الأحد - 29 تشرين الثاني 2020
بيروت 17 °

إعلان

حيث العدالة الوطنية، أَهَم من المساواة

المشهد من بيروت (تعبيرية).
المشهد من بيروت (تعبيرية).
A+ A-
الدكتور جورج كلاس

في ظل ثنائيّة غياب المسيحيين أو تغييبهم عن محورية الدور وطنياً وحضوراً، عاش لبنان حالة اختلال وزن، ضاعت معها الرؤى والانتظارات والارتقابات والمَأْمُولات التي راكموها منذ دهور بأن يحافظوا على لبنان الذي أرادوه نموذجاً للعيش الإرادي الواعي بين المكونات الطائفية والمذهبية، فقط لأنهم سكتوا على ظلم، ولم يحتكموا للضمائر السياسية القيادية الراقية والواعية من إخوتهم المسلمين، واستسلموا لمظلومية الغلبة، وناموا في ظلمة الكهف، خائفين من ممارسة حقهم بأن يحلموا أنهم سيبقون لبنانيين، وأنهم باقون من أجل كل لبنان.

إن الطقوسيات الترويجية، التي وضعت استراتيجيتها من أجل إقصاء سياسيٍّ، مقصود أم بالصدفة للمسيحيين، من خلال تحجيم دورهم ونزع الصلاحيات من رئيس الجمهورية، تمهيداً أو سعياً لإعادة تشكيل صورة لبنان على مقاسات جديدة، تحت شعارات داخلية، صيغت بأسلوبيات خارجية منمقة وكأن المطلوب تهريب صيغة بديلة هجينة لهذا الوطن، في ظل فوضى سياسيّة ونزاعات أمنية استُغلّت باحترافية محكمة لإتمام صفقة اغتيال الصيغة الوفاقية والميثاقية، في ظروف قاهرة، غاب فيها التوازن والتكافؤ، ورُفع فيها شعار التعاسة للخاسر.
والفريق الخاسر عسكرياً هو نفسه الخاسر سياسيّاً، أي المسيحيون، الذين كان عليهم أن يوقع بعض ممثليهم على صك التنازل عن السلطة وأن يمهروا بالدم براءة التنحي عن مسؤولية الحكم وقيادة البلاد، بعد ثمانية وأربعين سنة من رئاسة الدولة، وليس القبض على الدولة، بين 1943 تاريخ الاستقلال و1991 تاريخ الطائف، تخلّلتها سنوات من الأزمات والحروب التي وسمت العهدٕ الماروني بالاستقرار الموقت والتفجر الموسميِ والنظام الهَش، بفعل عوامل التشكيك وعدم الثقة بين مكونات البلد، التي عملت جهات وتنظيمات خارجية لاستثمارها من أجل خلق بؤر توتّر مستدامة وحقول صدام غب الطلب، وتهيئة الساحة اللبنانية للتشظّي وجعلها أكثر طواعيةً وقابلية للخضوع لأَي حل للقضية الفلسطينيةِ على حساب لبنان الوطن التعدّديِّ والنوعِيِّ والمتنوّع، الذي يُعتبَر بدَوره الكيانِيّ والحضاريِ والروحي، ويشكل بتكوين الطائفي الفسيفسائي القيَم، تحدياً صريحاً لعنصريّة إسرائيل وفلسفة إنشائها ووظيفتها الصهيونيّة التفتيتية، كاستراتيجية تأجيل لسقوطها وزوالها، عددياً ومنطق حياة وشرطاً للدَيْمومَة.
الآن، وبعد مرور أكثر من ربع قرن من عمر الوطن على اتفاق الطائف، يمكن ان نرى بنقاوة، أن الاعتراضات البنيوية على الصيغة المفروضة بالقوة أو المهرّبة في دَمسة ليل بهيم، جاءت من قادة وسياسيين ومفكرين وجدوا في الطائف شوائب وأخطاء وخطايا، من شأن التغاضي عن الكلام فيها وعنها، الإضرار بلبنان وبطبيعة العلاقة الترابطية بين أبنائه وعناصره التكوينية، كمجتمع متكامل. فالمؤلفات والمطالعات الكتابية والندوات النقاشيَّة والتصريحات السياسية والمواقف المرجعيَة الرافضة والناقدة للمراحل التي هيّأت الطائف والظروف التي أنتجته وأساءَتِ التطبيق وخرَجَتْ عن الروحيِة اللبنانية الجامعة، أكدت كلها على ان الانقلابات على روحية النص واغتيال صدقيَّة النيات تركت أَثاراً سلبية وندوباً عميقة على مكوّنات كيانية كبيرة من اللبنانييِن الذين رأوا فيه غبناً موصوفاً وأَفخاخاً قاتلة، وإضعافاً لشراكة المسيحيين ودورهم، بحيث تبدل حضورهم من الريادة والقيادة الى التبعيّة المطلقة. وهذا ليس من تراثهم ولا من سلوكاتهم... وليس الطائف يشبههم ولا يليق بهم.

إِن رصد الانتقادات البنيوية التي قدمها عارفون بالأمر، من خلال إصدارات ومداخلات وبيانات وتعليقات، سياسية وفكرية مدنية وروحيّة وثقافية ذات منسوب وطنيّ راق وصاف، أن تَكشف مكامن الخطأ الذي نعيشه منذ زمن الطائف، وأَن تنبِّه الغيورين الصادقين على مخاطر تشويه صورة لبنان وتبديل هويته وإفقاده لدوره الرسالي والحضاري والنموذجي المطلق.

كثيرون من اللبنانيين الحريصين على صورة لبنان، وليس على جغرافيته فقط، يدركون بألم شديد أَن الإمعان بالخروج على روحيّة الطائف، وتحريم الكلام الناقد حوله، هو مدخل الى ظلمة الأعماق التي سيموت فيها لبنان الصورة الكيانية ولبنان التكاملي ولبنان النوعي، لحساب لبنان الآحادي والفئوي، الذي سيكون في عداد منظومة الكيانات العنصرية والطائفية التي ستتوزّعها جغرافية المنطقة، وفق جدول أعمال الشرق الأوسط الجديد الذي تترسم خرائطه من العراق الى سوريا وليبيا وتركيا وناغورني-كاراباخ وغيرها من الجغرافيات الموضوعة على مشرحة التقاسمِ الدولي.

هذه التساؤلات حول الخواطر والمخاطر المشغولة بالخوف على لبنان، ترتكز الى غِيرة واضحة لإعادة تصويب النظرة الى لبنان، خارج دائرة المناضلات والاستثناءات، وتدفع الى طرح هواجس صلبة تعتمل في وجدان كل حريص على كرامة العيش الحرّ، والتلاقي التفاعلي بين اللبنانيين، على قاعدة المسؤولية المتوازنة في حب لبنان وصراحة الولاء الفعلي له، انطلاقاً من أن العدالة الوطنية أَوجب وأهم من المساواة الوطنية. وأبرز هذه التساؤلاتِ الهواجِس:

1- لماذا صار المسيحيون خارج الإدارة في المواقع القيادية والمراكز الفاعلة والأساسية، بما قاربَ التهميش ومنطق الذمية الإدارية؟
وهنا نرفع شعاراً مجتمعياً، أَطلقناه في مؤتمر حول دور المسيحيين في الشرق هو مسيحيون خارج الادارة، مسيحيون خارج الوطن، مع ما يعنيه ذلك ما توفره الوظيفة الرسمية للمواطن من استقرار وأمان وتجذّر بالأرضِ وشعور أَكثر بالانتماء إلى الوطن. وهذا ما يدفعنا ويحرضنا دوماً لإعادة العمل بِخدمةِ العَلم كنموذج صريح وصحيح للتعارف بين أجيال من الشباب اللبنانيين، أَكثريتهم لا يعرفون شيئاً عن أكثريتِهم.

2- لماذا صار المسيحيونَ اليوم خارج عواصمِ المحافظات والمُدُنِ؟
حيث لم يعد للمسيحيين دور ولا ظهور ولا وجود مجتمعي في المدن اللبنانية، باستثناء مدينة زحلة، وهذه ظاهرة تتآكل حضورهم، الذي لم يعد مقتصراً إِلّاَ على وجود المطرانيات والكنائس ودور العبادة، بما يعيدنا الى مشهديات الاندثار الحضوري للمسيحيين في كل المجتمعات والجغرافيات الشرقية والمسلمة. والسؤال الأساس هو: مَنْ يعيد الحضور المسيحي الى المدن اللبنانية ومن ثمَّ الى كل لبنان؟

3- المسيحيون والأرض.
الأرض بالنسبة للمسيحيين هي انتماء والتزام. وأيّ فقد لهذين العنصرين، يعرض الشعور بالمواطنة لاهتزاز وخَوْف عميقيْن، ينعكسان إحْساساً بالدونية والذميِّة، وهذا ليس ولن يكون لمصلحة أَحد من هذا اللُبنانَ الذي نحبه و يحبه العالم لأنه أَرض مَحبوبة ووطن مبروك من الله. المطلوب هنا، ان تحمي الدولة المُلكيات الخاصة والعامة، وان تباشر بتحرير المشاعات والمساحات المنهوبة واعطاء الحقوق لأصحابها وتوفير الحماية الوطنية والأمنية اللازمة لهم.
إِن علاقة المسيحيين بالأرض هي علاقة انتشارية موزعة على كامل الخريطة اللبنانية، ولا يمكن حصرها في منطقة محدّدة. فقوَّة المسيحيين اللبنانيين المعنوية والنوعية، هي بانتشاريتهم وتفاعلهم الصادق والإيجابي مع كل الطوائف، على قاعدة التنوع التكاملي ضمن الوحدة.

إن الخوف على لبنان يعظم اكثر مع عدم تشجيع المسيحيين لعودتهم الى قراهم وحمايتهم وتوفير كل مقومات الحريّة لهم. إذّاك يفقد لبنان صيغته التفاعلية والنوعية.

4- ضعف الثقة بالدولة كحامية للحقوق
إِن شعور المسيحيين بأنهم غير محميّين ومستهدفون يفقدهم الأَمل والزخم بمتابعة دورهم الوطني ورسالتهم الإيمانيَّةِ والحضارية التوفيقية بين الجماعات الروحية المكونة الرئيسة لهذا الوطن النموذجي الجامع بين مفاهيم الوطن السياسي والوطن الروحي والوطن الحضاري الوطن التَكامُليِّ.
وإذا ما خفّت ثقة المسيحيين بالدولة أَوْ فقدتْ، لا سمح الله، أضحى لبنان مشاعات تجتاحها الغزوات ومضارب قبلِيّة تتناحرها الأَطماع. إِن المطلوب الصريح والصادق هو إِعادة ترميم الثقة المفقودة، وإِعادة بناء الثقة بالنفس، حتى يتمكن المسيحيون وغيرهم من اللبنانيين من متابعة العيش والحضور وحماية وجودهم في ظل سقوط مفاهيم العلمانية والدولة المدنية لحساب الأصوليات والتطرف الديني اللَّابس لبوس الإيمان السياسي وفق سياسات وإستراتيجيات هادِفَة.
والسؤال الركِيزِي اليوم، هو: من القادر على إقناع المسيحيين بأن الدولة هي دولتهم، بمعنى أَنَّها دولة لهم و لكل اللبنانيين وليست دولة عليهم وحدهم؟؟ وهذه مسؤوليَّة تضامنية يتحملها كل لبنان بكل مؤَسساته الدستورية وقياداته الروحية والزمنية والفكرية، من حَيْث أن اللبنانيين طوائف نوعيَّة تتكامل إراديَّاً مع بعضها، في القيم والوطنِيات، وليست طوائف تتعايش موْسمياً وتتعارك غَب الطلب.

إِنً التركيز على تغليب منطق العدالة على منطق المساواة، هو الطريق الأَنسب لطمأنة المسيحيين وإِقناعهم أَنهم حجر الزاوية في قلعة الوطن، وليسوا مجرد دعامة له، ولَن يَرْتَضوا لأنفسهِم أَن يكونوا علامَة تِجارية لكِيان سيَاسيّ تستعر المنازلات الدولية حول فرضية استعمارِه واستثماره وإِعادة صياغته وترسيم خطوطه الوهمية وتثبيِت حدوده المتحركة، برَّاً وجَوَّاً وبَحْراً، على قاعدة أَن استثمار مناجم التُراب وذخائر البحار أَوْجب وأنفع من الحَصْدِ في حقول الهَواء.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم