الأحد - 25 أيلول 2022
بيروت 29 °

إعلان

مأساة الإنسان نحو الإيمان والحقيقة

المصدر: "النهار"
صورة تعبيرية.
صورة تعبيرية.
A+ A-
محمد عبدالله فضل الله
أكاديمي وحوزوي
مقالة "الأديان والحقيقة" لسيادة المطران كيرللس سليم بسترس - جريدة النهار - تاريخ السبت ٢٧ آب 2022.
نعقّب على سيادته بأنّ البحث عن الحقيقة هو معنى آخر للبحث عن الهُويّة، وتفسير الوجود، والركون إلى تأويلات تجلب اطمئناناً ما لتثبيت الأقدام في عالم مليء بالخوف والتحدّيات والأفكار، التي تتنازع الإنسان، وتُبقيه أسيراً مختنقاً بين فجور النفس وتقواها، وأتى الوحي كمساعد ينتشل هذا الكائن المحدود من فوضاه وتخبّطه وعماه؛ وبقدر ما يكون الإنسان سويّاً متقناً لفنّ إمساك نفسه ومعرفتها بدقة بقدر ما يتدرّج في الوصول إلى الحقيقة؛ وليس مطلوباً منه أن يمسكها بكلّيتها لأنه بمفرده يؤدّي دوراً مطلوباً منه، ضمن أدوار تؤدّيها الأمم، والأفراد شتى على مرّ العصور، لتصل إلى المطلق في نهاية المطاف – وهي لم تفارقه لحظةً في وعيها ولا وعيها - ولكن من منّا وصل إلى ضبط إيقاع نفسه وعرفها كي يكون مستعداً لبداية الخطوة الأولى على درب تلمّس الحقيقة التي تبقى تعتصر قلب الإنسان وتستنزف فكره؟!
 
هذه الحقائق المركوزة في الذات عبر الفطرة السويّة، ومن خلال وحيانيّة صافية، تشكّل المادة الأوليّة الملطّفة لجشعنا وأنانيّاتنا، وتهدّىء من ثورة أهوائنا كمدخليّة لمحاكاة المطلق، الذي يُريدك على مثاله متحرّراً حاكماً لنفسك، ومشاركاً الوجود الحيّ في كلّ تشابكات لغته.
 
صحيح أن الإنسان محدودٌ في طاقاته وإمكاناته، ولكنه لا حدّ عنده في استعداداته لو سمح لها أن تتنفّس في الفضاء الحرّ، وأنصت إلى صوت أعماق ذاته، وعمل جاهداً على أن يكون زمانه الداخليّ والخارجيّ منسجماً وداخلاً بشرفٍ في زمان الله الخالد، عندها يكون مقبولاً عند الله بعد أن يؤكّد تجاوزاته المطلوبة لكلّ ماديّات الحياة وجمود الحركة والتفكير.
 
الله المطلق يسكن في المحدود، ويُغايره، وهو ليس مجهولاً عندنا حتى نكتشفه، بل نحن البشر من احتجب عن الله بأنانيّاتنا المرضيّة، وزدنا المحدود محدودية. يبقى علينا أن نتلمّس قوّتنا في عقلنا العمليّ حتى نكتشف تجلّيات الله الكثيرة التي لا حدّ لها؛ هذا العقل الذي لو استعمله الإنسان كما ينبغي لاستغنا عن الوحي على حدّ تعبير الفارابي، ولكن مآساة الإنسان جعلت من الوحي نعمة لإيقاظ الإنسان من غفلته على الدوام .
 
لدينا أزمة فهم للوحي، ولم نتقبّله بعدُ كما يجب حتى نستوعب ملياً أنفسنا والوجود من حولنا، وصولاً إلى معايشة الله حقيقة في مشاعرنا وأفكارنا وسلوكيّاتنا، فنرى إذ ذاك التقسيم والتشتّت والضياع.
 
إنّ الوحي لا يصبح انكشافًا لسرّ الله في وعي الإنسان إلاّ إذا كانت لدى الإنسان هذا الآلياتُ والقابلياتُ، التي تؤهّله لأن يقوم بجواب طاعة، وفعل إيمان، يمكِّنه من حمل المسؤوليّة عن نفسه وعن الآخرين والحياة من حوله.
 
من هنا، فإن الإيمان يعني الوقوف على الحقيقة من خلال التوجّه إلى العقل وعدم الإستسلام للامعقول؛ الإيمان الذي يستمدّ حياته من جاذبية السؤال والشكّ حتى في الإيمان نفسه كي يطهّره من كل كدر، ويصبح لديه سنوح الفرصة كي يستقبل إيمانًا أكثر دفقاً وعذوبة. فكما أنّ الإنسان تشدّه جاذبيته الطبيعية إلى المحسوس، فإن جاذبيته الإيمانية الصافية تشدّه إلى السؤال والشكّ، اللذين يشكلان أساس فاعليّتنا كأفراد وجماعات، وتخرجنا هذه الجاذبية تالياً من العجز، وتبعدنا عن السطحيّة، وتدفعنا طواعية إلى تلمّس أعماق الفكرة، والتحاور الحرّ حولها، بعد أن نكون قد تخلّينا عن ألعبان النفس في زيفها، ومكرها، وخداعها، وتلوّنها، الذي دمّر أصالتها.
 
والإيمان ليس شيئاً تجريدياً بل هو مسؤوليّة والتزام عمليّ سلوكيّ، يدفع نحو تصحيح الواقع. يقول المرجع السيد محمد حسين فضل الله: "الإيمان ليس مجرّد فكرة في العقل، ونبضة في القلب، ولكنّه خطّ عمليّ لا بدّ للإنسان من أن يأخذ به. فالعمل جزء من الإيمان، وليس مجرّد مظهر للإيمان في ما هي المظاهر الّتي ترتبط بالشكل أكثر من ارتباطها بالجوهر".
 
يبقى أن التحاور نوع جلي للتعاون الأخوي بين أتباع الأديان ولقد أعطى القرآن الكريم قاعدة لذلك: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم } آل عمران:64.
 
يستشهد سماحة الإمام السيد موسى الصدر من محاضرة له عن "حركيّة الإيمان" بهذه الآية، فيقول: "... يحاول القرآن الكريم أن يضع قاعدة أساسية محكمة بالتعاون الصادق الأخويّ المخلص، التعاون الذي نتمكّن أن ندين به في سرّنا وفي علانيتنا، عندما نجتمع، وعندما نفترق؛ عندما نتصادق وحتى عندما نتخالف. يجب أن نقف على هذه القاعدة، وننطلق من هذه القاعدة، حتى لا نلوم أنفسنا في كثير من الأحيان.. فإذا بدأنا من هذه القاعدة بالذات، نتمكّن من أن نتعاون مئة في المئة، ونحبّ مئة في المئة، ونصادق من دون تردّد، ونتكلّم من دون تحفظ، ونعيش بكلّ ارتياح واتفاق وإيمان وإخلاص. هذه القاعدة هي الإيمان بالله، هذه القاعدة التي يجعلها القرآن حداً وميزان التعاون الأخويّ الصادق بين أهل الكتاب كلّهم". كما كان يقول الآباء القدّيسون: "إننّا في مسيرتنا إلى الله ننطلق من بدايةٍ إلى بداية، ومن اكتشافٍ إلى اكتشاف".
 
نقول هذا الاكتشاف هو ذاته انتقالٌ سيّال للإنسان نحو تمزيق المحدود، والانعتاق منه في حوار داخليّ فعّال، والتطهّر بفرح الإيمان كهبة إضافيّة تركّز حريّة الإنسان أمام نفسه والعالم من حوله، وليعيد الدفق في شرايين حياة تصل ما بين عالم السماء وعالم الدنيا لانتشاله من معاناته ومصائبه.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم