السبت - 04 كانون الأول 2021
بيروت 17 °

إعلان

الأمن التربوي في خطر والعدالة غائبة

عودة التلامذة إلى المدارس في بداية العام الدراسي (حسام شبارو).
عودة التلامذة إلى المدارس في بداية العام الدراسي (حسام شبارو).
A+ A-
محمود عيسى

مما لا شك فيه ولا ريب أن الأزمة الصحيّة المتمثلة بجائحة كورونا (Covid 19)، التي عصفت ببلدان العالم، خلّفت الكثير من الانعكاسات السلبية على قطاع التربية والتعليم؛ فاضطرت المدارس والثانويات إلى الإغلاق التامّ في معظم المرحلة السابقة، ما كشف وعرّى الكثير من المدارس والمؤسّسات التربوية لجهة حقيقة عملها وأسلوبها وطرائقها ووسائلها تحت المجهر، وبات بمقدور الجميع الاطلاع على كيفيّة ونوعيّة عملها.
وباتت ملاحظة ذلك والحكم عليه سهلاً؛ إذ بات بمقدور أولياء الأمور والمشرفين التربويّين والمعنيّين بهذا القطاع الحضور في هذه الصفوف، ومشاهدة طريقة العمل والتقييم، وأحياناً المشاركة فيها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وأصبح بمقدورهم متابعة الحصّة التعليميّة من كثب، وإصدار أحكام أكثر دقّة حيال كلّ حصّة وأداء كلّ معلّم ومؤسّسة، وهو ما لم يكن متاحًا بالمرونة نفسها قبل مرحلة التعليم من بعد.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذا التباين الواضح في نسبة العطاء والتعليم وجودته دفع بقسمٍ كبير منها إلى الدخول في سباق لتخطّي المعوقات التي اعترضت العملية التعلّمية هذه، بغية الحفاظ على استمرارية وجودة الأهداف التعلّميّة، وكذلك محاولة رفع النواتج التعليميّة عند المتعلّمين، من خلال مواكبة التحوّل الرقمي، والذهاب نحو الحوكمة الرقميّة قدر المستطاع، بالرغم من التحدّيات الكثيرة التي ما فتئت تعترض طريقهم كلّ حين، خصوصاً تلك التي تتعلّق بعدم توافر محتوى رقميّ ملائم للمناهج.
عدا عن التفاوت الكبير بين مؤسّسة تربوية وأخرى لجهة توافر الأدوات التعليميّة التي تعتمد في عملية التعليم من بعد أو ندرتها وربما انعدامها.
مع التأكيد على أن بعضها -كما تمّت الملاحظة- عمل بشكل جديّ على تحويل التعليم من تعليم إلكتروني من بعد إلى تعليم إلكترونيّ تفاعليّ من بعد، حيث عمل جاهداً على إعادة تفعيل دور المتعلّم وجعله محور العملية التعلمية، وحرص على المضي قدماً في العمل على بناء متعلّم مواكب للتطور الطارئ، وأن يكون متمكّنًا ومكتسبًا لمهارات القرن الحادي والعشرين.
 
لذلك كان لا بدّ من أن يترافق الجهد الإداري والتعليمي مع تدريب وعمل جديّ حثيث للتكيف مع أيّة متغيّرات قد تطرأ في مرحلة لاحقة، خصوصًا بعدما تمّ بشكل تلقائي، وغير مقصود، فرز المؤسسات التربوية إلى قسمين - بعدما خلطت هذه الظروف الأوراق -:

مؤسسات تربوية رائدة وناجحة ظهر بريقها واضحاً كعين الشمس، ومدارس متعثرة بدأت التفكير جدياً في إنهاء مسيرتها والإغلاق متذرعة بالأسباب الاقتصادية ظاهرياً، بالرغم من وجود أسباب خفيّة لم تفصح عنها، تتمثل بانعدام أو ضعف قدرتها على المواكبة والمنافسة، في ظلّ القفزة النوعية لمؤسسات تربوية أخرى كانت رائدة ومتميّزة في هذا المجال.

أمّا الأدلة على عدم مصداقية الذرائع التي قدّمتها المؤسسات التربوية المقصّرة فكثيرة، يأتي في طليعتها أن كلّ أو معظم هذه المدارس عادت وفتحت أبوابها عند مجرّد العودة إلى التعليم الحضوري، بالرغم من اشتداد الأزمة الاقتصادية وتردّي الأوضاع المادية والاجتماعية للأهالي والأساتذة على حدّ سواء. زد على ذلك تدنّي قيمة الأقساط بالتزامن مع ارتفاع سعر صرف الدولار؛ لكنّ بالرغم من ذلك طالعتنا هذه المؤسسات باضمحلال معاناتها المادية بمجرّد العودة إلى التعليم حضوريًّا.

بعد الشهرين تقريبًا من انطلاق العام الدراسي 2021/2022، بدأت تتّضح، وتظهر إلى العلن، مشكلة خطيرة، تتعلّق بالأمن التربوي – التعليمي، والتي سبّبتها إعادة ولادة الطبقيّة في التعليم، وقد ساهم في ذلك العديد من العوامل أبرزها:

- الفروق والتباين الكبير في القدرات التشغيليّة بين المدارس بسبب التفاوت الكبير في الأقساط بين مؤسّسة وأخرى.

- ابتعاد الدولة عن احتضان المدارس والثانويات الرسمية؛ ما أدّى إلى إعادة رسم هوّة كبيرة بين القطاعين الرسمي والخاص؛ بعدما كان عمل القطاع التربويّ جاهدًا سابقًا على ردم هذه الهوّة خلال السنوات الأخيرة قبل الأزمة.

- هجرة العديد من المعلّمين من أصحاب الكفاءات في القطاع العام عن طريق تقديم طلبات استيداع. وهذه الهجرة لم تسلم منها أيضًا المدارس الخاصّة التي لم تستطع زيادة رواتب موظفيها بشكل ملائم نتيجة التضخم وغلاء المعيشة.

كلّ هذه العوامل وغيرها أثّرت بشكل سلبيّ كبير على تحقيق العدالة والمساواة في التعليم (Equity)؛ لأننا عندما نتحدّث عن العدالة والمساواة في التعليم لا نعني تأمين مقعد دراسي للمتعلم فقط، بل نهدف إلى حصول جميع المتعلّمين على الجودة نفسها في التعليم.

بناء على ما تقدّم، ندعو - حفاظًا على الأمن التربوي التعليمي القائم بشكل أساس على حقّ جميع المتعلّمين بالتعلّم بجودة عالية - إلى النظر نظرة جدّيّة فاحصة في هذه العوامل، ومعالجتها قبل فوات الأوان، لأننا نعلم جيّدًا أنه إذا أردت أن تهدم وطنًا فما عليك إلا تدمير التربية عن طريق ضرب الأمن التعليمي.

يتوجّب أيضًا العمل جديًّا على إعادة الاستقرار إلى البيئة التربوية-التعلّيمية، وإعادة النظر في وضع المعلم أوّلًا وآخرًا لأنه عماد قيامة العملية التعلميّة ونهوضها واستقرارها، إضافة إلى تأمين البيئة التعليمية المناسبة للمدارس والثانويات الرسمية ومساعدة المدارس الخاصة- التي تقدّم جودة في التعليم بأقساط مقبول- عبر تأمين مقوّمات الصمود لها؛ فكلّنا نعلم أن القطاع التربوي في لبنان لا يمكن أن يقوم إلا بجناحيه الرسمي والخاص؛ ولا يمكنه التميّز إلا بتميّز الاثنين معًا.


*مُدرب وباحث تربوي
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم