الإثنين - 26 أيلول 2022
بيروت 26 °

إعلان

التغيير بين اقتحام المصارف وزيارات أركان السلطة

المصدر: "النهار"
إجراءات أمنية أمام المصارف (حسن عسل).
إجراءات أمنية أمام المصارف (حسن عسل).
A+ A-
غسان صليبي
 
بفارق يوم واحد، شهدنا حدثين يصبوان الى إحداث تغيير في الواقع المزري، لكنهما يستخدمان وسائل متناقضة: من جهة "نواب قوى التغيير" يزورون الكتل النيابيّة من أجل عرض مبادرتهم الرئاسية، ومن جهة ثانية المودعة سالي حافظ تقتحم أحد المصارف وتستعيد مدخراتها من خلال التهديد باستخدام القوّة.
 
المشهد في مجمله يطرح إشكاليّة العلاقة بين الوسائل والأهداف في سياق العمل من أجل التغيير في لبنان. وفي هذا الإطار أعرض الملاحظات الآتية:
 
1- سالي حافظ ناشطة في إطار انتفاضة 17 تشرين، "ونواب قوى التغيير" كانوا ناشطين في هذه الانتفاضة، وانتُخِبوا على هذا الأساس. انتفاضة 17 تشرين لم تميّز بين مصارف وسلطة، واعتبرتهما متواطئَين في سرقة أموال المودعين. كما ان النزعة الغالبة في اوساط الناشطين في الانتفاضة، وقد ازدادت ترسّخا اليوم، هي ضرورة اقتحام بيوت المسؤولين الذين يواصلون قهر شعبهم رغم تفاقم المآسي. على ضوء ذلك يمكن فهم ردود فعل الرأي العام على ما قامت به سالي حافظ وما يقوم به "نواب قوى التغيير".
 
2- صحيح أن مبادرة نواب التغيير الرئاسية لا تقتصر على زيارة الكتل النيابية بل تنص على تحرّكات شعبيّة ضاغطة أيضًا، إلاّ ان ردود فعل "الرأي العام المعارض للسلطة" كانت سلبيّة جدًّا تجاههم وإيجابيّة جدًّا تجاه سالي حافظ. هذا لا يعني ان "الرأي العام المعارض للسلطة" بات مستعدًّا للنزول الى الشارع من جديد والتخلّي عن حالة الاستسلام الحاليّة، أو اصبح أكثر ميلا لاستخدام العنف. لكنّ موقفه يؤشر الى مزاج شعبي ما، على "نواب قوى التغيير" تفهّمه والتفاعل معه.
 
3- زيارات "نواب قوى التغيير" للكتل النيابيّة، من موقعهم كنواب، يمكن النظر اليها كممارسة طبيعيّة في إطار عمل المؤسسات الدستوريّة، وتشاور مختلف الكتل في شأن القضايا المشتركة، ومنها حاليًّا مسألة انتخاب رئاسة الجمهوريّة. كما إنه لا يمكن اعتبار هذه الزيارة خضوعا لمشيئة هذه الكتل او مهادنة لها، وقد عبّر بعض نواب التغيير عن موقفه النقدي تجاه هذه الكتل على أبواب مراكزها، ومن بينها كتلة "حزب الله". لكن السؤال يبقى حول الفائدة من هذه الزيارات. فإذا كان نواب التغيير يتّهمون بعض هذه الكتل بسرقة اموال الناس وبتطبيق سياسات اقتصاديّة وماليّة أفقرت شعبها وقضت على مقوّمات العيش، فهل يتوخوّن من خلال هذه الزيارات إقناعهم برد الأموال المنهوبة او بتغيير سياساتهم؟ أو إذا كانوا يتّهمون بعض الكتل النيابيّة بالتبعيّة المطلقة للخارج، فهل يتوقّعون من هذه الزيارات إقناع هذه الكتل بالتخلّي عن تبعيتها، وبالتالي ضرورة لبننة الاستحقاق الرئاسي كما يطالبون؟ أو إذا كانوا يدركون تمامًا، أن الاصطفافات السياسيّة قائمة على مصالح مذهبيّة وماليّة وإقليميّة، فهل يتوقّعون إقناع هذه الكتل بأهميّة انتخاب رئيس من خارج الاصطفافات كما نصّت عليه مبادرتهم؟
 
المشكلة لا تقتصر على جدوى أو عدم جدوى هذه الزيارات بل على انعكاسها على موازين القوى بين "قوى السلطة" و "قوى المعارضة". موازين القوى ليست فقط ماديّة بل هي رمزيّة أيضًا. فـ"نواب قوى التغيير" هم الذين يزورون الآخرين وليس العكس، وكان في إمكانهم طلب اللقاء بهم في حرم المجلس النيابي وليس في مكاتبهم او منازلهم. وقد أفاد جبران باسيل مثلاً من هذه الرمزيّة، ورتّب كراسي الاجتماع بحيث يبدو هو مترئّسًا لهم ومتعاليًا عليهم، هم الذين لم يتوقّفوا عن شتمه ابان الإنتفاضة. قد لا يأبه "نواب التغيير" لهذه العراضة الباسيلية أو لعراضات اشباهه، لكن ذلك يؤثّر حتمًا في نظرة الرأي العام الى "طبيعة الصراع" بين الفريقين: هل هو بسيط وعلى قضايا هامشيّة، كما توحي الزيارات، أم هو جذري يطال مصير شعب ووطن؟ أخطر ما في هذه الزيارات هي انها تطال هذه النظرة الى "طبيعة الصراع" وربما تؤدّي الى تسخيفه.
 
ألم يكن الأجدى في ظروف كهذه، ان يبدأ "نواب قوى التغيير" مبادرتهم، بلقاءات مع قوى 17 تشرين، تماما كما نصت عليه مبادرتهم، ومن ثم تنظيم تحرّك شعبي يعلنون فيه موقفهم وخصوصيتهم في ما يتعلّق بالانتخابات الرئاسيّة، مرفقًا بموقف دستوري واضح من تجاذبات تشكيل الحكومة والتهديد بالفراغ الرئاسي؟ بعد ذلك وبعد ذلك فقط، يمكن الاجتماع بالكتل النيابيّة الأخرى، كخطوة تفاوضيّة مع حلفاء أو مع خصوم.
 
4- ما يهمّني أكثر في هذا المقال هو ملاحظة التباين في الوسائل التي استخدمتها سالي حافظ ورفاقها والوسائل التي يلجأ اليها حتى الآن "نواب قوى التغيير" في محاولتهم للدفع من أجل لبننة حدث انتخاب رئيس للجمهوريّة يكون فوق الاصطفافات أو من خارجها. ما قامت به سالي حافظ عمل شبه فردي بمرافقة بعض المودعين، يستخدم التهديد بالعنف، ويطال المصارف. ما يقوم به "نواب قوى التغيير" عمل نيابي في إطار المؤسسات الدستوريّة، يستخدم الحوار ويطال القوى السياسيّة. أميل الى الإعتقاد ان حركة التغيير تحتاج الى وسائل توفِّق بين النوعين وتتجاوزهما في آن واحد:
 
- وسائل جماعيّة شعبيّة.
- وسائل ضغط جماعية لا تنزع نحو العنف كما انها لا تكتفي بالحوار، بل تأخذ خيار المواجهة ولو بوجه العنف.
- وسائل شعبيّة جماعيّة ضاغطة لا تركز على المصارف فقط وتحيّد السلطة كصاحبة القرار في تعديل ومراقبة سياسات المصارف من جهة وفي تأمين انتخابات رئاسيّة دستوريّة مستقلّة عن التأثيرات الخارجيّة من جهة ثانية. كلّما تراجعت الضغوط الجماعية الشعبيّة السلميّة، كثرت الأعمال الفرديّة العنيفة. وكلما تكاثرت هذه الأخيرة، استدعى ذلك قمعا أمنيا للأعمال الفرديّة، وبقيت السلطة السياسيّة في منأى من المساءلة.
 
-5 أعرف ان المشهد العام أكثر تعقيدًا مما يمكن ان توحيه هذه السطور. ففي اليوم نفسه الذي اقتحمت فيه سالي حافظ المصرف جرى تأجيل جلسة المجلس النيابي لمناقشة وإقرار موازنة 2022، بسبب مقاطعة "مسيحيّة"، حيث ان أكثرية القوى المسيحيّة كانت منشغلة بإحياء ذكرى اغتيال الرئيس بشير الجميل، التي هدّد خلالها النائب سامي الجميل باللجوء الى "الطلاق" الوطني إذا بقي "حزب الله" مهيمنًا على البلاد والعباد. ترافق هذا الموقف "الطائفي" مع صدامات عائليّة مسلّحة في البقاع وعكار، ذهب ضحيّتها عدد من المواطنين. كل هذا التفكّك المجتمعي يتعاظم، فيما تأليف الحكومة معطّل وملامح الفراغ الرئاسي تطل برأسها دون خجل.
 
كذلك يتم اقتحام المصارف وتنعقد اللقاءات وتُنظّم الزيارات من أجل الإنتخابات الرئاسيّة فيما المعركة الحقيقيّة الملحة تجري في مكان آخر: فالحكومة أنجزت "خطّة التعافي" التي ستناقش وتقر في المجلس النيابي في موازاة مناقشة وإقرار موازنة 2022. الحركات الشعبيّة والسياسيّة والنيابيّة والنقابيّة تكتفي بالتحذير من العواقب، بدون طرح مشاريع بديلة وبدون تنظيم تحرّكات ضاغطة فعلية ومتواصلة.
*****
لا يكتمل المشهد هذا الأسبوع من دون ان نلحظ "انتفاضة الجسد" التي عبّرت عنها بالموسيقى والرقص، فرقة "ميّاس" اللبنانية التي أحرزت المرتبة الأولى في برنامج America’s Got Talent العالميّة. لكأن الجسد المقهور، المحاصر بالجوع والمرض والقلق وانسداد الافق، لم يعد يطيق انتظار الأفكار والمشاريع، فراح ينتفض، مبتكرا الجمال والفرح. ألم تتحرّك سالي حافظ أيضًا وتخاطر بحياتها لأن جسد اختها عليل ويطالب بحقه في العلاج؟ ألم تنتفض منذ اسابيع قليلة أجساد شبّان منتخب لبنان في كرة السلة وتحرز الإنتصارات؟
 
صرّح مصمم رقصات فرقة "ميّاس" نديم شرفان، متوجها الى اركان السلطة: "خربتوا البلد، خللونا نعمل شغلنا". في هذا التصريح يتواجه مجتمع يحاول ان يعيش ويبدع، وسلطة تمنعه من القيام بذلك. من المفيد تقصي هذه المبادرات المدنية التي تقوم على ارض الوطن، رغم إهمال الدولة وعراقيلها، فربما استطعنا تلمس مسالك ومقاربات جديدة للتغيير.
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم