الجمعة - 02 كانون الأول 2022
بيروت 21 °

إعلان

جولة بن سلمان الآسيوية... ماذا تريد السعودية؟

المصدر: "النهار"
د. خالد محمد باطرفي
الأمير محمد بن سلمان.
الأمير محمد بن سلمان.
A+ A-
عندما قام الملك فيصل بن عبد العزيز بجولاته الآسيوية والأفريقية بعد حريق المسجد الأقصى في العام 1969، وأعلن دعوته الصريحة إلى الجهاد في عيد الأضحى لتحرير القدس، خلال حفل استقبال رؤساء وفود بعثات الحج في مَشعر "مِنى"، تساءل المراقبون من العرب والأجانب: "ماذا تريد السعودية؟".
 
نظر البعض إلى دعوة الفيصل إلى التضامن الإسلامي بأنها إخراج للقضية الفلسطينية من تحت عباءة القومية العربية، ورأى فيها آخرون توسيعاً لدائرة المسؤوليّة تجاه قبلة المسلمين الأولى وثالث الحرمين الشريفين، لتشمل كلّ مسلم في أرجاء الأرض، حين كان المسلمون يعدّون وقتها 600 مليون نسمة، بمن فيهم الـ150 مليون عربيّ.
 
موقف القوى العظمى
أما قوى الغرب والشرق، فرأت في تأسيس رابطة العالم الإسلامي (1962) للشعوب المسلمة، ومنظمة المؤتمر الإسلامي (1970) للدول المسلمة، والبنك الإسلامي للتنمية (1973)، والمنظمة الإسلامية للأمن الغذائي (2016)، مع قيادة بلاد الحرمين لهذه المنظمات، خطراً يتجاوز بمراحل قيام حركة عدم الانحياز، التي تشمل دولاً أكثرها منحاز إلى الأقطاب الدوليّة، ولا يربطها دين ولا ثقافة ولا هدف محدّد، وتفتقد إلى قيادةٍ وتمويلٍ، وخطة عمل تنفّذها منظّمات متفرّعة، وآليات حركة وفعاليات ومناشط مستدامة.
 
وبالرّغم من المحاربة والتحدّيات، وبالرّغم من الخلافات وتعدّد الانتماءات والأجندات، استطاعت المنظّمات الإسلاميّة أن تواصل مسيرتها ستين عاماً، وحقّقت خلال تلك العقود إنجازات تنمويّة وسياسيّة واقتصاديّة عديدة. وشكّلت أكبر منظّمة أمميّة بعد الأمم المتحدة، على مساحة قاريّة لا تغيب عنها الشّمس، وتضمّ 57 دولة، إضافة إلى دول بصفة مراقب، لديها أقلّيات مسلمة وازنة هي: روسيا، تايلندا، أفريقيا الوسطى، البوسنة والهرسك، وقبرص الشماليّة.
 
ولعلّ المنظّمات في هذه المرحلة التي تشهد عودة الأقطاب الدوليّة، تجدّد نفسها، وتنشط فعالياتها، وتضاعف جهودها لتواكب المستجدات، وتسارع الخطط لاستكمال تحقيق أهدافها، وعلى رأسها تشكيل سوق إسلاميّة، وقوات حفظ سلام، وجيش موحّد مماثل للتحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب.
 
 
الجولات السلمانيّة
وفي العقد الماضي، قام الملك سلمان بن عبدالعزيز، منذ كان ولياً للعهد، بجولات آسيوية واسعة، شملت باكستان وإندونيسيا وماليزيا واليابان وكوريا والصين والهند وأوستراليا وروسيا وتركيا.
واليوم، يتحرّك وليّ العهد السعودي، رئيس مجلس الوزراء، الأمير محمد بن سلمان، على نفس الطريق التي سلكها ملوك السعودية، منذ دعوة الملك المؤسّس عبد العزيز إلى مؤتمر قمّة إسلاميّ في مكة المكرمة في العام 1928، ومشاركته في تأسيس الجامعة العربية في العام 1945.
 
فبعد جولاته الخليجيّة والعربيّة والشرق أوسطيّة، وفي شمال أفريقيا؛ وبعد زياراته لعواصم أوروبية وأميركيّة شمالية وجنوبيّة، يتوجّه الأمير محمد بن سلمان إلى بالي (إندونيسا) ليترأس وفد بلاده في قمّة العشرين، التي تضمّ أكبر عشرين اقتصاداً في العالم. ثمّ يشارك كضيف شرف في قمة بانكوك (تايلند) لزعماء دول مجموعة التعاون الاقتصادي في آسيا والمحيط الهادئ. ويستجيب بعدها لدعوات دول آسيويّة أخرى، أعلنت بعضها، كالهند وكوريا الجنوبية، عنها، ويُنتظر إعلان أخرى.
 
الأجندة السعودية
والسؤال الذي يعاود المتابعون للشأن السعودي طرحه: "ماذا تريد السعودية؟". والإجابة في تصوّري لا تختلف في خطوطها الرئيسيّة عن الإجابات السابقة لكلّ الأسئلة التي طُرحت منذ قيام المملكة العربية السعودية. فالرياض تنشد دوماً العمل الجماعيّ من خلال التحالفات والشراكات والمنظّمات الدوليّة.
 
فبعد أن أسهمت في جمع شمل العرب والمسلمين بطريقة مؤسّسية من خلال منصّات دائمة، شاركت في تأسيس مجلس التعاون الخليجيّ، وكيان الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن، ومجلس التعاون العربي - الأفريقي، والعربي - الأميركي الجنوبي، كما أسهمت في مبادرات تعاون استراتجية خليجية - أوروبية، وأخرى ثنائية مع دول عربية وإقليمية وعالمية، من الشرق الأوسط والصين وروسيا إلى الولايات المتحدة وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي. ولعلّ آخر تلك المبادرات مبادرة الشرق الأوسط الأخضر، التي أعلن عنها في مؤتمر المناخ بشرم الشيخ، الأسبوع الماضي.
 
بوصلة المصالح المتأرجحة
وفي السنوات الأخيرة، تحرّكت البوصلة السعوديّة تجاه دول لم تكن تربطها بها علاقات وثيقة، كتايلندا والفيليبين وفيتنام وسنغافورة ونيوزيلندا والبرازيل والأرجنتين وكوبا والمكسيك، وبقية دول أميركا الجنوبية والوسطى، إضافة إلى الجمهوريات الإسلامية في وسط آسيا، ودول شرق أوروبا؛ ونحو دول تسعى لتطوير علاقاتها بها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الكاملة، كالصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان وأوستراليا وتركيا ومصر واليونان وجنوب أفريقيا.
 
فالصين والهند أصبحتا أكبر مستوردي النفط السعودي، وأوروبا أكبر مستهلك للمنتجات البتروكيميائيّة، والدول العربية وتركيا واليونان وألبانيا أكبر أسواق الاستثمارات السعودية الجديدة، خاصّة بعد إنشاء صناديق استثماريّة ستة باثنين وثلاثين مليار دولار للاستثمار في ست دول عربية (مصر والعراق والأردن والسودان والبحرين وعمان).
 
دوافع وأهداف
والهدف من ذلك كلّه تنويع مساحات التعاون وتوزيعها على جميع القارات والأسواق الواعدة والصاعدة والآمنة، مع استمرار الاستثمار في الأسواق التقليدية الكبرى، كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإسبانيا، وإن بنسبة أقلّ تصاعداً.
 
ومثال ذلك أن الاستثمارات في الصين تشهد تزايداً مستمراً حتى بلغت المئة مليار دولار، فيما تشهد الاستثمارات مع أميركا، منذ سنوات، تباطؤاً في بعض الحالات وانحسار في أخرى، خاصّة لسندات الدين الحكومية. وعلى نفس النّسق تبدو حالة الميزان التجاري والتعاون في مجالات التصنيع العسكري والفضائي والطاقة المتجدّدة والنووية والذكاء الاصطناعيّ، التي باتت تميل أكثر باتجاه الصين وكوريا الجنوبية واليابان.
 
التوقيت والمناسبة
أما لماذا لم يتمّ ذلك في السابق، فالجواب عليه أنّه تمّ، ولكن ليس بنفس الحجم والزخم. فعلاقات السعودية التجارية والمالية مع دول العالم متشعّبة ومعقّدة، وتكاد لا توجد دولة صغيرة أو كبيرة في قارات العالم ليس لديها تعامل مع المملكة. وزيارة إلى أيّ سـوق خضار وفواكه مركزيّ، أو سوق جملة، أو هيبرماركت، في أيّ مدينة سعودية، ستطلعك على منتجات دول وجزرٍ لم تسمع بها من قبل. وفي موسم الحجّ والعمرة يحمل الآتون من شتّى بقاع الأرض بضائع وهدايا من الصناعات التقليدية لشعوبهم، قد لا تجدها إلا في بلدانهم.
 
لكن التحوّلات الجيوسياسيّة الدوليّة، ومعها ميزان الشراكات التجارية شرقاً وغرباً، والتجارب المريرة مع حلفاء تقليديين قرّروا تسييس الاقتصاد الحرّ، واستخدامه وسيلة للضغط وتحقيق المآرب والأجندات الخفيّة، دفع السعودية إلى دراسة واستكشاف البدائل المُتاحة، وتنشيط القنوات الهادئة، وتحريك المياه الراكدة، بحثاً عن المزيد من ضمانات الأمن الغذائيّ والدفاعيّ والماليّ أمام المهدّدات الإقليمية والعالمية.
 
لحظة السعودية
وساعد توافر المعطيات المادية والعزيمة القيادية والموارد البشرية في إعادة موازنة العلاقات الخارجية، وترتيب المصالح الاستراتيجية، وتوجيه عجلة التنمية.
 
والتنويع في هذه الحالة حاجة، والتنشيط احتياج، وإعادة الهيكلة والبرمجة ضرورة حتميّة. فالقائد الحكيم لا يستند إلى جدار واحد، والتاجر العاقل لا يحصر موارده وعملاءه في قائمة قصيرة، والمستثمر الحذر لا يضع البيض كلّه في سلّة واحدة!

@kbatarfi
 
أستاذ بجامعة الفيصل

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم