الأحد - 22 أيار 2022
بيروت 22 °

إعلان

برلمان العقد الثالث والعشرين: أزمات حياتية استثنائية في مقابل استهتار وترقيع ومناكفات سياسية

تعبيرية (أ ف ب).
تعبيرية (أ ف ب).
A+ A-
نرمين السباعي
 
أيام تفصلنا عن الانتخابات النيابية العامة، فينتهي معها الدور التشريعي الثالث والعشرون[1] الذي شهد أكثر المراحل حساسية وأكثر السنوات صعوبةً في تاريخ لبنان الحديث. هذا المجلس النيابي الذي عاصر سلسلة أزمات متتالية بدأت بانتفاضة شعبية عارمة على الفساد السياسي والمالي في البلاد، تلاها أزمة اقتصادية غير مسبوقة وجائحة عالمية، ليتكلل بجريمة العصر، وهي انفجار مرفأ بيروت. هذا النص هو جزء من ملخص سياسة عامة سيتم نشره قريباً، ويتناول أداء هذا المجلس من خلال تقييم انتاجيته كماً ونوعاً خلال فترة أربع سنوات برلمانية[2]. وعليه، لن نغوص هنا في مدى فعّالية المجلس النيابي الأخير تشريعياً، إن بالأرقام أو بتحليل نوعية القوانين المُقرّة بسبب طبيعة هذه الإشكاليات التي تخرج عن نطاق مقالنا الحالي. ولقد ارتأينا، بالمقابل، تسليط الضوء على أبرز الإشكاليات التي تُضعف العمل البرلماني في وظيفتيّه الرقابية والتشريعية، هادفين الى اطلاع الرأي العام على التحديّات المؤسساتية وعلى الحجج المختلفة التي يتم التذرع بها لعرقلة عمل المجلس. إننا، بإيجاز، نخاطب الساعين لإصلاح عمل المجلس النيابي، من نواب ومرشحين/ات وهيئات مجتمع مدني معنية لاسترجاع دور البرلمان وإعادته الى سكّته السليمة.
 
 
تسييس الوظيفة الرقابية للمجلس النيابي
"عرقلونا، عطلونا.." سيموفنيات تشكل أساساً دسماً لتقاذف المسؤوليات والاتهامات السياسية. إنَّ المنطق التوافقي في العمل السياسي يشلُّ عمليا الجهود باتجاه أية محاسبة جدّية للحكومات من قبل البرلمان حول أدائها أو محاسبتها على سياساتها في خدمة المصلحة العامة. فالحكومات التوافقية هي بمثابة مجلس نيابي مصغَّر تتمثل فيها كافة الكتل النيابية. كما أن المجلس النيابي تتمثل داخله الاحزاب السياسية ذاتها. فتصبح مساءلة أو استجواب أو طرح الثقة بأي وزير/ة وكأنها نسف لمبدأ الميثاقية الذي يتم تقديسه أكثر من الدستور نفسه، وطبعاً بحسب الأهواء والمصالح الشخصية للكتل التي تختلف بحسب الظروف. فنرى بعض النواب أنفسهم يترحَّمون على قدرتهم على تحقيق أية نتيجة في حثّ الوزارء على تنفيذ القوانين أو احترام المهل أو الاجابة على أسئلتهم بشكل مفصّل ودقيق أو حتى الحضور أمامهم لمساءلتهم عندما يُطلب منهم ذلك في الهيئة العامة أو في اللجان النيابية. وتصبح أية مساءلة وكأنها تجنّي شخصي من النائب وكتلته يقابله تشفّي شخصي من قبل الوزير وكتلته أو أقله خشية منها. وتتجلى هذه الإشكالية في العديد من مداخلات النواب في العقد التشريعي 23 وهي جديدة في إطارها، وقديمة في روحيتها.
 
على سبيل المثال، قال النائب جورج عقيص في جلسة الأسئلة والأجوبة اليتيمة في هذا العقد (العام 2019)[3] في ضوء سؤال حول إهمال القطاع الزراعي: " أتانا جواب الحكومة، دولة الرئيس، فيه إجابة واضحة على بند واحد من البنود الثمانية. والبنود الأخرى بقيت في إطار الكلام العام غير المثبَّت بوثائق أو مستندات أو أرقام". وفي نفس السياق وخلال نفس الجلسة، قال النائب فريد هيكل الخازن، تعليقاً على جواب الحكومة على سؤاله عن التلوث البيئي على طريق جونية البحرية وفي كسروان[4] " الجواب الذي جاء من الحكومة كما يقول المثل: اسمع تفرح، جرّب تحزن. أجابت الحكومة بشكل نحن حاولنا نعمل كذا ونحن بدنا نعمل كذا... ونحن رح نجرّب نعمل كذا..".
 
ومن أبرز الأمثلة على الاستخفاف بجلسات المساءلة هو انسحاب وزير البيئة من الجلسة، في حين تعذر على رئيس الحكومة[5] الإجابة بعد أن جيّر لنفسه مسؤولية الجواب وألزم نفسه بها. ففي سؤال شفهي للنائب أسامة السعد حول مكب نفايات صيدا والإجراءات التي تتخذها وزارة البيئة للحد من أضراره، رد رئيس الحكومة: "دولة الرئيس، وزير البيئة ليس هنا. فأنا لن استطيع أن أجيب عن هذا السؤال، إن شاء الله في الجلسة المقبلة سنجيب عن سؤالك سعادة النائب". فرد النائب حسن فضل الله: " دولة الرئيس، بما أنه يٌفتح باب الأسئلة، بعد الأسئلة المكتوبة، يُفترض أن يكون جميع أعضاء الحكومة حاضرين". الرئيس: "تماماً". فضل الله: "وهذا الأمر يجب أن يكون إلزامياً لهم، كل الوزراء..". صحيح أن إستهتار الحكومة يتحملها الرئيس ووزراء جميع الكتل المتثملة فيها، إلا أن المجلس النيابي نفسه يتحمل أيضا قسطاً كبيرا من المسؤولية في تساهله في وظيفته الرقابية وتسييسها وتجييرها لمصالح ضيقة. فبعد هذه الجلسة الرقابية لم يتم عقد مطلق جلسة أسئلة وأجوبة أو استجوابات لمتابعة هذه المواضيع في السنوات اللاحقة.
 
 
موازنات دون قطع حساب، أكبر دليل على ضعف المحاسبة
وأكبر دليل على ضعف المحاسبة، هو الخرق الدستوري الفاضح[6] والمستمر لنظام المالية العامة للدولة اللبنانية بحيث لم يستطِع مجلس النواب حث الحكومة على إصدار قطع الحساب، أي نفقاتها المالية في هذا العقد أسوة بالعقود الأخرى بحيث تستمر هذه الممارسة منذ العام 2005[7]. فمن المسلّمات القانونية عدم جواز إقرار الموازنات دون قطع حساب. وفي هذا العقد أيضاً، كغيره من العقود التشريعية السابقة، لا يزال المجلس يُشرَّع الصرف على القاعدة الإثني عشرية، ولا تزال الحكومة غير آبهة بمهل إرسال الموازنات لإقرارها في المجلس النيابي، ولا تحترم الشرط المُسبق المتمثل بتوجب إقرار قانون قطع حساب السنوات المنصرمة[8]. ولم تُطرح الثقة بأية وزير أو حكومة في ضوء هذه الخروقات الجوهرية، وما زال التوافق على "الترقيع" سيد الموقف بين الجميع.
 
 
حكومات تنعم بالتهاون في ظل هشاشة الدور الرقابي
إن المادة 136 من النظام الداخلي لمجلس النواب فرضت إنعقاد جلسة رقابية بعد كل ثلاث جلسات عمل على الأكثر في العقود العادية والاستثنائية.[9] وفي ظل مخالفة هذه القاعدة الجوهرية باستمرار، فإن النواب يغضّون النظر والحكومات تنعم بلين التهاون. إن المتابعين والراصدين للعمل البرلماني يَعون مدى تجويف أغلبية البرلمانات السابقة، منذ الطائف حتى اليوم، من أية قدرة حقيقية على تقويم الاعوجاج في الأداء الحكومي في ظل تماهي معظم النواب والوزراء مع نظام "المطابخ الداخلية" بدلاً من الإعتراض الجدّي على المخالفات عبر الأدوات القانونية والدستورية وتبعاً لآليات المجلس. وفي هذا السياق، نذكر جلسة طرح الثقة الأخيرة بوزير الخارجية والمغتربين، عبدالله بو حبيب، الذي كان يتوجب أن تعقد بتاريخ 28-4-2022 والتي تقدّم بها تكتل الجمهورية القوية[10] إلا أنها لم تحصل وذلك بعد تفشيل الكتل النيابية نصاب الجلسة[11].
 
والمُلفت أنها المرة الأولى التي تُطرح الثقة بوزير دون استجواب في سابقة هي الأولى من نوعها[12]، فيما يبطل العجب طبعاً عندما ندرك أن الأمر يحصل في ظل صراع انتخابي مفتوح على مصراعيه بين مختلف الكتل قبيل أيام على تصويت المغتربين في انتخابات تأتي بعد مرحلة استثنائية في البلد. فقد تفجّرت مدينة بأكملها وإنهار نظام مالي مصرفي برمّته وطار جنى عمر الناس ومدخّراتهم، ولم تُعقد مطلق جلسة لطرح الثقة بأي وزير في هذا العقد التشريعي قبل ذلك. بيد أن شبهة إجراءات ملتوية وإمكانية خسارة بعض الأصوات الانتخابية كانت كفيلة بالمسارعة بتقديم هكذا طلب.
 
بل والأسرع منها كان تلقف رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، الطلب وتحديده موعد جلسة بسرعة البرق لطرح الثقة بوزير لن يخدم سوى أيام معدودة في حكومة زائلة قريباً بموجب الانتخابات النيابية المرتقبة. وهذا ما يؤكد مرة جديدة أن العمل البرلماني في شقّ كبير منه قائمٌ على المناكفات السياسية والربح والخسارة الفئوية الضيّقة وليس على التشريع والمراقبة السليمة التي ترعى حقوق واحتياجات الناس الحقيقية[13]. إن العمل البرلماني للأسف يحصل خلف الستارة وفي الكواليس وليس من خلال آليات المجلس النيابي كما يتوجب قانوناً.
 
وخير دليل على ذلك، تصريح النائب جورج عدوان إبان فضّ جلسة طرح الثقة هذه والذي طالب الناس الرّد في صناديق الإقتراع قائلاً:" ليس المهم التصويت على الثقة في المجلس، بل في الانتخابات". وسيبقى الأمر هكذا طالما ان السلطة الحاكمة تآثر إرساء النظام التوافقي القائم على الحصص المتبادلة بدلاً من إرساء النظم الديمقراطية السليمة. ونرى أنه، في ظل نظام طائفي زبائني محاصصاتي كالذي يحكم لبنان، يصير حكم الأكثرية واعتراض الأقلية هو حاجة ملحة. ولن تستقيم أية محاسبة حقيقية دون فصل السلطات المختلفة. فطالما أن النائب هو نفسه الوزير، ولا سيما في ظل الانقسامات والإصطفافات العامودية بين الكتل، وطالما ان الحلول قائمة دوماً على التسويات الموازية، ستبقى مسألة المحاسبة شكلية فولوكلورية تعوزها الجدية.
 
 
فوضى واستنسابية في التشريع
للمجلس النيابي هيئة عامة يتمثل فيها جميع النواب حيث يتناقشون القوانين ويصوّتون عليها، وهيئة مكتب مجلس تُنظم عمل الهيئة العامة إدارياً، ولجان مختلفة[14] تُحضّر وتُدرس بعمق فيها النصوص. يعتري كل من هذه الأجهزة الثلاث وآليات عملها مخالفات وثغرات بنيوية يتوجب تصويبها من خلال تعديل النظام الداخلي للمجلس لتحسين الشفافية، وتالياً، تعزيز مشاركة الناس في العملية التشريعية والرقابية.
 
فعلى مستوى هيئة مكتب المجلس ورئيسها التي تستقبل اقتراحات ومشاريع القوانين وتسجلّها وتحولّها الى اللجان المختصة لدراستها، يتبين أن هيكلية هذا المكتب الإدارية تفتقر إلى الآلية اللازمة لضبط هذه العملية. فبحسب المـادة 102 من النظام الداخلي، "على رئيس المجلس أن يحيل اقتراح القانون على اللجنة أو اللجان المختصة وإيداعه الحكومة للاطلاع عليه، إلا إذا كان النظام ينص على أصول خاصة" ، فيما تنص المـادة 109 على أنه " للرئيس طرح الإقتراح أو المشروع المعجّل المكرّر على المجلس في أول جلسة يعقدها بعد تقديمه حتى ولو لم يُدرج في جدول الأعمال". الأمر الذي يسمح لهيئة المكتب،أعضاءً ورئاسةً، بالاستنسابية في إحالة (أو الإبقاء في الأدراج ) الإقتراحات المقدّمة مما يعزز الفوضى، وتالياَ، يبطىء عملية دراسة النصوص وإقرار التشريعات .
 
أما على مستوى الهيئة العامة، فيُلحظ عدم التقيّد بموجب نشر بعض المعلومات التي نصّ عليها النظام في محاضر جلسات الهيئة العامة. فمبدأ علنية هذه الأخيرة من شأنه إطلاع المواطنين والمواطنات على مسار الجلسات ومدى مشاركة النواب فيها وماهيّة مواقفهم؛ كما هي الغاية من اعتماد مبدأ التصويت برفع الأيدي، وثم المناداة بالأسماء[15] لمعرفة من صوّت مع أو ضد القوانين. إلاّ أن عدم التوثيق بصورة منتظمة في المحاضر(مثل الإقتصار على ذكر عبارة أكثرية/صُدقت المادة أو أقلية/سقط الاقتراح)، وفي ظلّ غياب الآليات التي تسمح بمتابعة الجلسات بشكل مباشر، يُفرّغ مبدأ العلنية من مضمونه وتُحجب المعلومات عن الراغبين في متابعة أداء النواب من أجل إتخاذ قرارات مستنيرة في عملية اختيار ممثليهم. فأقلّ ما يقال عن عملية التصويت والتوثيق أنّها لا تزال بدائية من الناحية اللوجستية، ولا يُعقل أنّه حتى اليوم لم يتم اللجوء إلى إعتماد وسائل تقنية رقمية تُنظم عملية التشريع والمراقبة.
 
علاوةً على ذلك، يعتمد المجلس النيابي مبدأ سرية اجتماعات اللجان، وهذا الأمر حكميّ إلا إذا قررت اللجنة عكس ذلك بصريح المادة 34 من النظام الداخلي لمجلس النواب[16]. وعليه، تبقى محاضرها سرية بحيث تصدر كل لجنة تقارير نهائية متعلقة بالقوانين التي درستها فقط دون تبيان المداولات وماهيّة المشاركات والمواقف المختلفة للنواب الأعضاء داخل اللجان البرلمانية. وقد تقدم عدد من النواب باقتراحات تعديل لنظام المجلس النيابي الداخلي لهذه الجهة في العقود المنصرمة، إلا أنه حتى الآن عجز المجلس عن دراستها وإقرارها، فلم تحال أياً منها الى لجنة مختصة لدراستها ولم تٌدرج على جدول أعمال مجلس النواب. وكانت في السنوات الماضية قد إرتفعت أصوات عديدة من خارج المجلس مطالبة بجعل اجتماعات اللجان علنيّة. وشهد العقد التشريعي الثالث والعشرون الحالي ذروة هذه المطالبات خلال انتفاضة 17 تشرين وما بعدها وذلك مع تدهور الثقة بين الناس والمؤسسات الدستورية، لا سيما في المسائل المالية والاقتصادية، مطالبين بالشفافيّة والمساءلة والمحاسبة الفورية. فباتت مكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين أحد المطالب الأساسية حفاظاً على ما تبقى من الدولة.
 
وفي ظل الضغط الشعبي في الشارع والمجتمع الدولي لإجراء إصلاحات حقيقية للحصول على دعم مالي من الأخير، انكب النواب على تقديم إقتراحات قوانين أبرزها قانون الكابيتال كونترول وقانون الشراء العام، وقانون تعديل نظام السرّية المصرفية لأغراض التدقيق الجنائي، وقانونيّ إستقلالية القضاء العدلي والإداري، وقانون المنافسة، وانشاء نيابة عامة متخصصة في مكافحة الفساد. كما وتم نبش قوانين من الأدراج لتعديلها، كقانون إسترداد الأموال المنهوبة، وقانون مكافحة الفساد والإثراء غير المشروع، وتشكيل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. ورغم ذلك لم يتم إقرار معظم هذه القوانين، وأبرزها قانون الكابتال كونترول وقانونيّ استقلالية القضاء العدلي والاداري، فيما تلك التي أقرّت إما أفرغت من مضمونها قبلاً أو أقرّت ولم تنفذ بعد. وعليه، فإن أغلبية الحركة البرلمانية في هذا العقد كانت عبارة عن ضجيج بلا بركة ملموسة على أوضاع الناس المعيشية. فازداد الوضع الاقتصادي سوءاً، وتدهور الوضع المادي والاجتماعي أكثر مع جائحة كورونا، بحيث لا تزال العملة الوطنية تخسر من قيمتها يومياً حتى تاريخه.
 
 
التشريع بعيداً عن احتياجات الناس الأساسية
وفي ظل التقاعس الرقابي والفوضى التشريعية، تغيب هموم الناس واحتياجاتها الاساسية عن نقاشات الهيئة العامة للمجلس النيابي. وفي هذا الإطار، عبّرت النائبة السابقة بولا يعقوبيان عن ذلك أوضح تعبير في أحدى الجلسات التشريعية فقالت[17]:" نحن نبدو باغتراب وبهجرة عن الواقع في لبنان، اليوم أتفهم موقف دولتك بمنع الكلام السياسي وتوقيف الأوراق الواردة، ولكن لا أتفهم اليوم أن مجلساً نيابياً لا يتكلم بالسياسة، ويدخل بالقوانين مباشرةً، فحق النواب التعبير اليوم عن شارعهم والناس. أتمنى على دولتك، إذا كنت تخفي خلافات معينة، فلا بأس فليختلفوا هنا أفضل من أن نشعر وكأن كل شيء معلَّب في الخارج ونأتي هنا من أجل رفع اليد فقط. أتمنى عليك دولة الرئيس أن نعلم ما هي المشاكل السياسية والاعتبارات. في الخارج هناك خوف وقلق من المجاعة، فمع كل احترامي لكل المواضيع، نحن هنا اليوم نشرّع بمسائل بعيدة عن الناس وخوفها وقلقها. هناك بعض القوانين المتعلقة بتخفيضات، بإلغاء ضرائب ورسوم". وفي نفس الإطار أيضا وضمن الجلسة ذاتها قال النائب سيمون أبي رميا: " أتكلم عن موضوع الأوراق الواردة، نأتي عدة مرات إلى جلسات تشريعية ونسمع النواب يتكلمون عن مواضيع في مناطقهم وبالسياسة العامة. فكل ما كنت أطلبه هو أن يكون هناك جلسة كل أسبوعين مخصصة للسياسة العامة، عندها نأتي للتصويت على القوانين ونقوم بواجبنا التشريعي. وعندما نريد أن نتكلم سياسياً ونسائل الحكومة فتكون لنا جلسات مخصصة لهذا الشيء".
 
 
تشريع غب الطلب
ويبقى الأمر الجوهري هو غياب سياسة تشريعية متكاملة لا سيما في ما يتعلق بالموضوعات الحياتية المعيشية. فإن مقاربة المجلس النيابي دوماً مجتزأة وتتناول حقوق الناس بشكل مشتت، بل وبشكل متناقض في العديد من الحالات. أبرز مثال في هذا العقد، هو قانون العفو العام، إضافة إلى التعديلات المستمرة على قانون العقوبات في غيابٍ تام لرؤية متكاملة شاملة للسياسة الجزائية العقابية في البلاد. فقد أدرج البرلمان إقتراح قانون العفو العامّ على جدول أعمال الجلسة التشريعية الأولى بعد الإنتفاضة وذلك في 12 تشرين الثاني 2019 [18]، ولكن تم إجهاضه في الشارع عدة مرات بعد ان أصبح واضحاً من التقسيم السياسي للفئات المستفيدة من القانون إنه لم يأتِ في إطار منظومة لإقامة العدالة بل كان هدفه الأساسي سياسي انتخابي، بعيد كل البعد عن أي إصلاح اجتماعي حقيقي. فبدلاً من أن يتم إصلاح أوضاع السجون وتسريع المحاكمات القضائية والعمل على إقرار قانون استقلالية القضاء، أصرّ المجلس على إعادته مرة تلو الأخرى على جدول الأعمال[19].
 
أما في ما خص قانون العقوبات، فأحد الأمثلة هو التعديل الأخير لبعض مواد القانون، بحيث تم "استبدال بعض العقوبات بعقوبة العمل الإجتماعي المجاني"[20]. فأدلى النائب سمير الجسر في ذات الجلسة التشريعية بما يلي :" لدّي اعتراض على المبدأ كله دولة الرئيس، بالشكل لم يُضاف كفصل من باب قانون العقوبات، أصبح وكأنه قانون مستقل. وهذا الأمر يخلق إلتباساً بالتطبيق عندما توزع القوانين".
 
وعليه، إن ضعف أداء العمل البرلماني مرتبط بمستويات عدة ممكن اختصارها بثلاث. المستوى الأول، هو طبيعة النظام السياسي الطائفي-التوافقي، ونوعية القانون الانتخابي المعمول به، والعلاقة "غير الصحية" بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية. المستوى الثاني، تقني مرتبط بهيكلية المجلس النيابي وعدم وضوح الآليات والإجراءات المتبعة بين أجهزته. أما المستوى الثالث، فيتعلق بغياب الرؤية التشريعية وضعف الخبرات المرتبطة بها لدى أغلبية النواب وتفضيلهم العمل الخدماتي، وهذه الأمور جميعها تؤثر بطبيعة الحال على إنتاجية العمل التشريعي ونوعيته من ناحية، وعلى فعّالية الدور الرقابي الذي يمارسه البرلمان على الحكومة، من ناحية أخرى. فتبقى التوصية الأساس للنواب الإصلاحيين، هي الإصرار على تعزيز العمل التشريعي والرقابي السليم داخل البرلمان، بدلاً من تكريسه منبراً للمزايدات السياسية ولتمرير المصالح الخدماتية الفئوية.
 
 
__________________________
 
[1] بدأ العقد الثالث والعشرون (23) في أيار 2018 لينتهي في 16 أيار 2022.
 
[2] تجدر الاشارة اننا كنا قد سبق ونشرنا دراسة شاملة حول أداء البرلمان للدور التشريعي 22 صدرت في العام 2018 بعنوان " المجلس النيابي اللبناني 2009-2017: بين التمديد والتفريغ – خارطة طريق لاستعادة المجلس النيابي لدوريه التشريعي والرقابي."
 
[3] جلسة أسئلة وأجوبة في العقد العادي الاول تاريخ 10-4-2019 حيث ورد 13 سؤالاً موجهين من قبل 7 نواب فقط.
 
[4] السؤال كان موجها من قبل النائبين فريد هيكل الخازن وشامل روكز.
 
[5] الرئيس سعد الحريري.
 
[6] المادة 87 من الدستور "إن حسابات الإدارة المالية النهائية لكل سنة يجب أن تعرض على المجلس ليوافق عليها قبل نشر موازنة السنة التالية التي تلي تلك السنة”.
 
[7] تم اقرار آخر قطع حساب العام 2005 عن العام 2003.
 
[8] المادة 83 من الدستور:"كل سنة في بدء عقد تشرين الأول، تقدم الحكومة لمجلس النواب موازنة شاملة حول نفقات الدولة ودخلها عن السنة القادمة، ويقترع على الموازنة بنداً بنداً."
 
[9] المادة 136 من النظام الداخلي لمجس النواب "بعد كل ثلاث جلسات عمل على الأكثر في العقود العادية والاستثنائية، تخصص جلسة الاسئلة والاجوبة أو جلسة للاستجوابات أو للمناقشة العامة مسبوقة ببيان من الحكومة".
 
[10] هو تكتل حزب القوات اللبنانية الذي تقدم بطلب عقد جلسة عاجلة للهيئة العامة للمجلس النيابي لمساءلة وطرح الثقة بوزير الخارجية على خلفية زعمهم تقييد حق المغتربين اللبنانيين بالاقتراع وتقييد حركتهم وتصعيب العملية عليهم.
 
[11] حضر فقط 53 نائباً من أصل 128، خبر في الوكالة الوطنية عن صحيفة اللواء: جلسة «القلوب المليانة»: نجا بوحبيب والثقة بين الحلفاء لم تنجُ!
 
[12] بحسب تعبير الأمين العام لمجلس النواب "فلم يسبق ان حصل انعقاد هكذا نوع من الجلسات لا قبل ولا بعد الطائف بحسب محاضر مجلس النواب"، أكرم حمدان ، النواب يفوتون فرصة تسجيل سابقة برلمانية، نداء الوطن.
 
[13] الوكالة الوطنية عن صحيفة اللواء: جلسة «القلوب المليانة»: نجا بوحبيب والثقة بين الحلفاء لم تنجُ!
 
[14] لجان دائمة عددها 16 ولجان خاصة وفرعية ومشتركة
 
[15] المادة 81 من النظام الداخلي لمجلس النواب: " يجري التصويت على مشاريع القوانين مادة مادة بطريقة رفع الأيدي. وبعد التصويت على المواد يطرح الموضوع بمجمله على التصويت بطريقة المناداة بالأسماء."
 
والمادة 85 منه :" يجري التصويت على الثقة بطريقة المناداة بالأسماء وذلك بالجواب بإحدى الكلمات الآتية: ثقة، لا ثقة، ممتنع. لا يدخل عدد الممتنعين في حساب الأغلبية."
 
[16] المـادة 34 من النظام الداخلي لمجلس النواب: "جلسات اللجان وأعمالها ومحاضرها ووقائع المناقشة والتصويت سرية ما لم تقرر اللجنة خلاف ذلك."
 
[17] جلسة تشريعية تاريخ 28 ايار 2020.
 
[18] ثم أُدرج على جلسة تاريخ 19 تشرين الثاني 2019 وأجهض أيضاً.
 
[19] تم إعادته على الجدول في 22 نيسان 2020.
 
[20] أقر في الجلسة التشريعية تاريخ 26-6-2019.
 
 
* محامية وباحثة قانونية في مجال حقوق الإنسان والحريات العامة. ترتكز أعمالها حول حماية الفئات المهمشة إجتماعياً وتلك المعرضة للتمييز. حائزة على إجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية ودراسات عليا في القانون الخاص وعلى بكالوريوس في إدارة الأعمال من الجامعة الأميركية في بيروت.
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم