين من تشرين الثاني، تراه يقاوم تلك العادة السنوية المتكررة في الكتابة عن ذكرى، وكأنه ينظر إليك عابسا متجهما متسائلا: أما سئمتم، يا أيها القوم، من اجترار الكلام المعسول حول استقلال مزعوم، أو كلامٍ مخنوق حول استقلالٍ مخطوف؟ منذ عقود ونحن نُخضع القلم والكلمات لأفعالٍ جرمية، كأن ننام على حرير ماضٍ مبهم أو نترحّم على بعضٍ من دولة أو نمنّن النفس بتغييرٍ في الآتي من الأيام... لا فرق: ضاق القلم بنا ذرعا واستشاط غضبا من محاولاتنا اليائسة لتجميل القبيح من تاريخنا، وفيه فشلنا في استحقاق دولةٍ وجمهورية، ومحاولات أخرى تنقض ولا تكمّل، تسفّر العدّاد وتعتبر أن التاريخ بدأ معها...
 
ما مناسبة هذا الكلام؟ ليست ذكرى الاستقلال. ما لي ولها والناس في غربةٍ عن دولتهم، فما بالكم بالذكرى. إنما على هامش المتكرّر سنويا من عبء التذكّر غير المفضي إلاّ إلى التحسّر، كانت بالأمس جولة أكاليل على أضرحة رجالات الاستقلال، ولهم في الحق الوطني ما لهم من أدوار ومآثر، كلّ بحسب الموقع والزمان وطيب الذكر أو العرفان. أحد هؤلاء رئيس جمهورية برتبة "آدمي"، حاول يوما بناء دولة إلى أن بلغ به الأمر إلى عزوف، لا عن الرئاسة وحسب، وهي محطة، بل عن الدولة، وهي المظلّة التي حاول اللواء أن يحمل لواءها. مناسبة هذا الكلام هي إذاً محاولة من أجل الخروج من الكلام الخشبي في ذكرى الاستقلال، تبجيلا أو تحسّرا، إلى كلامٍ يحاكي محطاتٍ في المبنى الاستقلالي الحقيقي والسيادي المترفّع عن الغوغاء، وقد اخترت من بينها واحدة فقط خصّ بها الرئيس فؤاد شهاب المؤرخين على حين موضوعية، عنيت بها خيمة حدودية أين منها القصور...
 
يومها، كان جمال عبد الناصر في أوج عزّه، قائداً عربيًا وزعيما شعبيا كبيرا. وكانت الجمهورية العربية المتحدة تجمع مصر وسوريا في أبلغ تعابير الوحدة، وفي الإقليم تداعيات حلف بغداد وتجاذبات وتقاسم نفوذ ونكبةٌ في فلسطين لم تندمل. يومها، لم يكن لبنان قد بلغ الثمانية عشر ربيعا من استقلاله رشدا، ومع ذلك، كانت خيمة على الحدود اللبنانية-السورية جمعت الرئيسين عبد الناصر وشهاب في تعبيرٍ إستقلالي بالغ المعاني، دون أي انتقاص من حجم وموقع الأول، ودون أي تنازلٍ في غير محلّه من الثاني. إنها حكمة كبيرين، وقد ساهمت، على الأرجح، في تحصين لبنان تجاه عواصف الإقليم وعواصمه. 
 
مناسبة هذا الكلام، إكليلٌ على ضريح رجلٍ لم ينصفه حاضره ولا جلّ معاصريه. عنه كتب كمال جنبلاط عند رحيله: "خسر لبنان الرئيس فؤاد شهاب لأن معظم اللبنانيين لم يستحقوه ولم يعرفوا قدره". مناسبة هذا الكلام بعض التذكّر: الحكمة أيضا فعل استقلال، تماما كما الساعد والمعول والمقاوم والمدفع...
 
*وزير الداخلية الأسبق
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم