الأربعاء - 24 شباط 2021
بيروت 16 °

إعلان

هل حان موعد إعلان موت "فايسبوك"؟

المصدر: النهار
فايسبوك. (تعبيرية)
فايسبوك. (تعبيرية)
A+ A-
نايلة صليبي
 
احتفل "فايسبوك" في بداية شهر شباط، بذكرى إطلاقه السابعة عشرة. فقد أطلق مارك زوكيربرغ في الرابع من شباط 2004 موقع thefacebook.com، وهو طالب في جامعة "هارفارد"، وكان الموقع مقتصراً على طلّاب الجامعات الكبرى والمدارس، لربط بعضهم ببعض.
 
في عيده السابع عشر: هل يمكن إعلان موت منصّة "فايسبوك" رسمياً؟
 
بدأت منصّة "فايسبوك" كدليل تسلية من غرفة نوم مارك زوكيربرغ في جامعة "هارفرد"، لتصبح الشركة العملاقة التي تؤثر على حياة ومستقبل الملايين من الأفراد والمؤسسات وكذلك الدول.
 
لكي تكون مفيدة، تتطلب المنصّات الاجتماعية التفاعلات عن طريق المحادثة المتعددة الجوانب بين شخصين على الأقلّ.
 
لكن منصّة "فايسبوك" لم تشجع التفاعلات المجتمعية والحوار المفتوح فحسب، بل تطوّرت لتصبح منبراً يُعلن الناس فيه عن آرائهم المنحازة والمتطرّفة التي لا تتغيّر، ما يشكّل حلقة من دورات مفرغة. لا نقاش، لا محادثة، ولا تطور في التواصل الإنساني. فباتت منصّة "فايسبوك" منصّة تآكل للأمل والقضاء على التواصل والربط.
 
كثيرون اليوم تركوا "فايسبوك" وأخواته، كما فعلتُ شخصياً منذ سنوات. كثيرون بات لديهم، مثلي، نفور قويّ من أيّ شيء ينتهك خصوصيّتهم الشخصية، والتعرّض للتتبع والترصّد من أجل حفنة من الإعلانات وغيرها؛ وخاصة بعد مشاهدة الوثائقي “The Social Dilemma” والوثائقي الآخر عن فضيحة كامبريدج أناليتيكا “The
Great Hack”.
 
 

إلى أين يذهب "فايسبوك"؟
بعد 17 عاماً يصل عدد مستخدمي "فايسبوك" إلى 2.80 مليار مشترك في العالم، ونحو 38 مليون مستخدم فاعل شهرياً. ولكن تحت راية التشبيك الاجتماعي ينتهك موقع "فايسبوك" قواعد أخلاقية عديدة، وبالطبع نحن شركاؤه!
كانت منصّة "فايسبوك" لأكثر من عقد بمثابة أداة الربط والتواصل الرئيسية للعائلة والأصدقاء. استُخدِمت المنصّة لإعادة الاتصال مع الأصدقاء والأسرة وزملاء الدراسة، كان المستخدمون قد فقدوا الاتصال بهم.
عام 2010، استخدم جيل الألفية والأعضاء الأكبر سناً من الجيل Z منصّة "فايسبوك" لنشر المحتوى على جدران أصدقائهم، وتحديث "ستاتوس" يومي، أو نشر الصور المختلفة مع وسم أصدقائهم وعائلاتهم. 
وباتوا اليوم ينشرون القليل من المحتوى للمناسبات الخاصّة أو الإعلانات.
لقد تغيّر دور "فايسبوك" منصةً للتواصل الاجتماعي. وبات دوره معدوماً لدى جيل الـZ أو generation Z، الجيل الذي يلي جيل الألفية generation Y، وهم مواليد ما بين عامي 1997 و2010. 
 
هذا الجيل لا يهتم بـ"فايسبوك"، ويستخدم "تيك توك" و"سنابشات"، وربما يستخدم البعض "إنستغرام". وهو لا يريد أن يُتعَقب وأن يُرصَد؛ يخشى من التنمّر عبر الإنترنت ومن خطاب الكراهية، ولا يحبّ الإعلانات. يطالب بالتطبيقات المشفّرة بشكل كامل. والأهمّ أنه لا يرغب باستخدام المنصّات الاجتماعية نفسها، التي يستخدمها آباؤهم وأمّهاتهم وعمّاتهم وأعمامهم وجدّاتهم.
المراهقون الذين تتراوح أعمارهم ما بين 14 و16 عاماً، هم مواطنون رقميون يمتازون بدرجة عالية من الذكاء الثقافي. يرفضون انتهاك خصوصيّتهم الشخصية، وكذلك يرفضون خطابات الكراهية وهراء الخطابات السياسية في بلادهم، وليس لدى أيّ منهم حساب على منصّة "فايسبوك".
فحسب مؤسسة الأبحاثEdison Research ، عدد المستخدمين الحاليين لـ "فايسبوك" مستمرّ في الانخفاض. 
 
فهذا الغول العملاق الذي يحتكر ساحة المنصّات الاجتماعية، يواجه عدّة تحديات للبقاء على قيد الحياة، عليه تجاوزها في السنوات المقبلة.
 
جيل الألفية مستعدّ للتخلي عن "فايسبوك"
كثيرون اليوم يعدّون منصّة "فايسبوك" آلة لنشر الكراهية، والمكان الذي ينتشر فيه المحتوى السلبي بشكل أكبر من المحتوى الإيجابي، ما يزيد شعور جيل الألفية الواعي بالقلق. فهم اليوم أكبر سنّاً، ولا يحبّذون المشاجرات والمناقشات العنيفة، ولا يرغبون بالتلاعب بمزاجهم. والأهمّ ليس لديهم خمسون دقيقة لتضييعها كلّ يوم على منصّة "فايسبوك".
فهم لا يحتاجون إلى المنصّات الاجتماعية ليكونوا اجتماعيين. وفي ذاكرتهم تبقى الصداقة راسخة في الواقع لا افتراضياً. ومن ثم، فإنّ جائحة كورونا المستجدّة غيّرت الكثير من الأولويات. وبمجرّد كبح هذه الجائحة، أتوقّع من جيل الألفية العودة لبناء علاقات حقيقية بدلاً من العلاقات الافتراضية، بالرغم من أنّ الجائحة قد ساعدت "فايسبوك" و"واتساب" في تحقيق أعلى نسبة استخدام عام 2020.

المنصّات الاجتماعية مكان مبنيّ على الأكاذيب
المنصّات الاجتماعية هي اليوم مكان مبنيّ على الأكاذيب، رغم عملها على "فرض الرقابة" على المعلومات الخطأ. لذا نرى في الولايات المتحدة، مثلاً، المجموعات من اليمين المتطرّف والداعين للتفوّق العرقي الأبيض، يتخلّون عن "فايسبوك" ويتوجّهون لمنصّة Parler، التي عادت لتظهر على الإنترنت بمساعدة شركة روسية غامضة، من خلال استخدام عنوان IP DDos-Guard، وذلك بعدما تمنّعت شركة أمازون من توطين المنصّة على خوادمها.
كذلك الأمر بشأن المجموعات اليسارية المتطرفة؛ فهم يتخلّون بدورهم عن منصّة "فايسبوك" للانغلاق في منصّات اجتماعية خاصّة بهم، في غرف الصدى المغلقة لأفكارهم المتطرّفة. 
 
ماذا يخبّئ المستقبل لمنصّة "فايسبوك"؟
هل يمكن إعلان موت منصّة "فايسبوك" رسمياً لدى جيل الشباب من المستهلكين الرقميين؟ ربما لا. 
 
تجري منصّة "فايسبوك" بشكل مستمر أبحاثاً على الجيل Z، لاكتشاف كيفية إيجاد آلية للتواصل بشكل فاعل مع سوق أصغر سنّاً. 
تتميّز كذلك منصّة "فايسبوك" عن المنصّات الاجتماعية الأخرى، من خلال أدوات المحادثات الجماعية وتنظيم الأحداث وعمليات البحث عن المعلومات، وهي أدوات لا تقترحها تطبيقات شعبية لدى المراهقين على سبيل المثال "تيك توك" و"إنستغرام". 
 
الذين يحلمون بمنصّة تقضي على "فايسبوك"، لا يمكنهم النجاح والاستمرار بالاعتماد فقط على مشاركة الفيديو أو ميزات مشاركة الصور. عليهم تطوير منصّة قادرة على تقديم هذا الكمّ من الخدمات، مع نموذج اقتصادي يحفظ خصوصية المستخدمين، والأهمّ اقتراح خدمات مجّانية.
 
يعود الأمر إلى "فايسبوك" لتخصيص مواردها عبر تطوير أفكار جديدة تزيد من تميّزها عن المنافسة، وتغيير نموذجها الاقتصادي المعتمد على اقتصاد الانتباه وحصد البيانات، لجعلها أكثر جاذبية للجمهور الأصغر سنّاً.
 
لا يزال دفن منصّة "فايسبوك" بعيداً، لكنّ المراهقين على المنصّة يتقلصون، ونموّ المنصّة بطيء مقارنة بالسنوات السابقة.
 
كذلك تواجه شركة "فايسبوك" حالياً سلسلة من الشكاوى المقدمة من لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية ومن 46 ولاية أميركية ضد الاحتكار، بحجة أنّ شركة "فايسبوك" تستخدم استراتيجية "الشراء أو الدفن" لاقتناص المنافسين والتضييق على المنافسين الصغار.
 
ماذا يخبِئ المستقبل لمنصّة "فايسبوك"؟ هل ستبقى تلك المنصّة مهيمنةً على العالم؟ هل سيتمكن المشرّعون من ضبط نهَم مارك زوكيربرغ والمساهمين في شركته، لحماية بيانات المستخدمين وخصوصيتهم؟ ووقف اعتذاره الدائم دون نتائج؟! هل سيعمل مارك زوكيربرغ على احترام تعهداته أم يبقى على فعل بما لا يقول؛ كما هي حال وعوده بالحفاظ على بيانات المستخدمين وعدم دمج منصّات الدردشة؟ هل سينتهي الأمر بإجباره على الرضوخ لحماية بيانات المستخدمين والمزيد من الشفافية من خلال عقوبات ماليّة موجعة؟
 
تذكرون منصّة My Space . كانت من أكبر المنصّات الاجتماعية في العالم قبل "فايسبوك"، وقد علّمتنا درساً أنّ "أيّ عملاق يمكن أن ينهار بين عشيّة وضحاها".
 
*خبيرة تكنولوجيا
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم