السبت - 04 كانون الأول 2021
بيروت 17 °

إعلان

يوم قضت الشراكة مع "حزب الله" على لبنان

المصدر: "النهار"
منى فياض
من ذكرى "يوم الشهيد" في "حزب الله" (حسن عسل).
من ذكرى "يوم الشهيد" في "حزب الله" (حسن عسل).
A+ A-
جميعنا نعرف حكاية الذئب والحمل، التي كتبها شعراً لافونتين تحت عنوان "حجة الأقوى هي الأفضل دائماً". فالذئب أتى يوماً جائعاً إلى ساقية يبحث عن طريدة، فوجد حملاً يشرب من مائها الصافي الجاري، فابتدره الذئب قائلاً: "كيف تجرؤ على تعكير شرابي، سوف أعاقبك على ذلك". دافع الحمل عن نفسه، فقال إنه يشرب بعيداً من النبع، فكيف يمكنه تعكير صفو الماء؟ لقد عكّرتها، أجابه الذئب حجريّ القلب، سبق أن فعلت ذلك العالم الماضي أيضاَ. أجابه الحمل: "ولكنّني لم أكن قد ولدت حينها! وإن يكن، قال الذئب؛ إذا لم تكن أنت فهو إذن أخوك. "ليس لديّ أشقاء"، أجاب الحمل. إذن أحد أقاربك، ويجب أن أعاقبك وأثأر منك. قال فيما هو يلتهمه!

وجد حزب الله حملاناً كثيرة يلتهمها بعد أن عجزت حتى عن مجادلته، منذ العام 2005 وحتى الآن. عدا عمّن أقامت معه حلفاً فاوستياً أضاع لبنان.

عند كلّ محطة حاولت حملان السلطة، متبوعة بقطعانها، تبرير تنازلاتها وخيباتها بالحفاظ على السلم الأهلي والاستقرار الاقتصاد، إلى أن انهار الاقتصاد، وارتهن السلم الأهلي لمزاج القمصان السود ومشغّليهم.

قبل ذلك، بقي حزب الله في خلفيّة المشهد، متخفّياً بثوب "مقاومة". ولم يحمّله أحد مسؤوليّة التدهور، وظلّ فضل الله نائب الحزب، متأبّطاً ملف الفساد كفزّاعة الحقل. فبالرغم من غزوته لبيروت في 2008، وفرضه الثلث المعطّل في الحكومات، أول مسمار في نعش الجمهورية ودستورها، وتعطيل الأكثرية البرلمانية، وإسقاط حكومة الحريري في 2011، بواسطة التيار الوطني الحرّ، إلى أن عطّل انتخاب رئيس الجمهورية كي يفرض من اختاره لنا بموافقة الحملان.

نجح طويلاً في العثور على ورقة تين يخفي عوراته خلفها ليظلّ خارج عدسة الكاميرا. حتى عندما اندلعت ثورة 17 أكتوبر، التي عملت على تحييده، فلم تطالب باستعادة لا السيادة على السلاح، ولا على الحدود، انبرى سيّد الحزب بالتصويب على الثوار وتهديدهم ورفع لاءاته بوجههم، وأرسل شيعته لقمعهم بالحناجر والخناجر.

كلّ ذلك لم يعرّي حزب الله أمام الشعب اللبناني إلى حين انفجار المرفأ وتداعياته. كان يكفي أن يقاوم قاضٍ أعزل واحد، ويقوم بعمله بنزاهة وشجاعة، كي يكشف وجهه ويضطرّه إلى ممارسة ضغوط مكشوفة وصلت إلى حدّ تعطيل الحكومة كي "يقبع" القاضي البيطار، ليخفي آثار جريمة المرفأ.

ربما كان سيمرّ التعطيل هذه المرة أيضاً من دون ضجّة أو ردود فعل شعبيّة غاضبة، لو أن الوضع الاقتصادي كان مقبولاً. لكن تلاحق الانهيارات والنكبات على المواطنين الذين انعدمت سبل عيشهم، ليس الكريم، بل مجرّد العيش، جعلت مسلسل الاعتراض يتوسّع لمواجهة عنجهيّة الحزب واستقوائه واستهتاره بحياة اللبنانيين ومستقبلهم.

المضحك المبكي أنه يذلّ الشعب اللبناني تحت شعارات: الكرامة الوطنية، وسيادة لبنان، التي تعلن إيران احتلاله، وصون الوحدة والمصلحة الوطنية والاستقرار الداخلي والسلم الأهلي. وعاينّا تمرين حراسة ميليشيا الحزب لهذا السلم في هجوم عين الرمانة وفي انتشارهم في جرود عيون السيمان، بسوادهم وكامل أسلحتهم، حيث نصبوا حاجزاً على بعد كيلومتر واحد من حاجز الجيش اللبناني.

مع ذلك، يجادل السيد نصرالله مَن يتّهمُه بأنّه بات يحكم لبنان لصالح إيران، في أنّه عاجز حتى عن تنحية قاضٍ عن ملف معيّن! وأنه لبّى مطلب عدم إيصال سفن المازوت إلى الشواطئ اللبنانية! ولم يتمكّن من فَرْض إعادة التنسيق والعلاقات مع سوريا ومع الشرق! متغافلاً عن أن إيران نفسها تخضع للعقوبات، وتعجز عن مخالفتها إلا بالحيلة. فكيف له إذن أن يستقبل سفناً إيرانية في لبنان؟

كان حرياً بالسيّد نصرالله، قبل أن ينفي أن إيران تهيمن على حزب الله وعلى لبنان، ألا يشهر جنديّته وتبعيّته الماليّة للخامنئي، ويتفق مع قياداتها كيلا تصرّح هي باحتلالها للعواصم العربية الأربع، بما فيها بيروت، وأن يمنع قاسم سليماني من الإعلان "عن فوز طهران بـ74 مقعداً في البرلمان اللبناني في انتخابات العام 2018". وكان سليماني نفسه قد صرّح في المقابلة الوحيدة التي أجراها "أن السيد نصرالله لا يشرب كوب ماء قبل أن يستشيره".

لا ينتبه السيد نصرالله أن ذرائعه المنطقية تبرهن عكس مرادها. فهو يعترض حتى على وجود جيوب لا تزال تُبدي مقاومة مدنيّة لتمنع احتلاله الكامل وبناء دولته الإسلامية في إمبراطورية إيران الكبرى. فهو إن لم يحظَ بكامل السلطات على غرار النموذج الخامنئي، يأمر فيطاع، يتمسكن، ويزعم أنّه لا يتحكّم بلبنان، متغافلاً عن أنّه يتسبّب بانهيار آخر ما بقي في هذا البلد البائس بمنعه الحكومة من الاجتماع والقيام بأدوارها المطلوبة داخلياً وإقليمياً ودولياً.

فأن تحكم يعني لهؤلاء الإمساك المطلق بالسلطة، وحتى القدرة على التحكّم بقرارات ومزاج من هو خارج الحدود، حكومات الخليج وسياسة بلدانهم؛ فيعلّق على مقاطعتهم للبنان بعد أن طفح كيلهم من أنواع الاعتداءات الموصوفة والمتنوّعة التي يمارسها، فيجد أنهم يبالغون بردة فعلهم!

علّق أحد الظرفاء: "بعد الـ2006 طلع سماحته يخبرنا إنو ردّة فعل الإسرائيلي على خطف جنديين، مبالغ فيها، وما كان لازم حرب بهالحجم. امبارح طلع يخبرنا إنو ردة فعل السعودية على سياسة الحزب وتصريح القرداحي مبالغ فيها، وما بدها هالقد!

يا خيي في مجال بس بدك تعمل مشكل مع حدا، تتفق إنت واياه عردّة الفعل اللي بتناسبك؟!

بعد امرك يعني لأن ما بقى فينا نتحمّل...".

كلّ هذا يظهر أن دروس التاريخ تذهب هباء. فالحزب يسير على هدي خطى منظمة التحرير وممارساتها في لبنان التي أوصلت من حماها برموش العيون إلى أن ينثروا الأرزّ على الجنود الإسرائيليين الغازين المحتلّين.

يتراكم القهر وتتراكم الضغائن، التي لا بدّ أنها ستنفجر غضباً عظيماً في لحظة ما. والدليل على ذلك، تصريحات غالب أبو زينب نفسها، التي أراد منها "فضح الخصوم – الشركاء" في السلطة. فعرّى خطابهم المزدوج، عالي النبرة أمام الجمهور، والمتزلّف الخاضع للحزب تحت الطاولة. صحيح أنّه بذلك يظهر قوته وجبروته واستهانته بالشركاء، إلا أنّه لا يتمعّن بمغزى ما ينقل من معلومات. فغاب عنه أن تصريحاته اعتراف واضح بمدى موجة الاعتراض والغضب والرفض المتعاظمة التي يكنّها له معظم الشعب اللبناني، حيث يكفي إظهار بعض العداء له ومقاومته كي يكتسب أيٌّ كان شعبية وجماهيرية.

مهما تنصّل الحزب وقادته من إيصال البلاد إلى الانحطاط الذي وصلت إليه، فلن ينجح. يكفيه أن يقرأ في جريدته المسمّاة "الأخبار" ليطّلع على أوضاع الناس، أو ربّما يستمع إلى برامج الإذاعات الصباحية التي تترك الهواء للمواطنين للتعبير عن مشاعرهم ليلمس النقمة على ما يعيشونه، خصوصاً بعد أن حُرِموا حتى الدواء. لم يجد مواطن عاجز مثلوم القلب سوى:" الله يصطفل فيهم واحداً واحداً".

أمام هذا الواقع، تصبح مسؤوليّة مواجهة هيمنة الحزب على لبنان مسؤولية مشتركة بين المسؤولين والمواطنين اللبنانيين الرافضين لهيمنته وبين الدول العربية والدول الغربية. جميع الأطراف تحمّلت جزءاً من المسؤولية لتمكينه في مرحلة ما. وعلى الجميع الآن العمل على الخروج من هذا البئر.
 
نُشر أيضاً في موقع "الحرة".
 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم