الأربعاء - 25 تشرين الثاني 2020
بيروت 22 °

إعلان

مصر وإثيوبيا... من "حافّة الهاوية" إلى "اللّعب بالنّار"!

المصدر: "النهار العربي"
سدّ النهضة مساء (تعبيرية- أ ف ب).
سدّ النهضة مساء (تعبيرية- أ ف ب).
A+ A-
 
في تراشق خشن، أعلن قائد القوات الجوية الإثيوبية منع حركة الطيران فوق سد النهضة. وقال، في زهوٍ، إن ذلك لأسباب أمنية، لافتاً إلى أنه حتى "الطيور" لا يمكنها التحليق فوق السد إلا بإذن منّا، في إشارة إلى جاهزية بلاده للتصدي لأي "هجوم مصري محتمل" على السد... لم تكن تلك المرة الأولى التي يلوّح حكام أديس أبابا بالاستعداد للمنازلة، خاصة أنهم نجحوا في التلاعب بمصر والسودان، في المفاوضات الجارية حول السد، باتّباع سياسة "حافة الهاوية"... هذا "التبجّح" لا يتناسب وقدرات الجيش الإثيوبي الذي يأتي في المرتبة 47، بينما يحتل الجيش المصري المركز التاسع عالمياً. ولأن صبر القاهرة أوشك على النفاد، جاء الرد على لسان قائد القوات الجوية المصرية، قائلاً، إننا "قادرون على الوصول إلى أي مكان دفاعاً عن الأمن القومي"، فإلى أي مدى تنفلت الأمور إلى الصدام، وما مدى مشروعية استخدام القوة لتسوية الأزمة، وهل من بدائل أخرى في الأفق؟


وعن تفاصيل هذه القضية، كتب محمد حسين أبو الحسن في "النهار العربي" المقال الآتي: "أنجزت إثيوبيا 80% من إنشاءات سد النهضة الذي شرعت في بنائه قبل 10 سنوات، بقرار أحادي، من دون تشاور مع دولتي المصب، السودان ومصر، ليقوم باحتجاز 74 مليار متر مكعب مياهاً، وتوليد نحو 6 آلاف ميغاوات. كما بدأت المرحلة الأولى من ملء خزان السد، في تموز (يوليو) الماضي، بقرار منفرد، وأعلنت عزمها ملء المرحلة الثانية، في تموز (يوليو) المقبل، بقرار منفرد أيضاً، في إصرار على فرض الإرادة والأمر الواقع على مصر والسودان، من دون مراعاة شواغلهما والأخطار الناجمة عن السد، بما يجعل منه تهديداً وجودياً للدولتين، ما بين الموت عطشاً أو غرقاً في حال انهياره لضعف معدلات الأمان فيه.

رويداً رويداً، تضيق الخيارات أمام القاهرة، ولو أفلحت أديس أبابا في إنجاز الملء الثاني من دون اتفاق، فإنه يتعذّر تدارك الأخطار المترتبة عليه، وربما إلى الأبد... يمدّ نهر النيل مصر بنحو 95% من احتياجاتها من المياه العذبة لكل الأغراض، على خلاف بقية دول حوض النيل العشر، والباقي من إعادة تدوير المياه وتحلية مياه البحر، وتبلغ حصتها من مياه النيل 55,5 مليار متر، 85% منها تأتي من الهضبة الإثيوبية، ولا يتجاوز نصيب الفرد 500 متر سنوياً، بما يضع مصر ضمن دول الفقر المائي؛ حيث تجاوز عدد سكانها 100 مليون نسمة. أما إثيوبيا فهي تمتلك 12 نهراً رئيسياً، و4 بحيرات، ويهطل عليها سنوياً 1000 مليار متر من الأمطار، فهي من بلاد الوفرة المائية ويطلق عليها "نافورة أفريقيا"... وبرغم ذلك تواصل إثيوبيا مراوغتها لكسب الوقت والانتهاء من بناء السد.

طوال 10 سنوات من المفاوضات العبثية بين الدول الثلاث، تخالف الخطوات الإثيوبية الأحادية القانون الدولي الذييكفل ضمان الحقوق المكتسبة لمصر، وفق مبادئ: عدم الإضرار بالغير، الاستخدام العادل والمعقول لمياه الأنهار، الطبيعة العينية للمعاهدات الخاصة بالأنهار الدولية. والنيل نهر دولي، مملوك لجميع الدول التي يجري فيها؛ بحيث تكون حقوقها متساوية ومتكاملة، فلا تنفرد إحداها بإقامة مشروع للانتفاع بمياه النهر في الجزء الذي يجري في إقليمها؛ ما دام هذا يؤثر في جريان مياه النهر للآخرين، إضافة إلى أن دول الحوض وقّعت بالفعل عشر اتفاقيات، حول النيل، خلال العهد الاستعماري وبعده، وهي بروتوكول روما 1891، واتفاق أديس أبابا 1902، ثم اتفاق لندن 1906، فاتفاق روما 1925، واتفاق 1929، ثم اتفاق 1959 بين مصر والسودان، واتفاق 1991 بين مصر وأوغندا، والاتفاق الإطاري بين مصر وإثيوبيا عام 1993.. وبرغم أن اتفاقية 1902 تمنع أديس أبابا من إقامة أي منشأة على النيل الأزرق إلا بموافقة مصر والسودان، كما منحتها منطقة بني شنقول السودانية (مقام بها السد حالياً وتشكل 15% من الأراضي الإثيوبية) مقابل هذا الالتزام، ومع ذلك تحاول إثيوبيا التنصل منها، فيما تمسكت بهذه الاتفاقية نفسها، لحسم خلافها الحدودي مع إريتريا عام 1990.

وحتى بعدما وقّعت مصر والسودان وإثيوبيا "اتفاق المبادئ" عام 2015، وانخرطت في مسيرة التفاوض المكثّف، في تنازل من مصر وتفهّم لمتطلبات التنمية في إثيوبيا، فإنه يبدو أن الأخيرة اعتبرته "موقف ضعف"، وبرغم القلق الشعبي العارم بمصر، واصلت القيادة السياسية ماراثون التفاوض من دون جدوى، وأمام ذلك أصرت القاهرة على وجود وسيط دولي، ممثلا في الولايات المتحدة– أهم حلفاء أديس أبابا- والبنك الدولي. وبالفعل توافقت الدول الثلاث على "وثيقة واشنطن"، والتي تضمّنت خطة ملء بحيرة السد وآليات تشغيله، خاصة في أوقات الجفاف الشديد، وعندما جاء موعد التوقيع، تهرّبت إثيوبيا، وامتنعت السودان، رعاية لخاطرها، بينما وقعته مصر بالأحرف الأولى. وأمام التعنّت الإثيوبي لجأت القاهرة إلى مجلس الأمن،إعمالاً للمادة 35 من ميثاق الأمم المتحدة التي تُجيز للدول الأعضاء تنبيه المجلس إلى أيّ أزمة تُهدّد الأمن والسِّلْم الدوليين؛ من أجل دفع الدول الثلاث للوصول إلى حل عادل ومتوازن لقضية السد، وعدم اتخاذ أي طرف إجراءات أحادية تهدد السلم الإقليمي والدولي.


دخل الاتحاد الأفريقي على خط الأزمة، بطلب إثيوبي، وبعد قمة مصغرة لرؤساء الدول الثلاث ودول أفريقية أخرى، تعهّد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بدعم التسوية و"عدم اتخاذ أي إجراء أحادي"، لكن لم تمر أيام، حتى خرج وزير خارجيته معلناً بدء الملء الأول، ومبشراً شعبه بأن النيل قد تحوّل إلى "بحيرة إثيوبية". أضاف: "النيل لنا". لتكشف إثيوبيا عن وجهها الحقيقي وزيف ادعائها المظلومية، مع الإعراض عن الاتفاق والضرب بمخاوف 150 مليون مصري وسوداني عرض الحائط، فالسد ليس إلا أداة لإعادة صياغة المشهد الجيوسياسي في حوض النيل، وإخضاع القرار المصري و(السوداني) لمصلحة أطراف ثالثة. وسد النهضة كان فكرة أميركية منذ الستينات من القرن الماضي، عقاباً لجمال عبد الناصر، وإسرائيل هي الفاعل الأساسي وراءه، والصين تشارك في تمويله وإنشائه، وشركات أوروبا في بنائه، وأموال في تمويله، وتركيا في الدفاع عنه، باتفاقية دفاع مشترك مع أديس أبابا... بحيث تجري "قرصنة" الحقوق المائية لمصر، وإعادة استخدامها في مشاريع داخل إثيوبيا أو بيع المياه كسلعة مثل النفط لدول أخرى، أي أن يصبح السد "بنك مياه" تتحكم به إثيوبيا ومن وراءها. لقد أضرّت إثيوبيا بكل جيرانها، بإقامة سدود "تحكمية" على الأنهار التي تجرى من أراضيها. وجه آخر للأزمة أن النظام الإثيوبي حوّل سد النهضة إلى قضية "كرامة وطنية"،لحشد الداخل المهلهل خلف قيادته ولجم الانقسامات، فالبلاد تتكوّن من 80 عرقية، تتأجج بينها الخلافات على المستويات كافة، لذلك لجأ النظام إلى اختراع عدو محتمل (مصر)، لمنع تمزق اللحمة الإثيوبية الهشة، بالتّعنت في ملف السد، برغم أن موازين القوى تميل كلياً لمصلحة مصر.


إن قيام إثيوبيا مدفوعة بمزايدات داخلية ومؤامرات خارجية، بملء السد من دون اتفاق خلال 3 أو 4 سنوات، يعني حرمان مصر من نحو 25 مليار متر من حصتها سنوياً، وتؤكد الدراسات أن نقص ملياري متر فقط، يعني تبوير مليون فدان من الأراضي الزراعية وتشريد 4 ملايين مصري، أي أن الآثار الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية للسد، في تلك الحالة، تجعله خطراً ماحقاً، يدمّر الأمن الغذائي، في بلد يستورد 60% من غذائه، ويدفع فاتورة 30 مليار دولار، ويقبع 40% من سكانه تحت خط الفقر، ما يحطّم الزراعة ويؤثر في الصناعة والسياحة والخدمات، ويخرج السد العالي من الخدمة، ناهيك عن الاضطرابات السياسية والاجتماعية، في بلد عُرف بأنه "هبة النيل" على مدى 10 آلاف عام... إن تأثيرات السد التدميرية توازي "هجوماً بقنبلة هيدروجينية" ماحقة، على مصر والسودان، سواء بالجفاف أو الغرق حال انهياره المتوقع وفق دراسات عديدة.


لا تريد القاهرة أن يجري النيل بالدماء، ومن ثمّ ستعاود اللجوء لمجلس الأمن أو محكمة العدل الدولية أو الجمعية العامة المتحدة، في ظل فشل الاتحاد الأفريقي بحلحلة الأزمة أو التصدي للتعنّت الإثيوبي، لكن لو استمرت إثيوبيا في تضييق أُفُق التسوية السلمية، وتحطيم خياراتها على صخرة العناد، فإنها تجعل القوة العسكرية خياراً، تصرّ إثيوبيا على دفع مصرَ إلى استخدامه... يقف القانون الدولي في صف القاهرة، لأن مبادئه تعتبر الحق في البقاء والحفاظ على الذات واجباً لا يجوز التنازل عنه، أو التفريط فيه، وكذلك حق "الدفاع عن النفس" وفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، والمادة 12 من مشروع إعلان حقوق وواجبات الدول عام 1949". 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم