الأربعاء - 24 شباط 2021
بيروت 17 °

إعلان

حرب الموانئ الدافئة... أين موقع لبنان منها؟

مرفأ بيروت المدمّر (تبيل اسماعيل).
مرفأ بيروت المدمّر (تبيل اسماعيل).
A+ A-
الدكتور جيرار ديب
 
لخّص البحّار الإنكليزي والتر رالي، فكر المدرسة الجيوبوليتيكية الألمانية بالقول: "إنّ مَن يسيطرْ على البحر يسيطرْ على التجارة العالمية، ومن يسيطر على التجارة العالمية يملك الثروة، ومن يملك الثروة يملك العالم كلّه".

تعدّ الحرب الروسية - الجورجية عام 2008 نقطة البدء في التحوّل الذي دفع بالدول الكبرى إلى السيطرة على البحار، عبر تعزيز نفوذها على البحار والمحيطات، بهدف كسر الهيمنة الأميركية على التجارة العالمية. فقد طلب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بموجب المادّة الرقم 102 من مجلس الاتحاد الروسي، السماح له باستخدام القوة العسكرية لاستعادة الاستقرار في القرم، حيث أبدت روسيا خشيةً من إقدام السلطات الجديدة في أوكرانيا، المدعومة من الاتحاد الأوروبي، على إلغاء معاهدة أسطول البحر الأسود أو المساس ببنودها، التي تضمن بقاء الأسطول الحربي الروسي في ميناء سيفاستبول حتى سنة 2042، مع بقاء ما يقارب 25 ألف جندي روسي في هذا الميناء. أمر يشكل ضربة قوية لطموحات بوتين الدولية، لا سيما البحرية منها، باعتبارها شرطاً لازماً لعودة مكانة روسيا الدولية. هذا ما رأيناه بوضوح في ميناء طرطوس في سوريا، حيث فرضت روسيا اتفاقاً لمدة 50 عاماً، بإقامة قاعدة بحرية عسكرية روسية على البحر المتوسط.

لكنّ روسيا ليست قادرة على إسقاط الأحادية الأميركية بمفردها، بل هي بحاجة ماسّة إلى القوّة الاقتصادية الصينية. فالصين ثاني أكبر اقتصاد عالمي، عادة ما صُنّفت قوةً قادرة على تغيير النظام الدولي، ولكنها قانعة بنسقه الراهن. إلّا أنّ قناعتها تلك، لم تجنّبها ويلات الصراع مع الخصم الأميركي، ولم تجنّبها الوقوع في "فخ ثيوسيديدس"، الذي يفترض أنّ خوف قوة قائمة (الولايات المتحدة) من صعود قوة منافسة (الصين)، وعدم الرغبة في التعاون بينهما سيؤديان حتماً للوصول إلى فخ. منذ عام 2009، بدت العلاقة متوترة مع الولايات المتحدة، إذ عمدت الأخيرة إلى فرض شبه حصار بحري عليها عبر نشر أساطيلها في المحيطات الدولية، بهدف عرقلة تجارتها الخارجية.

ومع عام 2013، بدأت الصين بالتحرّك نحو القطبية الكاملة سياسياً وعسكرياً وثقافياً واقتصادياً، من خلال مبادرة "حزام واحد - طريق واحد" التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ، وتهدف لتطوير وإنشاء طرق تجارية. لذا، وعلى غرار روسيا في سيفاستنبول في القرم، سارعت الصين إلى رسم استراتيجية جديدة، في مرفأ أراكان في ميانمار على خليج البنغال في المياه العميقة للمحيط الهندي.

في سياق متصل، برز خلاف إسرائيلي - أميركي على الوجود الصيني في ميناء حيفا، إذ رفضت إسرائيل اقتراحاً أميركياً بإجراء فحص أمني شامل في ميناء حيفا، على خلفية مخاوف واشنطن من ضلوع شركات صينية في توسعة الميناء. وقالت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، إنّ الاقتراح الأميركي قُدّم العام الماضي على خلفية انتقادات في البنتاغون ضد إسرائيل، بسبب ضلوع الصين في مشروع توسعة ميناء حيفا، واحتمال أن تشكّل هذه الأعمال الصينية ثغرة لتنفيذ مراقبة تكنولوجية لما يحدث في الميناء، وجمع معلومات عن نشاط سلاح البحرية المشتركة وأنشطته المشتركة مع سفن أميركية.

أما في ما خصّ مرفأ بيروت، والكارثة البشرية والمادّية التي حلّت به، فقد أبعدت دوره الرئيسي في التجارة العالمية على البحر الأبيض المتوسط.

بشأن المرافئ الدافئة ودورها، لم يعد المهم مَن المسؤول المباشر عن تدمير مرفأ بيروت، إن كان الموضوع إهمالاً داخلياً، أو عملية إسرائيلية، كما قال بعض الشهود إنهم سمعوا صوت تحليقٍ للطائرات الحربية، ثم شاهدوا إطلاقها الصاروخ على المرفأ. أصبح الموضوع الأساسي مَن سيستثمر هذه الكارثة في بناء المرفأ؛ هل هو اللاعب الفرنسي الذي قدّم مبادرته الإنقاذية للبلد، مقابل حصوله على موطئ قدم له عبر المرفأ على البحر المتوسط؟

أعلن مدير مرفأ طرابلس أحمد تامر أنّ مرفأ طرابلس على موعدٍ مع وصول السفينة الضخمة Teno، العاملة ضمن الخط البحري Megan، وذلك بالتعاون مع مجموعة من الشركات البحرية العالمية، والذي يعدّ صلة وصل تجارية بين شرق المتوسط والخليج العربي.

وأشار إلى أنّ هذا الخط اعتمد مرفأ طرابلس، منطقةً أساسية ومحطّة محورية له في شرق البحر المتوسط، لنقل البضاعة إلى السوق المحلية اللبنانية. وسيمرّ الخطّ البحري Megan بالموانئ الخليجية، جبل علي في الإمارات، حمد في قطر، الدمام في السعودية، الجبيل في السعودية، جدّة في السعودية، بورسعيد في مصر، طرابلس في لبنان، ومرسين في تركيا. وتكمن أهمية الخط البحري Megan في اعتماده مرفأ طرابلس محطةً للصادرات اللبنانية إلى الخليج العربي، واستيراد بضائع الخليج إلى لبنان.

ورأت مصادر مقرّبة من بيت الوسط في بيروت، أنّ لقاء رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تركيا، كان لتقريب الوساطة بين الفرنسي والتركي بشأن الملف اللبناني، في ما يتعلّق بمرفأي بيروت وطرابلس. إذ رأى المصدر، أنّ ربط مرفأ طرابلس وإدخاله على الملاحة البحرية، خطوة إيجابية ستؤدي إلى تنازل تركيا عن المنافسة الفرنسية على مرفأ بيروت.

أخيراً، إنّ السياسة الانعزالية التي اتبعتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، دفعت بدولٍ كبرى لتغطية الفراغ الذي تركته السيطرة الأميركية على التجارة الدولية. هذا ما دفع الدول إلى تقديم الدعم، وكسر الحصار المفروض على لبنان، تحت عناوين مساعدات إنسانية، فيما قد تكون النيّات بسط السيطرة على مرافئ لبنان الدافئة على البحر المتوسط.

*أستاذ جامعي وباحث سياسي
 
نُشِر عبر موقع "النهار العربي"
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم