الثلاثاء - 26 تشرين الأول 2021
بيروت 21 °

إعلان

التربية على رأس الأولويات

منى فياض
عودة الطلاب إلى المدارس (حسام شبارو).
عودة الطلاب إلى المدارس (حسام شبارو).
A+ A-
في أواخر آب ومطلع أيلول، موعد المدارس، كثر الحديث عن التعليم ومستقبل الأجيال ومآلات النظام التربوي في لبنان في زمن الانهيارات التي فاقمت المشكلات التربوية المزمنة.

أكثر ما لفتني مؤخّراً عبارة "نجَونا". أطلقتها معلّمة هاجرت إلى كندا في العام 2020، وفق ما ورد في أحد تقارير جريدة النهار.

"نجونا" من جهنم تقصد. فالعيش في كندا التي لا تحترم فقط حقوق الإنسان في دولة القانون، بل تجهد لتوفير الرفاه لمواطنيها، تكشف بؤس العيش في لبنان المقاوم.

مشكلات التربية أحد أوجه منظومة المشكلات التي تطال مجمل نواحي حياة المواطن اللبناني، بدءاً من المعلّمين ووضعهم المتردّي؛ فأغلبيّتهم لا يتقاضون رواتبهم بالكامل، وشريحة كبيرة لم تحصل على حقها بعد إقرار سلسلة الرتب والرواتب؛ إلى الأجور التي أشارت إليها أرقام "رويترز" في مارس الماضي، وفيها أنّ "معلمي المدارس الحكومية يتقاضون رواتبهم بالليرة اللبنانية، التي فقدت ما يقدّر بـ 90 في المئة من قيمتها، ممّا يجعل رواتب المعلّمين تساوي الآن ما بين 1 و2 دولار أميركي بدل الساعة الواحدة".

ويرجّح التقرير الصادر عن البنك الدولي في يونيو بعنوان "التأسيس لمستقبل أفضل: مسار لإصلاح التعليم في لبنان" أن "تؤدّي الأزمة الاجتماعية والاقتصادية الحالية، وتأثير جائحة كوفيد -19 الصحية، والانفجار الأخير في مرفأ بيروت، إلى انخفاض التمويل المتاح للتعليم"، ناهيك بأن "الإنفاق الحكومي على التعليم غير كافٍ أصلاً".

من هنا بروز مشكلة الهجرة واستنزاف الخبرات. فبعض المعلّمين يفضّلون مواجهة المجهول على البقاء في لبنان، حتى أن بعض الأهالي سجّلوا أولادهم للدراسة خارج لبنان.

وعلاوة على مشكلة هجرة المعلّمين الكثيفة كجزء من الهجرة غير المسبوقة لمختلف كوادر القطاعات المدرّبة والمتخصّصة، خصوصاً في الطبّ والتمريض والشباب المتخصص بالتقنيّات الرقميّة الحديثة، عمود ما يعرف باقتصاد المعرفة، هناك مشكلة أوضاع الأسر والتلاميذ أنفسهم.

يكفي انقطاع البنزين وغلاؤه حتى يُصبح التنقّل مستحيلاً على المعلّمين وعلى التلاميذ. يُضاف إلى ذلك عجز الأهل عن توفير الكتب والقرطاسية واللباس المدرسي، ناهيك بالأقساط، ثمّ عجز الحكومة عن توفير مستلزمات الصفوف نفسها من إضاءة وتدفئة... مع مشكلات الإنترنت والنقص في الكمبيوترات في ظلّ التعليم عن بُعد.

كلّ ذلك يهدّد مستقبل لبنان الذي سيفتقد الكنز البشري الذي طالما كان رأسماله الأهم، للعشرين سنة المقبلة.

عند مراجعتي كتاب آلان غرينسبان (Alan Greenspan)، الرئيس السابق للمجلس الفيدرالي المركزي للخزينة الأميركية، le temps des turbulences، أكثر ما لفت نظري كلامه عن أولويّة الكائن البشريّ وأولويّة التربية والنظام التعليمي في الاقتصاد.

نصيحته الأولى: واجب الاقتصاديين دراسة الطبيعة البشرية خصوصاً الابتهاج والخوف، لما لهما من تأثير في الاقتصاد. الأمر الثاني تأثير المرحلة الانتقالية التي نمرّ بها بسبب القفزة الكبيرة في التطوّر التقنيّ، الذي يترافق في أغلب الأحيان مع الفوضى. وقد يلزم الأسواق سنوات عدّة كي تتكيّف مع قفزات كهذه، ما يُثير اضطراب الأجور، فيرفع أجور الكوادر المهرة. ونتيجة ذلك تزداد الفجوة بين أجور هؤلاء والموظفين الأقلّ خبرة ومهارة، فتعلو الشكوى من اللامساواة في المداخيل.

يقارن بين الدول النامية والولايات المتحدة بعد أن تعرّض الجانبان لصدمة التكنولوجيا والعولمة، فكانت الآثار على الأولى أقلّ ممّا كانت عليه في الولايات المتحدة. ويجد أن التفسير الجزئيّ لهذا الأمر، فيما عدا أنظمة الحماية الاجتماعية الأكثر نمواً في أوروبا خاصة، ظهور فشل وظيفيّ في النظام التربوي على المستويين الابتدائي والثانوي، أظهرته دراسة أجريت في العام 1995 في مدرسة Lynch school of education في كلية بوسطن، وبيّنت أن طلاب المستوى الرابع، يقعون فوق المتوسط العالمي في الرياضيات والعلوم إلا أنهم يقعون تحت المتوسط في نهاية المرحلة الثانوية.

يسميها "الكارثة التربوية" التي لا يمكن إرجاعها إلى عدم موهبة تلاميذنا. ففي عمر 9 و10 سنوات كانت لديهم متوسطات مُرضية وأكثر، "فما الذي فعلناه خلال السنوات السبع أو الثماني التي تلت كي يُصبح أداؤهم بهذه الرداءة mediocrity مقارنة بالبلدان الأخرى؟".

يشرح لنا كيفية تأثير النظام التربوي في الاقتصاد ليستنتج أن الأدوات السياسية التي تسمح بمباشرة مشكلات اللامساواة المتصاعدة الكبرى، هي بلا شكّ التربية والهجرة، مطالباً بتسريع السيرورات، والسيطرة بشكل أفضل على القدرة التنافسية التي قادت تاريخياً تطوّر التربية في الولايات المتحدة، كما يقترح تسهيل هجرة البشر الأكثر تأهيلاً إلى أميركا.

هكذا نرى الإنسان وإِعداده هو الأصل. والدول الغربية تتنافس على استقبال الكوادر المؤهّلة. وأميركا تريد المزيد من العقول. وهي دول لا تعاني ذرة من مشكلاتنا بينما يفرّط لبنان بكوادره، ولا يبالي مسؤولوه باستنزاف أفضل القدرات والخبرات وطردهم من البلد.

يهدمون كلّ ما بُني من تراث تربويّ عريق خلال عشرات السنين إذا لم يكن خلال مئات السنين! يغيّرون وجه لبنان الذي كان جامعة العرب ومهد قياداتها.

تعلّمنا التجارب العالمية أن النهوض من مجتمع تقليدي فقير إلى مجتمع متطوّر لم يحصل إلا بواسطة التربية. جميعنا سمعنا بفترة حكم الميجي التي نقلت اليابان نقلة نوعية كبيرة جعلتها أحد أهمّ اقتصادات العالم. هناك توافق عام على أن التعليم من بين أهمّ العوامل التي صنعت من اليابان قوة علمية وصناعية. من هنا التشديد على دور التربية والتعليم. إن فكرة الإصلاح السياسي أو الاقتصادي تظلّ ناقصة ما لم تترافق مع إيلاء التربية ما تستحقه من العناية بإدخال أنظمة تربوية قويّة وصلبة، والتشديد على أولوية التكوين المدرسي ثمّ الجامعي للناشئة.

عندما نقارن اليابان بمصر في نهاية القرن التاسع عشر، كانت مصر متقدّمة على اليابان بعد أن عرفت طريقها نحو التطوّر خصوصاً بعد التلاقح الحضاري، الذي تمّ بعد دخول نابوليون مصر برفقة البعثة العلمية الفرنسية. قام محمد علي بإصلاحات مهمة لكنها مسّت الجانب المادي، وهُمِّش الجانب البشري بينما قامت اليابان بالعكس، فاهتمّت أوّلاً بالجانب البشري وركّزت على إصلاح التعليم، ناهيك بنهضة كوريا الجنوبية الكبيرة بعد صرف معظم موازناتها على التعليم لمدّة 20 عاماً.

الآن مع الحكومة الجديدة، لدينا وزير تربية نثق بكفاءته ونزاهته، ونرجو له أن يتمكّن من تحقيق بعض الإصلاح. فعلى كاهله تقع مسؤولية ثقيلة عليه مواجهتها. مطلوب العمل الجادّ من أجل الخروج من مأزق القطاع التربوي، ومن أجل استعادة بعض التوازن على مستوى التعليم. إن غضّ النظر عن الانهيار الذي نعاني منه في منظومة التربية والتعليم يعني القضاء على مستقبل لبنان لأعوام مقبلة. وننتظر منه أن يُصارح المواطنين بخططه وما قد يوضع العراقيل أمامه.

لن نفقد الأمل. السوسيولوجي بوتول يقول إن "التقدم في ميدان التفكير حول الظواهر السوسيولوجية لا يحصل إلا في أوقات الأزمات الكبرى، خاصة عندما تهتز المؤسسات التقليدية أو تتغيّر لحصول حوادث تاريخية تساهم في قلبها على الأقل".

لكنه لن يحصل دون هزة يجرؤ عليها من تسلموا السلطة على أمل الإنقاذ. ونذكّر بأن الأمل بالتقدّم يظلّ ضعيفاً وناقصاً في بلد محتلّ تتشكّل حكومته بتوافق خارجيّ بين فرنسا وإيران.
نُشر على موقع "الحرّة"

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم