الأحد - 07 آذار 2021
بيروت 16 °

إعلان

هل الإصرار اللبناني على لقاح "فايزر- بيونتيك" مشروع؟

المصدر: "النهار"
ما هو الأفضل للبنان؟
ما هو الأفضل للبنان؟
A+ A-
محمد جنبلاط* 
 
في بلاد اعتادت منذ قيامها أن تكون محوراً لمخططات الاستكبار العالمي للسيطرة والتوسع وبسط النفوذ، وفي بقعة جغرافية نشأت لتكون ساحة شدّ حبال بين القوى العالمية الكبرى، قد يكون من حق الشعوب المستضعفة فيها أن تستشعر الخطر وتلتمس أسساً لخيوطٍ تستهدف كيانها ووجودها، وخاصة عندما يتعلّق الأمر بصحة أبنائها وباستمرارها كأمّة ترفض الانصياع والاستسلام للتيّار.
 
من هذا المنطلق، قد يتفهّم البعض "الذعر" المستشري من لقاح فيروس كورونا، وخاصة لقاح "فايزر - بيونتيك" الأميركي - الألماني الصنع. لكن، ورغم الأسباب العديدة المبرِّرَة لبعض الهواجس، لا شك في أنّ استمرار الشعوب يحتاج إلى اعتماد الأخيرة أولاً وأخيراً على الوقائع والأرقام والحقائق العلمية، الكفيلة بتبديد أي مخاوف وهواجس نسجتها خيالات الصراع القائم.

وفي الأرقام والحقائق العلمية، يُتَرجم الانحياز للّقاح الأميركي - الألماني واقعاً يفيد بأنه اللقاح الوحيد - لحدّ اللحظة - الحائز تصريح الاستخدام الطارئ من منظمة الصحة العالمية. كما أنه اللقاح الأكثر فاعلية، بنسبة مثبتة بلغت 95%، مقابل 94% للقاح "موديرنا" الأميركي، 92% للقاح "سبوتنيك" الروسي، 86% للقاح "سينوفارم" الصيني، و70% للقاح "أوكسفورد - أسترازينيكا" البريطاني - السويدي.
 
واستناداً إلى الأرقام، يُبرّر الداعون إلى مقاطعة اللقاح الأميركي معارضتهم بوجود "بدائل" متوفرة في السوق.
 
في الواقع، قد يمثّل لقاحا "سبوتنيك" و"سينوفارم" بديلين جيّدين للّقاح الأميركي - الألماني، لكن الحقيقة هي أنّ هاتين الشركتين لم تقدّما لحدّ الآن أيّ ورقة علمية بحثية تشرح كيف توصّلتا، بعد انتهاء المرحلة الثالثة من التجارب، إلى الأرقام المذكورة أعلاه، ما يجعلها أرقاماً مزعومة غير مثبتة فعلياً.
 
ففي مقال نشرته مجلة "نايتشر" العلمية، يستغرب الكاتب دايفيد كريانوسكي مسارعة دول مثل الإمارات العربية المتحدة والبحرين إلى المصادقة على استخدام لقاح "سينوفارم" الصيني في ظل غياب الداتا الحقيقية عن فاعليته وأمانه. كما يتساءل عن موثوقية اللقاحات الصينية إذا ما استمرّت الشركات الصينية في سياسة الكتمان والالتفاف على الوسائل العلمية، المعتمدة لدى الشركات الأخرى المشاركة في سباق الوصول إلى اللقاح.
 
وفي مقال آخر، نُشر أيضاً في مجلة "نايتشر"، يتحدث ستيفين إيفانز، عالِم الأوبئة في كلّية لندن لعلم الصحّة والطبّ الاستوائي، عن أنّ الأرقام التي قدمها الباحثون الروس عن المرحلتين الأولى والثانية من التجارب السريرية للقاح "سبوتنيك"، توحي بأن فاعليّته الحقيقية لا تتجاوز الـ60%. بناءً على كل ما سبق، يصبح لقاح "فايزر - بيونتيك" اللقاح الأكثر فاعلية، إلى جانب "موديرنا"، وبفارق كبير عن غيره من اللقاحات المنافِسة.
 
 
 
أما في ما يتعلّق بلبنان تحديداً، فاللقاح الأميركي - الألماني هو اللقاح الأول الذي سيصل إلى بيروت بفارق أسابيع، وربما أشهر، عن أيّ لقاح آخر. هذا فضلاً عن أنّ لبنان المفلِس والمأزوم اقتصادياً، حصل على حصّته من لقاح "فايزر - بيونتيك" بأسعار مغرية مقارنة بغيره من الدول، على حد قول وزير الصحّة في حكومة تصريف الأعمال حمد حسن.
 
وعند الحديث عن المخاوف التي أثارها اتفاق استيراد اللقاح الأميركي - الألماني، يتساءل البعض عن سبب إلزام لبنان توقيع بند يعفي الشركة المصنّعة من المسؤولية عن أيّ آثار جانبية للّقاح تظهر لدى المستخدمين.
والجواب هو أنّ أيّ شركة حصلت أو ستحصل على تصريح الاستخدام الطارئ، لا بد أن تضع هذا البند في عقد الشراء بينها وبين الدولة المستوردة. ومن ثم، فإن البديل عن وجود هذا البند في عقد استيراد أيٍّ من اللقاحات المذكورة أو غيرها، هو عدم الحصول على لقاح.
 
ويشكّك البعض أيضاً بقدرة الدولة اللبنانية على تأمين عملية التخزين المعقدة للّقاح، إذ يحتاج إلى التخزين في درجة حرارة تقارب التسعين تحت الصفر.
 
وعلى هذه النقطة تحديداً، يطمئِن حسن بأنّ الوزارة تمتلك ثمانية برادات قادرة على تخزين اللقاح، تصل سعة كل براد منها إلى 35 ألف جرعة. هذا فضلاً عن هبة من 6 برادات أخرى ستصل إلى بيروت قريباً.
 
بين الحسابات والواقع العلمي

يتعاظم الخوف وتزداد الهواجس عندما يبدأ الحديث عن العوارض الجانبية المحتملة للّقاح الأميركي - الألماني، وعن أنّ الحكومة الأميركية تسعى إلى تجربة اللقاح على شعوب دول العالم الثالث قبل تجربته على شعبها.
 
لكن الأرقام توضح أنّ اللقاح قد أُعطي خلال الشهر الماضي لما يقارب الـ7 ملايين أميركي في الولايات المتحدة، مع أكثر من 150 ألفاً ممّن تلقوا جرعة اللقاح الثانية، من دون أن يتم الإبلاغ عن عوارض جانبية لا يمكن اعتبارها ضمن الإطار المتوقع المرافق لأيّ لقاح، سواء كان لفيروس كورونا أو لغيره. 

في المحصّلة، يجب ألا يكون الحديث عن لقاح "فايزر - بيونتيك" في لبنان، وهو الدولة العاجزة عن إيجاد بديل محلّي لأتفه حاجاتها، خاضعاً لحسابات سياسية وقيود عقائدية ورغبات أيديولوجية. والمخاوف المشروعة عند أي استحقاق يجب ألا تقاوم الواقع والحقيقة والعلم، وخاصة عندما يتعلّق الأمر بوباء يمعن في هذه البلاد الهشّة استنزافاً، ويساهم في تعميق أزماتها ودفعها نحو القاع الذي تنهار سريعاً تجاهه.
 
*طالب طبّ في جامعة بيروت العربية
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم