الخميس - 04 آذار 2021
بيروت 13 °

إعلان

{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}... 4 آب بين الحقيقة والدجل!

المصدر: النهار
المرفأ بعد الانفجار. (أرشيف "النهار").
المرفأ بعد الانفجار. (أرشيف "النهار").
A+ A-
 
رنا الحجيري
 
طريق المهالك، دموع الألم على شهداء ٤ آب. مضى ٦ أشهر وأكثر على الانفجار اللانووي الذي قتلنا ونكبنا وآلمنا وجرحنا وتركنا في ذهول لا ندري من أي صوبٍ قد توافينا المنيّة.
 
ففي مسلمات الأمان الاجتماعي وأمن المسكن والعيش الكريم، وفي هذا الذي يُعرَف عنه في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان بـ "حق كل امرأة ورجل وشاب وطفل في الحصول على بيت آمن يؤويه ومجتمع محلي ينتمي إليه ويعيش فيه بسلم وكرامة وطمانينة"، ومع انفجار بيروت، فقد لفظ أنفاسه الأخيرة، فلا المسكن بات آمناً ولا الحياة ممكن أن تكون كريمة، ولا نحن بعارفين إلى متى سنظل مكبلين نتقاذف بين المصيبة والمنيّة. 
 
 
وفي كل هذا، كُتب علينا أن نتقن فنون التعامل مع المصيبة وأن نتابع الأخبار أكثر من متابعتنا لأمور حياتنا اليومية، وأن تصبح الوجه الآخر لنعي المصيبة للمصيبة.
 
في البداية وبعد الانفجار، الكل تنصل حتى ظننت أن هذه النيترات وُجدت بقدرة إلهية، وُلدت مع البشرية أو ربما جاءت بإحدى السفن الفينيقية.
 
ثم ما لبث رجالات الدولة أن اتفقوا (نعم اتفقوا)، وهمُ إن اتفقوا على خيانة الوعود، فأكدوا لنا أنها مسألة أيام وسوف تتبدد مخاوفنا، وسوف ندحض كل نظريات المؤامرة، وسوف تعلن الأسماء وتحدد المسؤوليات ويزجّ القتلة بالسجون ويحاكمون... ثم جاء الرئيس الفرنسي وهتفت قلوبنا أملاً "عسّى أن يشرق الضوء في نهاية النفق".
 
ومن يوم إلى بضعة أيام إلى شهر إلى ستة أشهر ونحن ما زلنا مصبَّرين إلى هذا التلفاز اللعين. نتابع شدّ الحبال وحفلة الهذيان ونحن نغرق في "تيتانك" لا موسيقى ولا أضواء؛ وبينما نتابع القضية، إذ بنا نرى تقزيم جريمة قتل جماعي إلى ما سُمِّي بـ "الإهمال الإداري".
 
ألم تعد القضية من المسلمات والعلن على الملأ من جاء بشحنة النيترات؟ من خطط لوصولها وموّل ودبّر؟ من العقل الميكيافيلي الذي جعل من وصول الباخرة وعدم مطابقتها المواصفات، ثم منعها من إكمال رحلتها ثم أمر بإفراغ محتوياتها ومن ثم بقدرة مافيوية غرقت وكان لنا هدية أطنان النيترات؟ 
 
وفي هذه الحبكة، من قرّر تركها ٦ سنوات بكاملها وسمح وغطّى؟ الكل كما يبدو غطى نفسه ورقياً ولكن من أمر أن تترك للقدريات بعنبر مكشوف؟ ولماذا؟ أين وكيف اختفت (حسب التقديرات) ٢٣٠٠ طن من النيترات المخزنة؟
 
قتل ٢٢٠ مواطناً ومواطنة بينهم أطفال لا دخل لهم بالمسميات الفلكلورية عن الإهمال والأوراق الثبوتية لرفع المسؤوليات! ٦٥٠٠ جريح و٣٠٠٠٠٠ نازح تركوا منازلهم المدمرة، وتكبيد الاقتصاد ٤.٥ مليارات دولار خسائر عدا عن الآثار النفسية التي لم يسلم منها الكثير منا. مَن يتحمل المسؤولية؟
 
ثم ونحن ننتظر يائسين، نريد أية أسماء حتى لو كنا في قرارة أنفسنا نعرف أن الجريمة أكبر من إسم أو اثنين، ولكن لا يهم، أي اسم ليشفي غليلنا ويخفف من آلامنا. وفي فيض الاستنباطات والكمّ المهول من البرقيات التي كشفت هنا وهناك، يعترينا سؤال آخر يزيد من شكنا وتخبطنا: لمَ أُخفيت عن الإعلام؟ ففي خضم البرقيات البراقة لم تخرج إلى العلن وكان لها أن تكون سرية لـ٦ سنوات في بلد لا شي سرياً فيه!
 
ونجد أنفسنا في أضحوكة مُبكية بانتظار التفحيص بهذا "الإهمال الإداري" الذي هو نتاج طبيعي لدولة مهترئة وسلطة ازدواجية، وفي هذا كله، لا نفهم مين ضد مين، ومين بيغطّي مين؟
 
ويصبح الموضوع الذي يشغل المحللين: هل تجاوز القاضي صوان صلاحيته؟ أية جهةٍ مسؤولة أو مخولة؟ أية محكمة أو جهة عليا عليّة عليها البتّ بالقضيّة؟!
 
لهؤلاء نقول: وفروا علينا وعليكم عناء شرح الأصول القانونية والقضائية. لا يهمنا. لا يهمّ إن كان فلان أبرق ونفض المسؤولية عنه أم لا، ولا يهمنا إن كانت المسؤولية مناطة بمجلس الدفاع الأعلى أم القاضي فلان أو المدعي العام علتان أو مَن، أو ماذا... في تحاليل لا يفهمها إلا خريجو الحقوق من الجامعة اللبنانية!
 
لا تمعنوا الرقص على قبورنا والتعنق بتمييع المهم. ما يَهم هو أن نعرف المهم. المهم الذي قتلنا. من أتى بالنيترات؟ أهو أكبر بكثير من ضابط هنا أو مسؤول وقاضٍ هناك؟ لماذا خُزنت هنا ومن قرر؟ لمَ تُركت كل هذا الوقت؟ من غطّى وموّل؟ ولمَ ٤ آب؟
 
كما ويعترينا الشك بعدم شكّكم وأنتم التوّاقون إلى المؤامرات ونظرياتها: لمَ بعض الدول لم تفدنا ببعض المعلومات التي قد تساعد القضية؟ هل من الممكن ان تكون مثلاً إسرائيل مَن فجرت (؟) مع تهديد نتنياهو في ١٣ تموز، أي أسابيع قلائل قبل التفجير؟ أسئلة تحتاج أجوبة وبراهين دون كيديات سياسية(!)
 
وإن نُحّي القاضي صوان أو تنحى، لا تزجونا بنفق الدهاليز والأسماء والمسميات. ما نريده هو الحقيقة كاملة التي تستّرت لتقتلنا على مدى ٦ سنوات متتالية. 
 
يقولون إن النيترات كانت تهرَّب إلى سوريا. إن كان هذا صحيحاً وثَبت، نريدها رسمياً ومعلنة، فأرواحنا ليس قضية "عبَطية".
 
وفي هذا، نريد أن نعرف إلى متى سيظل المرفأ والميناء والحدود والنهر والمعبر والخط والمسار والأجندة وصوتنا الذي هو لنا، من حقنا، يُسرق لغيرنا. إلى متى سنظل نُقتل تحت مسميات خنفشارية؟
 
بالمختصر، لنحاسب، فبين الحقيقية والدجل اعطونا الحقيقية كاملة وواصلوا ما شئتم من الدجل، لعلّ في القصاص حياةً وأملاً يُدملان الكثير من جراحنا وآلامنا.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم