الخميس - 26 تشرين الثاني 2020
بيروت 19 °

إعلان

لذّة التّعليم الضّائعة في زوايا الشّاشة

التعليم في زمن كورونا (تعبيرية- "أ ف ب").
التعليم في زمن كورونا (تعبيرية- "أ ف ب").
A+ A-
الدكتور جويل رمزي فضّول

ينامُ الجميعُ هانئًا في سريره، ويبقى سِراج ذاك الضّوء مُشتعلًا وإن بخجل، في شوارِع المدن والضّيع حتّى آخر ساعات اللّيل. فإذا بالعينين تدمَعان ألمًا وتعبًا وتكادان تنطَفئان رازحتين أمام مشقّة التّحضير وقهرِ الظّروف، فتستسلمان للنّوم بعد مُعاناة على مدار السّاعات والسّاعات. نعم، هذه هي حياةُ المعلّم المسؤول في أيّامنا هذه، وكيف به إن كان يعيشُ في وطن مُثقلٍ بالهموم، في وطن يتناتشه المُتحاصصون يومًا بعد يوم؟!

هكذا تحوّلت حياة المعلّم إلى معركة، وحياة الأهل إلى كابوس. فالطّرفان همّهما الأوحد تأمين العلم لأولادهم، الطّرفان يُنازِعان ويُواجهان بعزم وثقة وإيمان كلّ هذه الظّروف، لأنّ في أعماقهما ترجيع صوتٍ يُردّد "سلاحكم العلم!". أمّا المسؤولون فغائبون، كلّ ينادي على ليلاه، لا يصدرون سوى القرارات من دون أيّ درجة من التّنسيق! فتبدأ التّحضيرات والتّنظيمات على هذا الأساس، ليعود ويتغيّر بعد أيّام لا بل بعد ساعات. لا وألف لا، ما عادَ التّعليمُ لذّة بل أصبح مشقّة ولا سيّما أنّنا في بلدٍ شبكةُ الانترنت فيه معدومة، وساعات التّقنين لا محدودة، فعن أيّ تعليم يتحدّثون؟! عن تعليم ينكبّ فيه الأهل والأساتذة على شراء ما يلزم لأولادهم، يُحاولون تجهزيهم بأكبر قدر ممكن من الوسائل التّكنولوجيّة، وفي المقابل لا يزال التّلميذ غير قادِر على مُتابعة كلّ الأمور، ولا يزال المعلّم يدفع ثمن رداءة شبكة الاتّصالات. يأخذون بلدان الغرب كنموذج! نحن مع ذلك! ولكن كيف بِنا أن نُطبّق كل ذلك وأعمدة التّعليم في لبنان مُتزعزعة، بينما يتواجد فريق كبير في البلد مُثقّف وموهوب، مُتعلِّم ومسؤول بإمكانه أن يُعيدَ ولو بجزء بسيط الحياة إلى هذا القطاع؟!

المرحلة دقيقة جدًّا، نكادُ نُربّي جيلًا يفقد شيئًا فشيئًا عزيمته، نكادُ نُربّي جيلًا يُطفئ كاميرته كيلا تراه بينما تشرح لينام ويأكل، نكادُ نُربّي جيلًا يُخفض مستوى صوتِك كيلا يسمعك، نكادُ نُربّي جيلًا يتحدّى نفسه إلّا أنّه يكادُ يخسَر صحّته! ونحنُ قابِعون في أماكننا، نُحاوِل الاستفادة من كلّ ما نمرّ به، إلّا أنّنا وللأسف نعيشُ في وطن مسؤولوه غير مسؤولين، نُصارِع وحدنا، نُخطّط وحدنا، نُحاولُ القيام بأفضل ما يُمكننا ولكن! واأسفاه!

باختصار، ضاعت لذّة التّعليم في زوايا الشّاشات، وجفّ الحبر من الأقلام. كلّ ينادي على ليلاه، بينما الأستاذ لا يزالُ يُنازع! يرى في الآفاق المظلمة بصيص نور، يحاول أن يلتقطه إلّا أنّه يبتعد أكثر فأكثر، فيعود ليفرش على طاولته عدّته اليوميّة، مُبلّغًا عائلاته بضرورة التزام الصّمت وعدم إصدار أيّ ضجيج لأنّه أصبح تحت المجهر، خصوصًا أنّ آذان الجميع موجّهة نحوه، حتّى جيرانه وجيران تلاميذه يُتابعون حصصه. باللّه عليكم، ما هي هذه الحياة الّتي فُرضت علينا جميعًا! فالجميع يدفع الثّمن، الجميع أعصابه مشدودة، الجميع يكاد ينهار... باللّه عليكم!
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم