السبت - 24 تشرين الأول 2020
بيروت 34 °

إعلان

الكويت... حالة خاصّة في محيطها

حمزة عليان
حمزة عليان
الكويت (أ ف ب).
الكويت (أ ف ب).
A+ A-
نكذب على أنفسنا إن لم نصدّق أن الوصول إلى سدة الرئاسة والحكم أفضل وسيلة للثراء الفاحش عند عدد من الزعماء والرؤساء العرب! 
وقد نُصدم إذا اكتشفنا أن البعض خرجوا من الحكم فقراء ومعدومي الحال، وجدوا أبناءهم وأحفادهم "أيتاماً" يعتاشون من وراء العمل كسائقي أجرة أو بيع الفلافل.
وكثيراً ما يُطرح السؤال عن العلاقة بين من يحكم وبين المال والأرصدة الخفية لزعماء وملوك جمع بعضهم المليارات. 
رؤساء وقياديون خرجوا من السلطة خاليي الوفاض إلا من راتب تقاعدي بالكاد يكفي لسد الرمق والبقاء على قيد الحياة.
 
بالأمس وافق مجلس الأمة الكويتي على قانون بتحديد مخصصات رئيس الدولة جاء فيه: "تحدد مخصصات رئيس الدولة الحالي، مدة حكمه، بمبلغ 50 مليون دينار كويتي سنوياً (حوالي 63 مليون دولار أميركي) وترصد قيمة هذه المخصصات في الميزانية السنوية وتحسب من مصروفات الدولة العامة". 
والأكثر من ذلك، أن القانون قضى بتعيين شروط استحقاق أفراد العائلة الحاكمة في هذه المخصصات وصرفها بأمر أميري... 
فحوى الاستدلال بهذا الخبر أعادني إلى بدايات استقلال الكويت وإعلان الدستور عام 1962 ونشر أول ميزانية عامة للدولة والتي بلغت في حينه نحو 172 مليون دينار كويتي. 
 
يومها، وبعد أربعة أشهر تقريباً، شنت وسائل الإعلام العراقية حملة تدّعي فيها أن أموال الكويت تنهب وتبذّر؟ ردّت عليها الكويت بأن المبلغ غير مخصص لرئيس الدولة بل هو تلبية لحاجات المنصب الرئاسي وما تتطلبه من مصاريف وأمور... أما الراتب الشهري للحاكم شخصياً فلم يكن يتعدى مبلغ الـ 900 دينار؟ 
وفي هذه المناسبة يذكر الدكتور عثمان خليل عثمان والذي شارك بإعداد دستور دولة الكويت، أنه عند مناقشة مخصصات رئيس الدولة، طلب الشيخ عبدالله السالم أن يحدد له مبلغ رمزي لا يوازي مرتب موظف درجة سادسة، ثم أضاف نقلاً عن سموه، "لا أريد مالاً من الدولة فأنا بغير حاجة إليه"... لكنه رضي بالأخير وعلى مضض بما حُدد كمخصصات لرئاسة الدولة نظراً للموجبات الرسمية. 
 
إذا تجاوزنا الحالة الكويتية وهي نادرة في عالمنا العربي، فماذا نجد؟ 
بحسب الأرقام المتداولة، فقد بلغت رواتب السلطات الثلاث في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين ما يوازي إيرادات 9 آبار نفطية من حقل مجنون أو الرميلة في محافظة البصرة، فهذا البلد منكوب بمن حكمه منذ أيام عبدالكريم قاسم والذي يُنظَر إلى هذا الزعيم بكونه من الحكام الزاهدين ونظيفي اليد، وممن انتهت حياتهم بالسحل والاغتيال دون أن يتركوا وراءهم ثروات مكدسة! 
 
سنتجاوز التوقف عند أسماء عدد من الزعماء والملوك والحكام العرب وتعداد ما يملكون من أموال وما يكتنزونه من ثروات منقولة وغير منقولة، نظراً للقوانين التي تمنع المسّ بذواتهم والرقابة الذاتية التي تمارسها الصحف، فالقارئ الحصيف لن يجد صعوبة بالدخول على العمّ "غوغل" وسيجد ما يسرّه ويرضيه، وإن كانت مجلة "فوربس" الشهيرة دأبت ومنذ سنوات على نشر كشوفات سنوية تستعرض فيها أسماء "الأثرياء" العرب، حكاماً ومسؤولين ورجال أعمال. 
 
مشكلة بعض الأنظمة السياسية في العالم العربي أنها تفتقد إلى معايير "الحكم الرشيد" والتي تبدأ بالمشاركة وتنتهي بالمحاسبة والمساءلة؛ عدد من هذه الأنظمة لا تعترف بما يسمّى حكم المؤسسات ودولة القانون وبالتالي تضع الحكّام في إطار من القداسة تعفيهم من المساءلة؟ 
 
الواقع أن التاريخ الحديث والمعاصر أنتج رؤساء دول وحكومات أثّروا على حساب الدولة ومواردها، وهذا النوع من الحكام أحاطوا أنفسهم بحاشية وبطانة حمتْ نفسها بمظلة الرئاسة وحصدت المال والسلطة وشكّلت عبئاً على النظام، خاصة من جهة التوريث للأبناء وللسيدة الأولى وطاقم الأنسباء والأقارب، وهذه كانت أرضية صالحة لتفجير الغضب الشعبي واندلاع ثورات الربيع العربي وما جلبته من كوارث على الشعوب والمجتمعات. 
ثمة رؤساء دول وحكومات خرجوا من سدة الحكم وأياديهم بيضاء، والكلام هنا ينسحب على الأشخاص بعينهم دون الربط مع النظام القائم ودرجة فساده واستبداده. 
 
من لا يستذكر هنا اللواء محمد نجيب أول قائد لثورة 1952، الذي لم يكن يملك غير منزل تم طرد عائلته منه بعد تنازله عن السلطة؛ أو جمال عبدالناصر الذي لم يجدوا في حسابه سوى 3 آلاف جنيه وكان مديناً للدولة بقرض قيمته 100 ألف جنيه، أو عبدالرحمن سوار الذهب الذي آثر تسليم السلطة إلى المدنيين بعد الانقلاب الذي قاده في السودان. 
 
أمثلة قريبة عاصرناها في الحالة اللبنانية كسامي الصلح المعروف بـ"أبو الفقراء" أو "بابا سامي"، والذي كان يذهب سيراً على الأقدام من منزله في برج أبوحيدر إلى السرايا الحكومية في ساحة رياض الصلح، أو بالرئيس فؤاد شهاب أو شارل الحلو أو سليم الحص، هؤلاء قدموا نماذج مضيئة من تاريخ لبنان السياسي، جاء من يحيله إلى سواد ويحوله إلى غابة استأسدت عليه مجموعة من السياسيين المتوحشين الذين فاحت روائحهم بالفساد والسرقات، لدرجة أن بعض النواب باتت أرصدتهم بالملايين وتخطوا بكثير أصحاب المليارات ورجال الأعمال... سقى الله أيام زمان!
 
 
* إعلامي و باحث لبناني في الكويت 
الكلمات الدالة