الإثنين - 25 تشرين الأول 2021
بيروت 22 °

إعلان

خلاص لبنان لن يأتي من الخارج!

المصدر: "النهار"
تعبيرية (نبيل إسماعيل).
تعبيرية (نبيل إسماعيل).
A+ A-
جنى جان جبّور
 
مع كلّ أزمة يواجهها لبنان، تسري بين أبنائه، كما في الخارج، المعزوفة القائلة بقدرته على الصمود، والنهوض مجدّداً على غرار "طائر الفينيق" المنبعث من رماده. لكن عندما يعجز اللبنانيون عن إيجاد مخرج لأزماتهم، يعودون إلى اعتقاد راسخ لديهم بأنّ القوى الغربيّة والإقليميّة سوف تنتشلهم من مأزقهم في نهاية المطاف، وذلك بناءً على سردية شعبية شائعة، مفادها أنّ لبنان يشكّل نموذجاً للتعايش السلمي في منطقة يسودها الانقسام، كما أنّه يمتلك أهمّية خاصة لكونه دولة مضيفة للاجئين الفلسطينيين والسوريين. بناءً على ذلك، يُعدّ لبنان "خطّاً أحمر" وحتماً سوف يبادر ما يُسمّى "المجتمع الدولي" إلى إنقاذه.
 
لكن في السياق الحالي للأزمة الوجوديّة غير المسبوقة والمُتعدّدة الأبعاد التي تشهدها البلاد، لا يبدو أنّ أياً من القوى الأجنبيّة يُبدي الاستعداد أو يمتلك القدرة على وقف، أو على الأقلّ، إبطاء السقوط المروّع للبنان، الناتج عن انهيار أسس النظام السياسي والاقتصادي الذي أُرسي في فترة ما بعد الحرب.
 
من هنا، يصبح الاعتقاد بأنّ القوى الأجنبيّة سوف تتدخّل بطرق هادفة لإنقاذه مجرّد تمنّيات، لكون الدولة اللبنانيّة على وشك الانهيار. أوّلاً، لقد ولّى زمن التدخّل الأجنبي الذي عرفناه في تسعينيّات القرن الماضي ومطلع الألفية الثالثة، والذي نُفِّذ باسم "واجب التدخّل" (وفق المفهوم الذي أرساه ماريو بتاتي وبرنار كوشنير في الثمانينيّات)، أو باسم "مسؤوليّة الحماية الدولية" المدفوعة بأبعاد إنسانيّة وأخلاقيّة. لقد انتهى عصر لجوء القوى الغربيّة إلى استخدام أيّ وسيلة لتأمين الانتشار العالمي للمبادئ والقيم الليبراليّة. لذلك، فإنّ تصوّر أنّ قوّة عظمى مثل الولايات المتّحدة، أو قوّة دوليّة مثل فرنسا، سوف تتدخّل مباشرةً في لبنان لدعم الديموقراطية، وتعزيز الحوكمة الرشيدة، ووضع حدّ لحكم الكليبتوقراطيّة هو سيناريو بعيد المنال.
 
ثانياً، يطالب بعض اللبنانيين بتدويل الأزمة ووضع البلاد تحت وصاية دوليّة، لكن من المهمّ التذكير بأنّ الحالة اللبنانيّة لا تندرج ضمن أيٍّ من أطر القانون الدولي التي تسمح بتدخّل خارجي. في الواقع، لا يشكّل لبنان أيّ تهديد للنظام العالمي قد يمهّد لتدخّل الأمم المتّحدة بموجب الفصل السابع، الذي يستند إلى وجود "تهديد أو خرق للسلام أو عمل عدواني". أيضاً، على الرغم من إمكانيّة تصنيف لبنان "دولةً فاشلة" بسبب عجز السلطة المركزيّة عن أداء واجباتها الأساسيّة وتوفير الخدمات والحقوق للمواطنين (للاطّلاع على تعريف "الدولة الفاشلة"، انظر روبرت جاكسون، الميثاق العالمي: السلوك البشري في عالم الدول، 2000)، فإنّ سياق فشلها وأسبابه الجذريّة تستبعد النطاق التقليدي للتدخّلات التي تقودها الأمم المتّحدة لإنقاذ الدول الفاشلة. في الواقع، لم يأتِ فشل الدولة اللبنانيّة نتيجة نزاع مسلّح أو كارثة طبيعيّة كما هي الحال في العديد من الدول الفاشلة في العالم، بل نتيجة "التقاعس المُتعمّد" للنخبة المُنتخبة وفق تشخيص البنك الدولي. أخيراً، على الرغم من أنّ المقيمين في لبنان يعيشون في حالة من اليأس، فإنّهم لا يتعرّضون لانتهاكات حقوق الإنسان أو الاضطهاد الجماعي أو جرائم الحرب، ما يُبدّد إمكانية تدخّل الأمم المتّحدة بدوافع إنسانيّة او أخلاقيّة وبالاستناد إلى مبدأ "مسؤوليّة الحماية".
 
ثالثاً، على الرغم من أنّ اللبنانيين لديهم ميل طبيعي نحو تعظيم أنفسهم، ومدّ أرجلهم على مساحة تتجاوز حجم بساطهم، ليس لبنان - على عكس ما يُعتَقد - أولويّة بالنسبة إلى القوى العظمى، فهو لا يمثّل سوى جزءٍ صغيرٍ من حساباتها الجيوسياسيّة المُعقّدة تجاه المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، تسعى كلّ من الولايات المتّحدة وفرنسا إلى تحقيق أهدافهما ومصالحهما الخاصّة، ولا تتّخذان سوى إجراءات ترقيعيّة لإبطاء اضمحلال البلاد.
 
لقد تكوّن انطباع لدى اللبنانيين بأنّ بلادهم تمثّل أولويّة بالنسبة إلى باريس، وذلك على إثر زيارتَي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبيروت في أعقاب انفجار المرفأ، لكن سلوك فرنسا اللاحق أظهر أنّها لا تزال مُتمسّكة بالنظام القديم على الرغم من ادّعاءاتها، على لسان ماكرون، المُشاركة في صياغة "ميثاق سياسي جديد". في الواقع، سار خطاب ماكرون المُنمّق الواعد بالتغيير على نحو متناقض مع مسار عملاني مدفوع باعتبارات السياسة الواقعيّة. فلو كانت باريس جادّة في دفع الطبقة الحاكمة لتنفيذ الإصلاحات، لكانت تبنّت سياسة أكثر صرامة وفرضت عقوبات مؤلمة على المسؤولين مثل تجميد أصولهم في فرنسا.
 
يجب فهم موقف باريس الغامض من لبنان، وتنقّلها بين المعايير والخطوط الحمراء التي وضعتها القوى السياسيّة التقليديّة، في ضوء الديناميكيّات الإقليمية المُتغيّرة وإعادة تشكيل السلطة. في سياق الانفراج والتطبيع المُحتمل للعلاقات بين فرنسا وإيران، يتعارض أيّ تحرّك عدواني ضدّ حزب الله المدعوم من إيران مع مصلحة فرنسا. بل على العكس، تسعى فرنسا لاستيعاب إيران كما يتّضح من مباركتها للحكومة المشكّلة حديثاً التي يتمثّل فيها حزب الله. أخيراً وليس آخراً، من خلال الحفاظ على علاقات وثيقة مع القوى السياسيّة التقليديّة في لبنان، تأمل باريس أن تتوصّل مع بيروت إلى اتفاقيّات اقتصاديّة تسمح للشركات الفرنسيّة باستغلال موارد الغاز والنفط المُحتملة (وقد بدأت شركة توتال الفرنسيّة بذلك فعلاً). في المجمل، كان لمبادرة ماكرون تأثير عكسي على عمليّة التغيير. لقد أعطى الرئيس الفرنسي جرعة مورفين للبنانيين من خلال خطابه العالي النبرة في الجمّيزة حين وعد بمحاسبة القادة السياسيين، وأكّد وقوف باريس إلى جانبهم، ما جعلهم يشعرون بأنّ باستطاعتهم الاتّكاء عليه في صراعهم ضدّ الطبقة الكليبتوقراطيّة الحاكمة. أدّت مبادرة ماكرون إلى تنفيس زخم "الثورة" إلى حدّ ما، وتخفيف اندفاعة المجتمع المدني الذي راح يمنّي النفس بحلّ عجائبي تأتي به القوى الخارجيّة.
 
أمّا بالنسبة للولايات المتّحدة فهي، مثل فرنسا، لا تجد مصلحة في تبنّي موقف استباقي وصدامي في لبنان. فإدارة بايدن المهتمّة بما أطلق عليه المؤرّخ بول كينيدي "المغالاة في التوسّع الإمبراطوري"، والمشغولة بالتهديد الصيني، تنتهج استراتيجيّة السياسة الخارجيّة التي اعتمدها الرئيس أوباما: التحوّل نحو آسيا واتّباع نهج "البصمة الطفيفة" في الشرق الأوسط. في السياق الحالي للمفاوضات الأميركيّة الإيرانيّة حول البرنامج النووي الإيراني، يبدو واضحاً أنّه لا مصلحة لواشنطن في استعداء طهران في لبنان. من هنا، وبدلاً من اتّخاذ خطوات جريئة ضدّ القوّة الرئيسيّة المعادية للثورة، أي حزب الله، اكتفت واشنطن بتصريحات ضدّه مصحوبة بعقوبات لا تأثير فعلياً لها. وهي في المقابل، تقدّم دعماً للجيش ومساعدات إنسانيّة للشعب. في الواقع، ركّزت كلّ من فرنسا والولايات المتّحدة على تقديم المساعدات الإنسانيّة الطارئة لمنع وفاة "البلد المحتضر"، بدلاً من مساعدته على التعافي من أمراضه المزمنة والبنيوية من خلال الأخذ بيده لإعادة هيكلة مؤسّساته وسلوك درب الإصلاح. من الواضح أنّه تمّ تفضيل "احتواء الضرر" على "معالجة الأزمة".
 
أنتج الانسحاب النسبي للقوى الغربيّة من المنطقة فراغاً في السلطة، ومهّد الطريق لصعود قوى إقليميّة أثبتت، أسوةً بالقوى الغربيّة، عدم استعدادها لإحداث أيّ تغيير في لبنان. تعمل كلّ من إيران وتركيا كقوّتين داعمتين للوضع الراهن لأسباب مختلفة. فإيران، على مدى السنوات الأربعين الماضية، استثمرت بقوّة في حزب الله لتعزيز نفوذها الاستراتيجي في المنطقة. وبالتالي، يفيد تفكّك الدولة اللبنانيّة حزب الله الذي نجح في الظهور كدولة ضمن الدولة، الأمر الذي يزيد من النفوذ الإيراني في البلاد. إنّ إطالة أمد الوضع الراهن تصبّ في مصلحة إيران التي تستفيد من إعادة تشكيل نظام الشرق الأوسط وتغيير ميزان القوى في الإقليم. إنّ انتصار إيران النسبي في سوريا والعراق واليمن، إلى جانب نفوذها المُتزايد في لبنان، يحسّن من قدرة طهران التفاوضيّة مع القوى الغربيّة. وهذا ما يفسّر رغبة إيران في "إبقاء الأمور على حالها" في لبنان.
 
من جهتها، تعمل تركيا كقوّة داعمة للوضع الراهن. على الرغم من الحديث عن القوّة المتنامية لتركيا في لبنان، هناك في الواقع فرق شاسع بين طموحات أنقرة وقدراتها. فنفوذ تركيا وقدرتها على تشكيل الديناميّات لا يزال محدوداً مقارنةً بالقوى الإقليميّة الأخرى مثل إيران أو السعودية. تقيِّم تركيا علاقات ودّية مع جميع القوى السياسيّة تقريباً، ولكنّها لا تملك الإمكانيّات لدفعها إلى تنفيذ الإصلاحات ولا الوسائل للضغط عليها. أمّا بالنسبة إلى مواجهة نفوذ حزب الله المتنامي في البلاد، فإنّ أنقرة تتردّد في التصرّف بحزم خوفاً من استعداء إيران. في الواقع، على الرغم من تنافسهما على قيادة المنطقة وأدوارهما المتناقضة في سوريا، تلتزم أنقرة وطهران بالتعاون لأنّهما مترابطتان اقتصادياً وتتشاركان المخاوف السياسيّة والأمنيّة نفسها (احتواء الأكراد، محاربة داعش، ومواجهة نفوذ القوى الغربيّة في المنطقة). وفقاً لهذه المعادلة لا يبدو لبنان وازناً، وبالتالي، لن تجازف أنقرة بعلاقاتها مع طهران من خلال التعرّض لحزب الله.
 
بدورها، اتّخذت السعودية موقف اللامبالاة وعدم التدخّل في ملفّ لبنان. فالقيادة السعودية الجديدة، ممثّلة بوليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان، تنظر إلى لبنان من منظور المخاوف الأمنيّة مع تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة. لم تعد الرياض مُستعدّة لدعم لبنان اقتصادياً وسياسياً، بعدما استغلّ حزب الله هذا البلد لتعزيز النفوذ الإيراني. ويبدو أنّ القيادة السعودية فقدت الأمل بلبنان، لذلك من غير المرجّح أن تبدّل الرياض في المستقبل القريب في موقفها وتقوم باستثمارات سياسية ومالية من أجل إنقاذ هذا البلد. بالإضافة إلى ذلك، وبينما يفقد لبنان دوره الاقتصادي والثقافي والسياحي في المنطقة، تعمل السعودية - ودول الخليج عموماً - على الحلول مكانه والإمساك بالدور الذي كان يقوم به تقليدياً. بهذا المعنى، تسهم أزمة لبنان، بالتوازي مع تفكّك سوريا والعراق وإضعاف مصر، في تحوّل الثقل الإقليميّ من دول المشرق باتّجاه دول الخليج، وهذا ما يُفقد الرياض أيّ حافز للسعي إلى تغيير الواقع الحالي في لبنان.
 
تعكس هذه السيناريوهات مستقبلاً قاتماً وكئيباً. مع ذلك، عند اشتداد الأزمات تبزغ فرصة لبناء مستقبل أفضل. إنّ توجّه القوى الإقليميّة والدوليّة إلى عدم التدخّل في الأزمة اللبنانيّة يخلق فرصة فريدة للبنانيين ليمسكوا زمام مصيرهم بأيديهم. فانهيار النظام السياسي والاقتصادي الحالي يقدّم فرصة للتفكير جماعياً للتوصّل إلى عقد اجتماعي شامل جديد يضمن الحوكمة الرشيدة، ولتحديد هويّة لبنان ودوره في محيطه الإقليميّ. بدورها، تمثّل الانتخابات النيابية المُقبلة مناسبة للتغيير، شرط أن يتصرّف المجتمع المدني وجماعات المعارضة بمسؤوليّة وبراغماتيّة، وأن يوحّدوا صفوفهم، ويتّفقوا على رؤية، ويحدّدوا أجندة واضحة. وهذا يتطلّب قيادة رؤيوية ذات تفكير نيّر تجترح حلولاً مبتكرة لمشاكل لبنان المستعصية.
 
إنّ طريق التغيير شاقّ ومؤلم ومزروع بالأشواك، لكنّه سوف يؤدّي حتماً إلى ولادة لبنان جديد يعكس طموحات ورؤية الأجيال الصاعدة التي طوّرت في السنوات الماضية وعياً ثورياً واكتسبت نضجاً سياسياً. هذه المرّة، اللبنانيون هم الأبطال الرئيسيون وسوف يقرّرون مصيرهم بأنفسهم. أمّا بالنسبة للقوى الخارجيّة فإنّها أمام خيارين: إما الرهان على ما هو قائم عبر التمسّك بالنظام القديم ومواصلة العمل الاعتيادي مع الطبقة الحاكمة المنهارة؛ أو تبنّي نهج أكثر رؤيويّة وشجاعة عبر الاستثمار في القوى التي تسعى إلى التغيير ومواجهة الأوليغارشيّة الكليبتوقراطيّة. من المؤكّد أنّ هذا الخيار الأخير هو الذي يفتح نافذة الأمل على المستقبل وسوف تكون له الغلبة في نهاية المطاف.

جنى جان جبّور زميلة مشاركة في معهد عصام فارس للسياسات العامّة والشؤون الدولية، حائزة دكتوراه في العلوم السياسيّة والعلاقات الدوليّة، وخبيرة في سياسات الشرق الأوسط وتركيا المعاصرة. لديها منشورات كثيرة عن ميزان القوى في الشرق الأوسط وسياسات القوى الإقليميّة، وتُدرِّس العلوم السياسيّة والعلاقات الدوليّة في معهد باريس للعلوم السياسيّة، وجامعة القدّيس يوسف في بيروت. عملت أستاذة زائرة في جامعات معروفة من ضمنها جامعة سابيينزا في روما، وجامعة كافوسكاري في البندقية، وجامعة نيويورك في أبو ظبي، وجامعة سنغافورة الوطنيّة.

بينما يواجه لبنان سيناريو الانهيار الكامل بسبب أزمة اقتصاديّة غير مسبوقة، أطلق معهد عصام فارس سلسلة مقالات رأي تتناول الانعكاسات الجذريّة للأزمة على قطاعات الدولة وظروف معيشة الناس. ستغطّي السلسلة عدّة جوانب للأزمة، تتعلّق بالتعليم والطاقة والاقتصاد والصحّة العامّة والقطاع الخاصّ، بالإضافة إلى حماية حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين وغيرها.
 
*مشاركة في معهد عصام فارس للسياسات العامّة والشؤون الدولية
 
هذه المقالة جزء من سلسلة مقالات ينشرها معهد عصام فارس للسياسات العامّة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت، تتناول الانعكاسات الجذريّة للأزمة في لبنان على قطاعات الدولة وظروف معيشة الناس
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم