الثلاثاء - 26 تشرين الأول 2021
بيروت 21 °

إعلان

‎لماذا لا تبالي الجماعة الحاكمة بشقاء اللبنانيين؟

المصدر: "النهار"
تمثال الشهداء في وسط بيروت (تصوير نبيل إسماعيل).
تمثال الشهداء في وسط بيروت (تصوير نبيل إسماعيل).
A+ A-
‎غسان صليبي 
 
‎لم يتأثر اللبنانيون، بعد تأليف الحكومة، بدمعة ميقاتي ولا بدموع راوول نعمة وزير الاقتصاد السابق، بل تعاملوا معها باستهزاء. ذلك لأن معظمهم اقتنع من خلال التجربة الطويلة، بأن أفراد هذه الطبقة الحاكمة لا يبالون بشقائهم، ولا يتحسّسون معاناتهم. دليلهم، لائحة من الممارسات المشينة في حق شعبهم، امتدت ما يقارب الخمسة عقود، ومن بين هذه الممارسات:
 
‎- قيادة زعماء الميليشيات، القديمة والحديثة، للحروب بأجساد شعبهم ووضع مصالحه في خدمة القوى الخارجية.
 
‎- السياسات الاقتصادية الاجتماعية غير العادلة التي اعتمدها تحالف الميليشيات والحريرية السياسية والوصاية السورية منذ 1990.
 
‎- سرقة المصارف لأموال المودعين وتهريب أموال السياسيين  إلى الخارج.
 
‎- إحجام مجلس النواب عن إقرار قانون للكابيتال كونترول يحد من تسلط المصرف المركزي والمصارف على المواطنين من خلال فرض تعاميم وتدابير غير قانونية.
 
‎- تعامل رئيس الجمهورية مع شباب بلاده المنتفضين بلامبالاة كاملة وقوله لهم بوقاحة وبدون خجل "اذا مش عاجبكم هاجروا".
 
‎- تسبّب البنية الحاكمة بانفجار المرفأ وقتل المواطنين وجرحهم وتهديم منازلهم ومؤسساتهم، وفي الوقت نفسه الضغط على القضاء لعدم معاقبة المذنبين.
 
‎- عدم اتخاذ قرارات تخفف المعاناة المعيشية والمماطلة في تأليف الحكومة وحرمان اللبنانيين من المعالجات الممكنة.
 
‎- عدم مبالاة بتهريب السلع المدعومة إلى الخارج او احتكارها، وما يترتب على ذلك من نقص في الدواء والبنزين والمازوت والخبز، ووقوف المواطنين في طوابير يومية مذلة. وقد سبق لنصر الله أن اجاب ببرودة عن ضرورة مراقبة الحدود لمنع التهريب، بأن هذه المسألة يجب أن تبحث مع الجانب السوري. أيّ أن الأهم من معاناة اللبنانيين هو التطبيع مع النظام السوري.
 
‎لم يكن موقف معظم اللبنانيين تجاه أركان السلطة بهذا القدر من السلبية من قبل. فبعضهم كان لا يزال يناشد ضمائر المسؤولين، ويعوّل على حسهم الإنساني. لكن في المدة الأخيرة، وخاصة بعد انفجار المرفأ، راحت مواقف المواطنين تصبح أكثر عنفاً، ولا تتأمل من المسؤولين أي خير، وتتمنى لهم ولعائلاتهم الموت بأبشع الطرق.
 
‎كيف نفسّر "قساوة قلوب" أفراد المجموعة الحاكمة؟ هذه بعض التفسيرات "السياسية" الممكنة:
 
‎- الطبقة الحاكمة تدافع عن مصالحها، فهي سارقة وقاتلة، والعلاقة بينها وبين شعبها "يا قاتل يا مقتول".
 
‎- الطبقة الحاكمة تنتقم من شعبها لأنه انتفض عليها.
 
‎- لا آلية ديموقراطية تذكّر الحكّام بواجباتهم الدستورية تجاه شعبهم، وتجبرهم علي تغيير سلوكهم.
 
‎- البلاد رهينة صراع إقليمي دولي، يفرض على زعمائها مواقفهم، ويجردهم من اي قدرة على التعبير عن إحساسهم، حتى ولو أرادوا ذلك.
 
‎لكن هل يمكن أن تكون قلوبهم قاسية إلى حد رؤية شعب بكامله يتعذب أمام عيونهم ولا يحركون ساكنا؟ السؤال يحيل على  تساؤل أكثر خطورة على مستوى فهم مشاعر الظالمين بشكل عام: هل يشعرون فعلاً بأنهم ظالمون؟ 
 
‎أكتفي بإيراد بعض الملاحظات "السيكولوجية" التي تساعد على ما اعتقد، في تكوين فهم افضل للمسألة المطروحة.
 
‎سأختار من بين الظالمين في لبنان، "التيار الوطني الحر" و"حزب الله". ليس لأنهما وحدهما ظالمان، بل لأن السلطة الفعلية بيدهما اليوم وبمباركة إقليمية ودولية، أيّ أنهما يتربعان، وبكل فخر، على عرش الظالمين. وأيضا لأن تفحص سيكوليجيتهما يعطي فكرة عن مشاعر الجهات التي من المفترض أن تبادر أكثر من غيرها إلى معالجة قضايا الناس، بحكم نفوذها.
 
‎لا يتوقف "التيار الوطني الحر" عن تكرار أنه غير مسؤول عما يحصل، وهو يقوم بواجباته لكن "مش عم يخلّوه". إذاً، "التيار" لا يعتبر نفسه معنيا اصلا بشقاء الناس وهو قام ويقوم بما عليه، لكن دون نتيجة لأن أركان السلطة الآخرين يعرقلون عمله. ولا يزال "التيار الوطني الحر" يتمسك بهذا الموقف حتى بعد تأليف الحكومة. فمع انه كان لرئيس الجمهورية رأي بالنسبة لجميع اعضائها، إضافة الى عدد معين اختارهم هو بنفسه، أعلن "التيار" بكل بساطة انه "لا يشارك في هذه الحكومة". في هذه الحال، ينكر الظالم كليا مشاركته في الظلم ولا حاجة بالتالي للتساؤل إذا كان يشعر بأنه يمارسه.
 
‎بالنسبة إلى "حزب الله"، "خذوا أسرارهم من صغارهم". فقد سبق وبرر الشيخ النابلسي، القريب من "حزب الله"، عملية التهريب الى سوريا معتبرا اياها من متطلبات المقاومة. هو لم يتوقف عند ما ينجم عن ذلك من معاناة لشعبه، فهذه المعاناة- إذا كانت موجودة- هي مساهمة وتضحية في سبيل قضية اسمى هي قضية المقاومة، التي لا تحصر همومها بالشعب اللبناني وحده، بل بشعوب سوريا والعراق واليمن. التعاطف الإنساني هنا يخضع لاعتبارات اسمى، من مثل المقاومة. والتعاطف الانساني لا يتقدم البتة على ما يريده الله، الذي يدعم المقاومة وحزبه. 
 
‎نصرالله ليس بصراحة النابلسي، فبعد أن عبّر عن لامبالاة في شأن التهريب، كما أشرت اعلاه، عاد وأبدى تعاطفا مع معاناة الناس بالنسبة إلى فقدان المازوت والبنزين، وقرر استيراد النفط الإيراني لتغذية السوق اللبنانية من طريق دمشق. الحس الإنساني عند نصر الله بدا متناقضا، وهو لا يشتغل فعليا، الا اذا كان يصب في مصلحة إيران ودمشق.
 
‎نصر الله في الأساس لا يعتبر انه يظلم خصمه، فخصمه خائن ويستحق الشقاء. حتى ولو كان هذا الخصم قسما كبيرا من شعبه الذي انتفض عليه وعلى باقي الطبقة الحاكمة، والذي يتخبط اليوم في أزمة معيشية ووجودية خانقة. ألم يتهم هؤلاء بأنهم يتحركون بدفع من السفارات، اي بأنهم خونة؟ وهل يمكن أن يتعاطف مع خونة لأنهم أصيبوا بالإحباط والعوز، جراء فعلتهم، اي الانتفاضة، التي بحسب حليفه باسيل، هي ما تسبب بالانهيار؟ 
 
‎"حزب الله" و"التيار الوطني الحر" يتكاملان أيضاً عندما يروّجان أن الأزمة ومعاناة الناس، سببهما الاول الحصار الاميركي.
 
‎فلنبتعد قليلاً عن الظالمين اللبنانيين من أركان السلطة، ولنتفحص سيكولوجية ظالمين من نوع آخر، عبر هذين المثلين.
 
‎مع بدايات الثورة الصناعية، كان العمال يعملون أكثر من ١٦ ساعة ويعيشون في حال من البؤس التام. فما كان من العمال الا ان طالبوا ب٨ ساعات عمل و٨ ساعات راحة و٨ ساعات نوم. وهذا كان شعار عيد العمال العالمي الذي نحتفل به سنويا في أول ايار.
 
‎أصحاب المصانع، الرأسماليون، لم يكتفوا بالرفض بل برروا رفضهم بمقولة لافتة. فقد تساءلوا ماذا تراهم سيفعلون في أوقات الراحة، هؤلاء العمال البائسون؟ كان الرأسماليون يحاولون من خلال هذا التبرير، اقناع انفسهم قبل اقناع خصومهم، بأنهم في الواقع لا يظلمون العمال، الذين هم في الواقع، لا يحسنون عمل شيء من خارج عملهم، نظرا لتدني ثقافتهم وانعدام اهتماماتهم وطموحاتهم. كان الرأسماليون بحاجة إلى حجة لتقليل القيمة الإنسانية للعمال، حتى يبرروا استغلالهم لهم وضعف مشاعرهم الإنسانية تجاههم.
 
‎المثل الثاني يتعلق بما حصل مع نازحة سورية في لبنان. كانت تشتري الخضر في محل يعج بالناس، عندما التقت بها صاحبة المسكن التي كانت تقيم فيه النازحة مع عائلتها. فما كان من صاحبة الملك الا أن ذكّرت النازحة أمام الجميع وبطريقة فيها الكثير من العتب والفوقية، بأنه يتبقى عليها دفع ثلاثمئة ألف ليرة لبنانية. اضطربت المرأة النازحة ودمعت عيناها وراحت ترتجف، وذهبت مباشرة إلى البيت وجلبت لها المال.
 
‎استغربت صاحبة الملك ردّ فعل المرأة النازحة، وقالت لصديقة مشتركة، أنها انزعجت من نفسها بعد أن رأت ما أصاب المرأة النازحة بسببها، وأنها لم تكن تعلم أن السوريين "يزعلون". هنا أيضا نرى أن صاحبة الملك كانت تحاول اقناع نفسها بأنها لا تظلم احدا، من خلال ترسيخ اعتقادها بأن السوريين لا "يزعلون"، وبالتالي من الطبيعي الا تشعر هي بعاطفة إنسانية تجاههم. صاحبة الملك مؤمنة ولا تفوّت عليها قداسا، ربما للتكفير عن ذنوبها وإراحة ضميرها الذي اتعبته تبريراتها.
‎يحاول الظالم باستمرار أن يقنع نفسه بأن المظلوم لا يستحق الاحترام والتعاطف. وربما كان أفراد المجموعة الحاكمة اللبنانية يؤكدون لأنفسهم باستمرار: "هل يستحق الاحترام والتعاطف من لا يزال يتبعنا ويصدقنا، وقد كذبنا عليه مرات ومرات، وسرقناه وقتلنا أهله وأعزاءه وقضينا على مستقبله ومستقبل أولاده؟".
 
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم