الخميس - 22 تشرين الأول 2020
بيروت 27 °

إعلان

منطقة مار مخايل تنتفض على "تفاهم مار مخايل"

المصدر: "النهار"
ركام مار مخايل ("النهار").
ركام مار مخايل ("النهار").
A+ A-
غسان صليبي

لا يزال شعار "كلن يعني كلن" هو الغالب في اوساط مجموعات الانتفاضة. لكن بعد حكومة دياب، وخاصة بعد انفجار المرفأ، بدأ اثنان يتمايزان عن الباقين في "كلن يعني كلن". ففي جميع الطوائف، بإستثناء الطائفة الشيعية، تصاعد الغضب وعلت النقمة على "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" تحديدا. وبدا ذلك واضحا في تظاهرات ما بعد ٤ آب، وخاصة في تظاهرة ١٢ ايلول إلى قصر بعبدا.

إذا "كلن يعني كلن" يتحملون معا مسؤولية الانهيار، فإن القرار السياسي الفعلي يتركز اليوم أكثر فأكثر بيد "حزب الله" و"التيار الوطني الحر". وقد بات ذلك واضحا في تأليف الحكومات، وتعطيل التعيينات القضائية، ورفض الانتخابات المبكرة، وعرقلة قرارات ذات علاقة بتحقيقات انفجار المرفأ، واستخدام المساعدات لأغراض شخصية، والتصدي بالقوة للتظاهرات الشعبية، وفي غيرها من المسائل.

الشخصيتان الاكثر تعرضا للنقد اليوم في اوساط الرأي العام، هما الرئيس عون والسيد نصرالله. وقد تركزت عليهما تهمة التسبب بانفجار المرفأ اكثر من غيرهما. فطالبت التظاهرة الاخيرة الى بعبدا برحيل "فخامة القاتل"، وجرت تسمية نصرالله بـ"الامونيوم العام لحزب الله". فبالنسبة إلى معظم الرأي العام تقع المسؤولية الامنية في انفجار المرفأ على هذين الشخصين، فهما من يتحكمان بالمسار الامني في البلاد أكان ذلك من خلال الجيش أم المقاومة.

ليس هذا تطورا عاديا في مسار الانتفاضة. فبعد اسقاط حكومة الحريري، كان من المفترض ان يتحول الضغط على رئيس الجمهورية من اجل تأليف حكومة مستقلين. لكن الانتفاضة ترددت في إتخاذ هذا الاتجاه المنطقي والدستوري لمسار الامور، وراحت الضغوط تتشتت، اما في اتجاه مصرف لبنان والمصارف واما في اتجاه مجلس النواب، واصبحت مجرد روتين إحتجاجي يجتر الشعارات بدون توجيه الضغط نحو مسؤولين محددين.

عامل الخوف من "حزب الله" او التعاطف معه، وهو الذي صرح علنا عن رفضه المس بالعهد، كان من العوامل التي جعلت المنتفضين يحجمون عن توجيه الضغط في إتجاه رئيس الجمهورية. عامل آخر لعب دورا مهما أيضا هو تردد الشارع المسيحي المنتفض في موضوع اسقاط رئيس الجمهورية "المسيحي."

يبدو ان هذين العاملين لم يعودا يفعلان فعلهما التخويفي بعد إنفجار بيروت. فرعب الانفجار لا يقارن بأي رعب آخر. فلم يعد الخوف من "حزب الله" بهذه الخطورة لمن أصبحت حياته مهددة في كل لحظة، ولا الرئيس "المسيحي" بات ينفع مع تدمير معظم مناطق شرق بيروت المسيحية.

بعد التحرر نسبيا من الخوف من "حزب الله" ومن عقدة "الرئيس المسيحي"، تعممت المقارنة بين عون الذي "كان يعلم" ونصرالله الذي "لم يكن يعلم". فالأول كان يعلم بمتفجرات المرفأ وكان عليه بالتالي ان يتصرف، ولم يفعل. والثاني لم يكن يعلم بالردود الاسرائيلية المحتملة على اختطاف جنديين اسرائيليين سنة ٢٠٠٦ ولم يكن عليه بالتالي ان يتصرف، لكنه فعل.

هذا كان يعلم ولم يتصرف لانه لا يبالي، ولأن ذاك لا يسمح له بأن يتصرف. وذاك لم يكن يعلم وتصرف لانه لا يبالي، ولان هذا يغطي تصرفاته.

لأن هذا لم يتصرف، دُمِّر شرق بيروت ووسطها، ولان ذاك تصرف، دُمّرت الضاحية الجنوبية والجنوب.
تدمير شرق بيروت، فك عن هذا الحصار الدولي، وتدمير الضاحية والجنوب قدم لذاك انتصارا إلهيا.

هذا وذاك حليفان، والسلطة اليوم بيدهما. عندما كان هذا يعلم، كان ذاك يعلم بالتأكيد، وعندما كان ذاك لا يعلم، كان هذا لا يعلم بالتأكيد.

هذا سياسي من اصل عسكري، وذاك عسكري من اصل ديني. السياسة عند هذا حرب، والحرب عند ذاك دين.
*
سأل، سائل، مسؤول.

الذي يسأل هو الشعب، والذي من المفترض ان يجيب هو المسؤول. لذلك يسمّونه "مسؤولا"، اي الذي يُسأَل وعليه ان يجيب. واذا لم يُجِب فهو غير مسؤول.

الشعب يسأل لان ليس بيده ان يعرف، فقد كلّف المسؤول بذلك ووضع في تصرفه سلطة الدولة ليفعل. في المقابل على المسؤول ان يجيب لأن من واجباته ان يعرف.

الرئيس عون مسؤول دستوريا، لكن نصرالله غير مسؤول دستوريا، الا عن انتخاب عون وبقائه في الحكم.

نصرالله قوي بالسلاح وبالدين وبالمال، وعون مستقوٍ بسلاح نصرالله، وبالطائفة وبالمال.

السلاح يهزأ من الكلام، ولا يحب السؤال والجواب، لذلك يهدد ويُخيف، فيجري إلغاء السؤال ولا يعود هناك من حاجة الى جواب.

الدين يعتبر انه هو الجواب، ولا جواب غيره، فلا حاجة إذا للسؤال، وكافر هو كل من يسأل.

اما المال فيستخدم لغته عند الحاجة، فيشتري السؤال ويبيع الجواب.

بين هذا وذاك، "تفاهم مار مخايل"، الذي سلّم لذاك مصير البلد وحجز لهذا مقعد الرئاسة. وقد اختيرت كنيسة مار مخايل لتكون مكانا للتوقيع، لإعطاء التفاهم طابعا مقدسا.

فمار مخايل هو الملاك الاول عند الله يكل اليه المهام الصعبة، حتى قيل انه "يمثل الله" أينما حل.

"تفاهم مار مخايل" جعل من المسؤول دستوريا شبه مسؤول فعليا، ومن غير المسؤول دستوريا مسؤولا فعليا.

لكن تدمير "منطقة مار مخايل" وأحياء اخرى في بيروت نتيجة انفجار المرفأ، اطلق عملية تصحيح لهذه الجريمة الدستورية والديموقراطية. ولمنطقة مار مخايل، في مقاهيها وحاناتها، رمزية شبابية تعددية مذهبيا وجندريا.

على الملاك مار مخايل ان يسحب بركته من كنيسة مار مخايل ليمسح بها دموع شعب منطقة مار مخايل والجوار، ومرتاديهما. أليس معنى "الكنيسة" الاصلي هو جمهرة متحدة من الناس، قبل ان يكون مكانا للعبادة والصلاة؟
الكلمات الدالة