الأربعاء - 29 حزيران 2022
بيروت 28 °

إعلان

ماذا بعد الانتخابات؟

المصدر: "النهار"
صورة تعبيرية.
صورة تعبيرية.
A+ A-
محمّد عبدالله فضل الله
 
ليس باستطاعة أحد فكّ الشيفرة السياسية المحلية من دون قراءة المشهد الإقليمي بما يصخب من أحداث وتوترات تخفّ حيناً وتستعر أحياناً أخرى، فتنعكس على مجريات الحياة اليومية للناس، خاصّة ما جرى من استنتاجات حول الانتخابات النيابية بعد خطاب مشحون ومتوتّر، أفرز طبقة سياسية هجينة شكلاً متّفقة ضمناً على إدارة صراعات طائفية وليدة إشكاليّات واتّجاهات قديمة جديدة.
 
ليس صحيحاً كما يشاع أنّ الأكثرية وفقدانها سيقلب موازين الأمور كثيراً في بلد كلبنان، ضُبط على ساعة المعادلات، حيث فائض القوّة عند البعض لا بدّ وأن يحدث توازناً في ملفّات عدّة، ويستدعي التنفيس في الخطاب اليوميّ، وتهدئة النفوس بغية إيجاد صيغة للتحاور السياسي اللائق الذي يرتقي إلى مستوى المسؤولية وحجم الانهيار الذي أصاب البلد.
 
لنا أن نتساءل عن جدوى الاهتمام الإقليمي والدولي بأوضاعنا مع لحظات الانهيار المالي والاجتماعي التي نشهد فيها على حفلات ضغوط خارجية تستغل هذا الانهيار بشكل مباشر أو غير مباشر، لفرض ما يخدم أجندتها ورؤيتها للحلّ، بينما الأجدى وقفة دولية صادقة لخلق أجواء مريحة بدل تعقيدها أكثر، وهذا ليس موجوداً في قاموس سياسة اليوم القائمة على المتاجرة والزبائنية، حتى لو أدّى ذلك إلى ما نراه اليوم من تدمير لمقدّرات الشعوب.
يأتي التحكّم في اللعبة الداخلية الخاضعة لموازين طائفية ومذهبية مستغلّة من جهات خارجيّة، رأت في مزارع الطوائف فرصة للتحكّم بشكل الدولة ومستقبلها ومدى تأثيراتها على محيطها، وخاصّة في علاقاتها الخارجية بما يتّصل بمجال النفط والغاز وترسيم الحدود البحرية، وما يجري من تكهّنات وضغوطات على هذا الصعيد، وما يمكن أن تفرزه من مفاوضات واستثمارات في لحظة ضبابية محلية ودولية نتمنّى ألّا تنزلق فيها الأمور إلى التصعيد إلى حدّ الانفجار العسكري الذي لن يكون لمصلحة أيّ طرف اليوم .
من هنا لا يمكن الإصرار في المرحلة المقبلة على تشكيل حكومة بسرعة تفادياً للفراغ مع غياب إرادة جدية محكومة بعدم التصادم الحاكم على الواقع اليوم بين جبهتين تعتبران نفسيهما متناقضتين تماماً، وفي لغة السياسة فإنّ أيّ حكومة من دون تثبيت دعائمها بسلب التصادمية ومعالجة جذورها معناه حكومة مشلولة الفعالية لا ترقى إلى المأمول منها إلّا إذا كانت الدول الغربية تريد حكومة مؤقّتة تساير متطلّبات البنك الدولي من جهة، وتُداري فريقاً سياسياً معيّناً إلى حين تقرير مصير ملفّات إقليمية حساسة.
هذا الإصرار من فرنسا وعواصم الغرب هو حول أيّ رؤى للحكومة المقبلة وأيّ شكل؟ هل حكومة ستتبع ما يعتقد أنّه نصر انتخابيّ أو تغييري؟ وكيف سيلملم الغرب كلّ ذلك ويمنع الانهيار كليّاً، وينسجم مع حلفائه ويفرض طروحاته أو أقلّه إيجاد أرضية صالحة للحلّ الحكومي؟
 
وهنا يأتي الضغط لجهة إنهاء ما يعرف بالازدواجية بين السلطة الشرعية وسطوة بعض الأفرقاء عليها مستفيدة من الفرز النيابي الجديد.
 
في المقابل هناك كلام عن تأجيل النقاش حول مسألة السلاح "سنة ونصف أو سنتين" والانكباب على معالجة الأوضاع المعيشية والدعوة إلى الحوار حول الاستراتيجية الدفاعية، فهل تلقى هذه الدعوة تجاوباً؟
 
من هو مستعدّ اليوم لخرق شبكة ما قامت به السياسات المتعاقبة والمنظومة الفاسدة التي تعاقبت وشاركت مع تحالفاتها من الداخل والخارج في سرقة المال العام وإيصال الأمور إلى مستوى مأزوم؟!.
 
إذا كان من يهمّه الأمر قلبه على البلد فليمارس دوره الطبيعي بعدم إذكاء التفرقة وخلق أرضية ملائمة لحلّ طبيعي يحفظ مرتكزات العيش المشترك، ويمنع استيلاد الأزمات وتفجير الأوضاع، ويدفع في اتّجاه حلول معقولة ليس فيها تشفّي ولا انتقام ولا تسجيل نقاط.
 
اللحظة الحرجة اليوم ماليّاً واقتصادياً دقيقة جدّاً وأكبر بكثير من الصراع القائم، وترقيع الحلول لم يعد يجدي أمام الانفجار الحاصل. فلا مناص من تدارك سريع لما يحصل والخروج بحدّ أدنى من الأضرار، وهذا برسم مسؤولين طالما تغنّوا بتقديم المصلحة العامة التي باتت في آخر الأولويات.
 
احتمال انهيار الدولة هو ضربة للجميع وعودة إلى نقطة الصفر مع ما يصاحب ذلك من مآسٍ ينبغي تلافيها، والتعويل لا بدّ أن يكون إبعاد كلّ الحسابات الضيّقة وتقديم مصلحة البلد والناس وإغاثتهم، فالجميع مسؤولون في هذه اللحظة العصيبة وجدوى انتماءاتهم وشعاراتهم تعتمد على مدى تفعيل ضمائرهم ووقف مسلسل الإنهيار وضرب المؤسسات وتدميرها، فذلك لن يكون لمصلحة أحد إلّا من تستهويهم العودة إلى زعامات الحرب وخوّاتها.
 
من هنا لا بدّ من الحذر، إذ يكفي الناس عنتريات وشعارات وجدل بيزنطيّ، فيما هم جائعون فعلاً، فإذا كانت النوايا صادقة فإنّ الاتّكال على الحوار بين الأطراف كافّة هو الضمانة الوحيدة لتثبيت الاستقرار وعدم انتظار الخارج.
 
لم يعد ينفع اليوم البكاء على الأطلال، كما لم تعد تنفع مقاربات غائمة للأمور، بل لا بدّ من لحظة ضمير وحكمة وواقعية سياسية قصوى عبر إعلان حالة طوارئ عامّة.
 
بات الحوار الداخلي أكثر من ضروريّ، وتهدئة الجوّ الإعلاميّ والسياسيّ أكثر من مطلوب، بل هو واجب أخلاقيّ وإنسانيّ رأفة بالناس والبلد.
 
لن تنفعك إسلاميّتك ولا يساريّتك ولا علمانيّتك وبلدك مدمّر، فالسؤال ماذا قدّمت كلّ هذه العناوين لهذا البلد وناسه منذ تسعينيات القرن الماضي مع استثناء تضحيات الشرفاء وتحرير الأرض؟!
 
اليوم من أصعب اللحظات المفصلية التي يمرّ بها البلد ككيان ووجود، والوقفة مع الذات ومراجعة الجميع لواقع الحال ومكامن الخطأ على المستوى الأداء الحزبيّ والسياسيّ واجب وليس انتقاص من أحد.
 
لسنا معصومين، ولكن ما بالك برجالات سياسة هم أنفسهم محكومون لحسابات، ولا يتغيّرون بل يبقون ما دام وفاؤهم قائماً، لذا تفتقد ساحاتنا لرجالات سياسة حقيقيين لا يُسقطون إسقاطاً على الناس ويستغلّون جهلهم، بل يحدثون نقلة نوعية في الوعي السياسي ويمارسون السياسة فنّاً نظيفاً ينفّسون فيه من حنق الطائفية والطائفيين، ويعيدون بعض الروح لوطن ذبحه جشع كثير من تجّار السياسة وغيرهم ممّن تحكّموا بمصائر الناس، وهذا أيضاً غير متيسّر في بيئات اعتادت على التعصّب والجهل والانفعالية، فلربما ستزداد العصبيات ويتفاقم عدم التوازن في هذه المجتمعات التي تجني ما تزرع.
 
فهل ينتظرنا بعد كلّ ما تقدّم من العرض الانتخابيّ مزيداً من الأزمات المتنقّلة؟ أم هناك توجّه نحو حلحة مؤقّتة تمنع الخراب وتفرمله ولا تعيد ما كان عامراً بالأمس وكنّا غير راضين عنه؟

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم