الأحد - 22 أيار 2022
بيروت 22 °

إعلان

من 17 تشرين إلى 15 أيار... مسيرة أمل

المصدر: "النهار"
انتخابات المغتربين.
انتخابات المغتربين.
A+ A-
فهمي كرامي
 
في 17 تشرين الأول 2019، ثار الشعب، وعلت الصرخات في الساحات، وانكسرت قيود التواصل بين المناطق اللبنانية، وتعالى معظم الشعب على ضغائن الماضي وصراعات الأيام ورهاب الاختلاف الطائفي منصهرًا في قالب الوحدة المطالبة بإسقاط الطبقة الحاكمة بأقطابها كافة، تحت عبارة "كلن يعني كلن"، وذلك بعفوية واندفاع لم ير لبنان لهما مثيلاً منذ نشأته واستقلاله. وانعقدت الآمال على أحلام ولّدتها عظمة المواقف وامتلاء السّاحات وجرأة لم تكن لفترة طويلة من صفاتنا نحن شعب لبنان العظيم في مواجهة زعماء طوائفه ومرجعيّات أمره.
 
وكلّما كانت الأيام تمضي بهذه الثورة ونضالها، كانت الأحلام تتكسر على صخرة حقيقة الواقع اللبناني، وصلابة هذه المنظومة المتماسكة جذورًا عميقةً، وجذوعًا ثابتة، وأغصانًا متفرّعة. فضعفت بنية الثورة، وتشرذمت صفوفها، وهبطت الهمم، وتناثرت الآمال، وخفتت الأصوات، وفرغت الساحات. وعاد كلٌّ إلى منزله، إلى حياته، إلى وجعه، إلى ما يحمله من مخاوف من أخيه وأخته في المواطنة إلى مهاراته الفردية، وأنانيته البشرية التي غذّتها أنظمة الفساد وغياب المؤسّسات واندثار هيكل الدولة. فتعاظمت مهارة الأنا، وسيلةُ كلّ لبناني للمضي في حياته. فهو مَن عليه تأمين أبسط حقوقه من كهرباء وماء وتعليم وصحة وعمل، وطبعاً مفتاح ذلك علاقة مع نافذ، والتزام بزعيم كان قد سبق وتقاسم مع أمثاله تلك الحقوق، فأصبحت عطايا يوزعها عند الحاجة.
 
أفردت هذه الأسطر في مرور سريع على تطوّر الأيام، من انطلاقة الثورة حتى الآن، لأقول إننا كلبنانيين ثائرين، لا نعرف حياكة الوحدة، لكننا مهرة في نثر الفرقة والتشرذم. فقدنا الوعي السياسي والعمل الجماعي، وتقديم العام على الخاص، ليس لجهل بالعلوم، أو نقص بالمعرفة، لكن لضعف ترجمتها إلى تصرّفات نمارسها يوميًّا كيلا تبقى مجرّد مبادئ تُقالُ ولا تُفعَل.
 
لأننا لم نستطع أن نفهم أن شعبنا بفقره وأميّته ذو جهلٍ واع، وأن بقاءه في كنف الزعيم وتسلّطه، يعود لانتفاء بديل يؤمن للمواطنين دائرة الحدّ الأدنى من الحماية الاجتماعية التي أفقدته إياها سلطة الفساد، بحيث تجذّر الاستتباع لدى اللبنانيين وأصبح جزءًا من نظام حياتهم.
 
منذ أن تنبهنا إلى أنه حان الوقت للاتحاد، لم نتنبه إلى أن للاتحاد شروطًا؛ فالوحدة ليست جمعًا وضمًّا، لأن المتماثل في الطاقة، إن جمع أو ضمّ، يتباعد بطبيعته الفيزيائية مكوِّنًا قوة طاردة مدمّرة. أما من تماثل في التكوين فينصهر ويتّحد في بنية قوية صلبة. 
 
لقد سعينا كمجموعات إلى الانصهار معتقدين أن وحدة الخصوم الهاتفين بالنداء ذاتَه ترصُّ الصفوف، وتناسينا أنه في العام 2018، إثر الانتخابات، تناثرت المجموعات وتباعدت ولم يبقَ من أسس للتوحد والاجتماع.
 
واليوم، إذ نحن على أبواب الانتخابات النيابية، فقد أصبح للمعارضة مراكب في بحر السياسة اللبنانية الهائج، تحاول بها العبور إلى شطّ الأمان حاملةً آمالاً وآلام شعب يحتضر، وبقايا دولة تهاوت، وأنضاءَ وطن جريح. هي كمراكب الموت قد تدرك الحرية قبل القضاء والقدر، وإن كنا نأمل في أن تكون سفينة أو بارجة قوية البنية عظيمة المحرّكات، يمدها بالمال والطاقة كلُّ أبناء الوطن، ويقودها قباطنة ماهرون، وضعت لهم الخطط وأنير لهم الدرب وحُدّد لهم المقصد.
 
ولكن حسبنا أن هناك مراكب، وإن تعدّدت رحلاتها، وكثرت قباطنتها، واختلف الناس حول أهليتهم، وصوابية دربهم، وتناحروا حتى على تسميتها، إلا أن أغلبهم ينشد الدولة العادلة المدنية القوية، المستلمة لزمام الوطن وسيادته، المنصفة لأبنائها الحاضنة لهم، والمعتمدة على مهاراتهم بغض النظر عن سبيلهم في طاعة الله.
 
وأنا أظن أن بعضًا من هذه المراكب، سيرسو في مرفأ ساحة النجمة، وسينزل ركابه آمنين في الندوة البرلمانية، بعد أن تطهّرهم وعورة الرحلة من طغيان الأنا، فيتشاركوا صعوبة مواجهة السلطة، ويشدّوا الهمم لتكوين جبهة تقوم على مبادئ تغييرية وأولويات تضع أسساً لبناء معارضة حقيقية في المجلس النيابي، تعكس ما صدحَت به الثورةُ من أهداف تتقارب، وإن لم تتطابق، فيكونوا بعملهم هذا، مشجّعين إلى مزيد من التنظيم السياسي، وإلى تقوية أحزاب المعارضة وتأسيس أحزاب جديدة تملأ الفراغات التي تركتها المنظومة، وترفد شعوبنا الخصبة بالعمل والمعرفة.
 
لا أريد أن أعظم الآمال، فنتحطّم مجدّداً على صخرة الواقع الصعب، ولكن لا بدّ من أن ندرك أن التغيير ثقافة وممارسة، وبدءٌ بالنفس قبل الغير، وتفضيل للعام على الخاص، واقتناع بأنّ نجاح الفكر الذي نؤمن به أهمّ من نجاح الشخص. كلّ ذلك لن يتحقق ما لم نتمرّن على العمل الجماعي، بإعادة إطلاق الأحزاب وتنظيمها، ورصّ صفوفها، وبناء قواعدها على مبادئ وعقائد تعرف طريقها إلى القلب قبل العقل.
 
اليوم، علينا أن نصوت لكلّ مَن رفض السّلطة ونظامها من اللوائح، ويستقرّ قلبنا بالراحة لبرنامجه، وممارسته. وبعد 16 أيار علينا أن ننطلق بورش في كلّ المناطق لإطلاق أحزاب، أو تقوية بعضها ممّن يجسّد أحلام كلّ واحد منا، حتى نصبح فريقًا من الدرجة الأولى، يفرض نفسه في اللعبة السياسية اللبنانية، فيُسرع اللاعبون للانضمام إليه، لا مجموعة هواة تنشد أن تسجّل في مرمى فريق من الدرجة الأولى هدفًا يكون شحنة معنوية أمام هزائمها المدوية.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم