السبت - 04 كانون الأول 2021
بيروت 17 °

إعلان

لا تعاقبوا المسعفين بذريعة أنهم يعالجون الجميع

جدارية للعمال في قسم الصحة في الفيليبين (تعبيرية- "أ ف ب").
جدارية للعمال في قسم الصحة في الفيليبين (تعبيرية- "أ ف ب").
A+ A-
بقلم جوناثان ويتول ولوث سافيدرا

20 عامًا هي الفترة التي تفصلنا عن بداية ما يُسمّى بالحرب على الإرهاب. وخلال هذه الفترة، شهد عاملو "أطباء بلا حدود" في الخطوط الأمامية كيف أثّرت هذه الأخيرة على المجتمعات، وقوّضت قدرتنا على الوصول إلى أكثر الفئات احتياجًا إلى الرعاية. واليوم، نشرت "أطباء بلا حدود" موجزًا إعلاميًا عامًا، شارك فيه عدد من موظّفي الخطوط الأمامية في المنظّمة الّذين عملوا في سياقات تتأثر بشدّة بحروب مكافحة الإرهاب في نيجيريا وأفغانستان والعراق. والجدير ذكره أن المناقشات التي تتناول مكافحة الإرهاب وتداعياتها غالبًا ما تتجاهل وجهات نظر العاملين في الخطوط الأمامية، مع أنّ القصص التي سمعناها على ألسنتهم مروّعة. فالعمل في سياق، تدور فيه الحرب، صعب وخطير، لكن العمل في بيئة تُخاض فيها حرب لمكافحة الإرهاب "يذر الملح على الجرح"، على حدّ تعبير أحد زملائنا الّذي يعمل في الخطوط الأمامية.

ولا شكّ في أن الحروب على الإرهاب الآخذة في التوسّع تؤول إلى نتائج قاسية على العاملين في الصفوف الأمامية، إذ أبلغ الفريق عن تعرّضه للضرب والمضايقة والإهانات، كما اتُّهم بـ"دعم الإرهاب"، في حين كان يمارس نشاطاته الطبيّة على أبواب المستشفيات وفي أجنحتها، أو في سيارات الإسعاف على الطرقات. فمن جهة، تتوقّع القوات الأمنية من الموظفين رفض تقديم العلاج لمرضى مصنّفين على أنّهم إرهابيين. ومن جهة أخرى، غالبًا ما تنتهج المجموعات المسلّحة مواقف عدائيّة تجاه فرقنا، فلا تتقبّل وجودنا إلا إذا أثبتنا لها عدم قربنا من الحكومة. وفي هذا السياق، تتيح الحكومات التي تقاتل هذه المجموعات تقديم الرعاية الطبية أو تمنعها بالاستناد إلى أهدافها العسكرية، ما يثير شكوك المجموعات المسلّحة. وعلاوة على هذا كلّه، يهاجمنا كلّ طرف متى اعتبر أننا نساعد عدوّه.

وبالنتيجة، غالبًا ما تُقوّض كلّ هذه العوامل قدرتنا على الوصول إلى الفئات الأكثر حاجة في الخطوط الأمامية.

ويعدّ العديد من الدول هذا الوضع فرصةً لا يُمكن تفويتها، إذ يتيح لها ممارسة فائضٍ من قوّتها بمجرّد تصنيف عدوها كـ"إرهابيّ". هذا، ويؤدّي الاقتداء بأمثلة تشبه حرب روسيا في الشيشان، وحرب الولايات المتحدة وحلفائها في أفغانستان والعراق، وتلك التي خاضتها إسرائيل في غزة والضفة الغربية إلى تعبيد الطريق أمام العديد من الدول لتحتذي بها.
وعليه، تُخاض الحروب في الكاميرون ومالي وموزمبيق ونيجيريا وسوريا واليمن وغيرها من الحروب التي لا تحُصى ضدّ عدو يُصنّف على أنه إرهابيّ. فكلّ طرف من الأطراف يُعتبر إرهابيًا في نظر طرفٍ آخر.

وفي هذه السياقات، يشهد موظفو "أطباء بلا حدود" في الخطوط الأمامية اعتقال المرضى من أسرّة المستشفيات واستهداف المرافق الطبية وتدميرها خلال قصف عشوائي، لا يُميز بين المشاركين في الأعمال العدائية مباشرة وبين غيرهم من الأشخاص. يتمّ وضع هاتين الفئتين السّابقتين تحت الشبهة الجنائيّة العامة، فيجد السكّان الحاضرون في منطقة تخضع لسيطرة "الإرهابيين" أنفسهم مجرّدين من جميع أشكال الحماية، كما يعاني السكّان من حصار دائم أو يتعرّضون للهجوم بشكل مباشر. علاوة على ذلك، تُمنع المساعدات أو توجّه بالاستناد إلى الأولويات العسكرية أكثر منه إلى الحاجة الإنسانية.

وتبرّر الأطراف، التي تخوض حروب مكافحة الإرهاب، هذه الأفعال أو تتغاضى ببساطة عن عواقبها، لا سيما أن "الإرهابيين" في هكذا حروب لا يُعتبرون مجموعات معارضة مسلّحة تخضع لتعريف القانون الدولي الإنساني، بل يُشار إليهم بـ "المجرمين" الّذين يمكن التخلّص منهم بمجرّد "إنفاذ القانون". وبناءً عليه، تتنافى القوانين الدولية للحرب مع قوانين مكافحة الإرهاب في الداخل. ويؤدّي إنشاء هذه المنطقة الرمادية بين فئتي القوانين هذه إلى تخفيف القيود عن عمليات الدول العسكرية. ولا يُعدّ ذلك مشكلة بسيطة لعاملي المنظمة في الخطوط الأمامية، لا سيما أن تقديم المساعدة للجرحى والمرضى خلال الحرب يُحمى بموجب القانون الدولي، ولكنه غالبًا ما يُجرّم في التشريعات المحلية لمكافحة الإرهاب.

وعادةً ما نتمكّن من تخطّي العراقيل المفروضة على عملنا بالتفاوض على قدرة الوصول ونيل قبول جميع الأطراف المتنازعة. وكانت هذه هي الحال في الكثير من الحروب، التي عملت "أطباء بلا حدود" في خضمها، على مدار الأعوام الخمسين الماضية. فإذا ما أثبتنا أهمّية وجودنا، وبيّنا عدم ارتباطنا بأيّ طرف في النزاع، تمكّنا من الجلوس مع الحكومات والمعارضة المسلّحة على حدّ سواء لنوفر بيئة عمل آمنة. لكن في سياقات مكافحة الإرهاب، غالبًا ما تنضوي جميع الجهات تحت فئتين لا ثالث لهما، فإمّا أن تكون "في صفهم أو ضدهم". ويُمنع على فرقنا التحاور مع أيّ طرف في النزاع، إمّا لأن الحكومات تمنع ذلك، وإمّا لأن المجموعات المسلّحة لا تثق بنا.

وبدلًا من الاعتراف بعواقب مكافحة الإرهاب على العاملين في الخطوط الأمامية، وضمان تأمين الحماية المستمرة للأعمال الإنسانية والطبية في النزاعات التي دارت مؤخّرًا، ساد منطق الحرب على الإرهاب ولغته بشكل كبير وغير عقلانيّ.

نحن بأمس الحاجة لأن نشهد تغييرات عاجلة في التعامل مع العاملين في المجال الإنسانيّ والمجتمعات التي نحاول الوصول إليها خلال حروب كهذه. فلا بدّ من أن نتمكّن من تقديم العلاج إلى المرضى بالاستناد إلى احتياجاتهم، من دون أن نخاف من تداعيات هذه الممارسة. يجب أيضًا أن يُعامل أفراد المجتمعات كسكّان مدنيّين، وألا يُنظر إليهم كداعمين للإرهابيّين، أو يُلحق الضرر بهم. من الضروري أيضًا أن نتمكّن من التحدّث مع أيّ طرف من شأنه أن يلحق الأذى بنا أو أن يسهّل وصولنا إلى الفئات الأكثر حاجة، من دون اتّهامنا بـ"دعم الإرهاب".

لا بدّ من أن يُنأى بالمنظمات الإنسانية المحايدة عن استهداف الأنظمة القانونية والتكتيكات العسكرية. ولا بدّ أيضًا من وضع حدّ للتهديدات والمضايقات والاعتداءات والعنف الذي يتعرّض إليه المرضى والمساعدون الطبّيون الذين يقدّمون العلاج. فلا يمكن أن تستمر الأنشطة الطبية المحايدة بتحمّل أوزار مكافحة الإرهاب.

جوناثان ويتول هو مدير قسم التحليل في مركز بروكسيل للعمليات في"أطباء بلا حدود". ولوث سافيدرا هي الباحثة الرئيسية التي عملت على الدراسة الأخيرة التي أجراها قسم التحليل حول آثار حروب مكافحة الإرهاب على العاملين في الخطوط الأمامية.

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم