الأحد - 01 آب 2021
بيروت 29 °

إعلان

نهاية التاريخ… دول فاشلة

الصورة من موسكو (تعبيرية- "أ ف ب").
الصورة من موسكو (تعبيرية- "أ ف ب").
A+ A-
حسين عبد الحسين
 
لم تلاقِ مقالة انتقادات وسخرية أكثر من تلك التي كتبها فرانسيس فوكوياما وأعلن فيها نهاية التاريخ بانتصار الديموقراطية على الشيوعية. المشكلة كانت في اعتبار الأكاديمي الأميركي أن انتصار الديموقراطية كان يعني أن دول العالم ستتبناها وتتبنى معها نموذج الاقتصاد الحرّ، وسيعم العالم السلام والبحبوحة.

وفي العقد الذي تلا انهيار الاتحاد السوفياتي، بدت روسيا في طريقها نحو الاقتصاد الحر، ومثلها بدت الصين التي كانت بدأت مشوار انفتاحها، ومثلهما تركيا التي بدأ اقتصادها ينمو بشكل غير مسبوق. وفي دنيا العرب، كان رئيس حكومة لبنان الراحل رفيق الحريري يقود عملية إعادة لبنان إلى المنظومة الدولية، وإعادة ما تيسر من سوريا كذلك. حتى في الأراضي الفلسطينية، بدت الديموقراطية هي الحل، فكانت الانتخابات الدورية، وكان الحكم الذاتي الفلسطيني، الذي وصل ذروته في تلك الصورة التي جمعت الرئيس الراحل ياسر عرفات مع الرئيس الأميركي والسيدة الأولى بيل وهيلاري كلينتون، اثناء افتتاح مطار غزة الدولي. تلك كانت التسعينيات.

ثم كانت هجمات 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة، وعزّزت الاعتقاد القائل بضرورة تسريع عملية نشر الديموقراطية في الدول الفاشلة، مثل أفغانستان، التي كان حكامها من الإسلاميين المتطرفين يسكنون الكهوف. وأضافت واشنطن العراق، الذي كان متجمداً في عقد الثمانينيات بسبب الحصار الأممي عليه عقاباً لاجتياحه الكويت، إلى لائحة الدول الفاشلة المطلوب إصلاحها.

ثم تبين أن الديموقراطية عصية على بعض الشعوب التي تتضارب ثقافاتها السياسية والاجتماعية مع الثقافة المطلوبة لنمو الديموقراطية. مشكلة الغش، مثلاً، مستفحلة بين الصينيين، حتى أن الدوري الصيني لكرة القدم يتم ترتيب معظم نتائج مبارياته سلفاً، وهو ما يعيق نمو الكفاءات ويمنع صعود منتخب الصين، الأكثر سكانياً في العام، إلى مراتب مرتفعة عالمياً في هذه الرياضة.

أما في روسيا وإيران، فما يزال النفط عائقاً للنمو الاقتصادي بشكل تنافسي، فعائدات النفط تموّل اقتصاداً ريعياً يسمح للحاكم بشراء المحكومين، فيرتبط توليد الثروة بالقوة والقرب من الحاكم القوي، بدلاً من أن يرتبط بالمنافسة الإنتاجية الاقتصادية.

والريع النفطي نفسه أعاق النمو في الدول العربية، حتى غير النفطية منها، فلبنان مثلا يعتاش على ريع النفط الذي تقدمه الدول الإقليمية لأزلامها، فيصبح الارتزاق من الميليشيات أو الولاء لبلاط هذا الزعيم أو ذاك أسهل وأكثر ثراء من التعب والإنتاج لتحقيق نجاحات وتكوين ثروات.

الإمارات العربية المتحدة كانت أول من فطنت إلى مخاطر ريع النفط على تنافسية اقتصادها، فتبنت نماذج اقتصادية لا تعتمد على النفط، مثل الخدمات، وهو نموذج أظهر — حتى الآن — نجاحاً باهراً دفع السعودية إلى حذو حذوها.

والعقد الاجتماعي السعودي كان قائماً على مبايعة ولي الأمر عشائرياً، مقابل الريع النفطي، وهو أمر كان ممكناً في زمن مؤسسي الدولة يوم كان عدد السكان قليلاً. لكن مع الانفجار السكاني السعودي، صار اعتماد العقد الاجتماعي على الريع النفطي محفوفاً بالمخاطر، وهو ما كرر قوله ولي العهد محمد بن سلمان في إطلالاته الاعلامية، بعدما صار واضحاً أن السعودية، أحد أكبر عشرين اقتصاد في العالم، تقود أكبر عملية تحول من اقتصاد نفطي ريعي إلى اقتصاد خدماتي منتج لا يعتمد على تصدير الطاقة.

المشكلة تكمن في أن الدول النفطية الأخرى في المنطقة، خصوصاً إيران والعراق، وفي العالم، مثل روسيا، ما تزال غافلة عن أهمية تقليص اعتمادها على عائدات النفط وتبني انفتاح اقتصادي يؤدي إلى نمو محلي. والانفتاح الاقتصادي هذا يحتاج إلى "تصفير المشاكل" الخارجية. أما معضلة إيران وروسيا، فهي أن نظام كل من الدولتين بنى شرعيته على أسطورة قوته الدولية، وهو ما يتطلب مواصلة نشر المشاكل حول العالم للظهور بمظهر اللاعب الدولي الفاعل، فيما الواقع هو أن إيران وروسيا قوتان في طريقيهما إلى الأفول، على الرغم من اقتناء السلاح النووي وفعالية أجهزة الاستخبارات والدعاية لدى كل منهما.

أدركت الكتلة الديموقراطية في أميركا الشمالية وغرب أوروبا واليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية استحالة نشر الديموقراطية في الدول الفاشلة، مثل روسيا وإيران وافغانستان والعراق ولبنان وسوريا، خصوصاً بعد التجرية المريرة في أفغانستان والعراق. البديل الوحيد المتاح هو إدارة الأزمات لاحتواء الفشل وما ينجم عنه من تصدير للفقر واللاجئين والإرهاب والكوارث الإنسانية.

وإدارة الأزمات تعني الإبقاء على الأنظمة، على الرغم من فشلها، وفي نفس الوقت التخفيف من الكوارث عن طريق المساعدات الإنسانية. لهذا السبب، لم تبدُ أميركا ولا إسرائيل متحمسة لسقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد لعلمهما أن البديل هو الفوضى، وأن بقاء طاغية معزول ويكفي شرّه العالم أفضل من الحروب القبلية الأبدية، كما في العراق وأفغانستان وليبيا.

وعلى عكس ما يتصور الإيرانيون، لم يعلُ صوت واحد في الإدارات الأميركية المتعاقبة يطالب بتغيير النظام في إيران ، بل إن الحفاظ على هذا النظام، على مساوئه، هو الذي يمنع أميركا من توجيه ضربات عسكرية لإيران . جلّ ما تسعى اليه واشنطن هو إدارة الأزمات في روسيا وإيران وأفغانستان بالتي هي أحسن، وبأقلّ التكاليف الممكنة، للعلم أن أي استثمار في بناء دول ناجحة، بدلاً من الفاشلة، عائداته صفر.

يوم كان السناتور باراك أوباما مرشحاً للرئاسة في 2008، سأل سفير أميركا في العراق ريان كروكر وقائد القوات فيه دايفيد بترايوس، في جلسة استماع في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، حول امكانية "ضبضبة العراق" بالتي هي أحسن والانسحاب منه. كذلك سعى أوباما للملمة النووي الإيراني، وإبقاء المشاغبة الإيرانية محصورة في منطقة الشرق الأوسط. هكذا تكون إدارة الأزمات، وهذا ما أراده خلف أوباما دونالد ترامب، وهو ما يسعى إليه الرئيس جو بايدن اليوم.

انتهى التاريخ فعلياً بعد الحرب الباردة. الديموقراطيات واصلت نموها وصعودها اقتصادياً وفكرياً وتكنولوجياً، وباقي دول العالم واصلت تدهورها. حتى الصين، التي تستميت للظهور في مظهر قوة عظمى اليوم، لا تزال غير قادرة على رفع "كابيتال كونترول" لأن رؤوس الأموال ستهرب منها بسبب عدم ثقة المستثمرين بالأنظمة الديكتاتورية، وثقتها المطلقة بالديموقراطيات.

انتهى التاريخ بسقوط ورقة التين التي كانت توهم العالم أن بعض الأوطان هي دول، ليتبين أنها ليست دولاً أبداً، بل عصابات وأجهزة استخبارات لم تعد قادرة على إطعام الانفجار السكاني، وهو ما يدفع الأدمغة ورؤوس الأموال إلى التدفق إلى الغرب، الذي يسارع لإغلاق أبوابه. هكذا انتهى تاريخ الحرب الباردة. أما الفصل المقبل، فللقادم من السنوات.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم