الإثنين - 14 حزيران 2021
بيروت 24 °

إعلان

هل استنجد نصرالله بالحس الانساني ليقنع الآخرين بتأليف الحكومة؟

المصدر: "النهار"
نصرالله.
نصرالله.
A+ A-
غسان صليبي
 
لم يلفت انتباهي ما ركزت عليه الصحف في كلمة نصرالله الاخيرة، حول مطالبته باستيراد النفط من ايران. فهذا كلام مستعاد ومكرر ولو انه يبدو اليوم اكثر جدية وإلحاحا. فضلا عن ان الطريق مفتوح براً منذ زمن امام النفط الايراني على خط ايران- العراق- سوريا – لبنان.
لم يلفت انتباهي أيضا رفض نصرالله للإنتخابات النيابية المبكرة واعتبارها مضيعة للوقت، فقد سبق للحزب ان رفضها على لسان النائب محمد رعد وامام الرئيس ماكرون نفسه، عندما وردت في الورقة الفرنسية.
ما لفتني في المقابل هو قول نصرالله: "على المعنيين ان يضعوا المشهد الانساني اولا (اي معاناة الناس) قبل الاعتبارات السياسية". فهل تحمل هذه الجملة بذورا "انسانية" في فكر نصرالله الديني، الذي لطالما مهّد لمواقفه او بررها بإعتبارات دينية او جهادية؟
الإنسانية، كما قد تُعرف باسم الإنسانوية، هي مجموعة من وجهات النظر الفلسفية والأخلاقية التي تركز على قيمة الإنسان وكفاءته، سواء كان فردًا أو جماعة، وتفضّل عمومًا التفكير والاستدلال (العقلانية، التجريبية) على المذاهب أو العقائد الثابتة أو المنزلة (الإيمانية).
ما جعلني اتساءل حول هذه البذور الانسانية، هو خلو خطابات نصرالله من مثيلاتها، في السابق. فكيف ننسى برودة نصرالله الانسانية عندما تحدث عن انفجار المرفأ وسمّاه بـ"الحادثة"، رغم المآسي الانسانية التي خلّفها، وكيف ننسى تجاهله مطلب وقف تهريب السلع الى سوريا، مطالبا في المقابل وبكل برودة، بضرورة مناقشة الامر مع النظام السوري، اي عمليا تجميد المطلب وتجاهله، رغم انعكاس ذلك على معيشة اللبنانيين.
في الحالتين وفي غيرهما من الامثلة، لم تكن المعاناة الانسانية تدخل كثيرا في حسابات نصرالله، ولم يكن يبدو عليه التأثر انسانيا الا عند الكلام عن مجاهدين ينتمون الى دينه او مذهبه او محوره، والذين ماتوا من اجل قضية يعتبرها مقدسة. اي ان انسانيته كانت دائما مشروطة بإنتماءات الانسان الذي يتكلم عنه وبالقضية التي عمل من اجلها هذا الانسان.
يمكن فهم كل ذلك بإنتماء نصرالله إلى حزب ديني اسمه "حزب الله" وكأنه حزب ليس للانسان. وهو يتصرف بالتالي بحسب الاعتبارات "الالهية" وليس الانسانية. فضلا عن ان نصرالله كزعيم يُعامَل من اتباعه كـ"إله" وليس كإنسان، وهذا دون شك يؤثر في نظرته إلى البشر العاديين.
في اليوم نفسه من كلمة نصرالله، رد الموسوي، وهو مستشار نصرالله السابق، على الناشط العوني ناجي حايك، الذي وصف "حزب الله" بانه "شيطان اخرس" لأنه في رأيه يسكت عن الحق ولا يأخذ موقفا مساندا لباسيل في الصراع على الحكومة. وجاء في رد الموسوي "ان حزب الله قد ورث ميزان الانبياء والرسل"، وهو بالتالي يميّز بين الحق والباطل مثل الانبياء والرسل. اي ان "حزب الله" من عجينة انسانية مختلفة واعلى قيمة من الناس العاديين.
في الواقع اللبناني، حقوق الناس المعيشية تخضع للاعتبارات الاقتصادية في الربح والخسارة، كما في الانظمة الرأسمالية بشكل عام. مع الاشارة الى وجود بعض التوازن بين المعيشي والاقتصادي في بعض الدول الرأسمالية التي تطبق العدالة الاجتماعية، نتيجة للنضالات التاريخية العمالية والسياسية.
لكن في الواقع اللبناني أيضا، وعلى عكس الكثير من الانظمة الرأسمالية، يخضع الاقتصاد بشكل كبير لإعتبارات الصراع على السلطة، او ما يسمّى في السياسية اللبنانية بـ"المحاصصة الطائفية"، التي تهمّش "المحاصصة الطبقية" او تستتبعها. وبدورها تخضع المحاصصة الطائفية ومعها المحاصصة الطبقية، لإعتبارات "حزب الله" الإقليمية، تحت عنوان الدفاع عن المقاومة والحفاظ عليها.
هذه التراتبية التي تضع حقوق الانسان في ادنى مرتبة، هي ما يفسر استهتار الطبقة السياسية مجتمعة، بالانهيار الحاصل في لبنان وبتداعياته الاجتماعية والمعيشية. وإذا كان نصرالله قد أبدى "ليونة" انسانية، ولو كلامية حتى الآن، في تعاطيه مع الازمة، فإن طرفي النزاع الحكومي لا يزالان يتكلمان بكل وقاحة عن صلاحيات وحقوق مذهبية، هي في الواقع احتكارات مذهبية على حساب افراد المذاهب. ويُظهر النزاع الحكومي، بشكل فج، الاولوية المطلقة للصراع على السلطة، عند الطبقة السياسية الحاكمة، ولو على انقاض معيشة الناس. وهنا تغيب حتى التلميحات الانسانية عن خطاب المتنازعين على تأليف الحكومة، لتعطي مكانها لـ"حقوق مذهبية" مفترضة، محصورة في الواقع بمصالح أركان السلطة. وربما كانت من المرات النادرة، التي ينكشف فيها الفكر المذهبي على هذا الشكل، بصفته فكرا لا إنسانيا.
لطالما عبّر معظم الشعب اللبناني عن استغرابه واستهجانه لانعدام الحس الانساني عند الطبقة السياسية التي لا تحرك ساكنا فيما شعبها يموت ويُسرَق ويُذَل. وقد طالت الانتقادات "حزب الله" اكثر من غيره، بسبب تحميله مسؤولية عزل لبنان عن العالم وانفجار المرفأ وتهريب السلع الى سوريا، فضلا عن حماية سلطة انتفض عليها شعبها. كما ان هناك اعتقادا عاما ان الذي يمنع تشكيل الحكومة في الواقع هو "حزب الله"، لربطه المسألة بالمفاوضات الاميركية- الايرانية.
لا اعرف الى اي حد يمكن اعتبار الموقف "الانساني" الاخير لنصرالله، تجديدا في فكره الديني، ام دفعا في إتجاه تأليف الحكومة، من خلال التحجج بمعاناة الناس، للضغط خاصة على حلفائه الذين يساهمون في عرقلة التأليف. لعل الازمة التي يمر بها لبنان والمعاناة البشرية الكبيرة التي نتجت منها، وإستحالة الاستمرار بالمنطق "الحزبي الديني" من دون المس بصدقية هذا المنطق بالذات، هو ما جعل نصرالله "يطعّم" فكره ببذور الفكر الانساني. او ان المسألة في مكان آخر.
كان كارل ماركس يعتقد ان اجر العامل بالنسبة للرأسمالي، هو هذا الحد الادنى من المال الذي يسمح للعامل بأن يجدد قواه ويبقى على قيد الحياة ويستمر في العمل عند الرأسمالي. فإذا انخفض هذا الحد الادنى اكثر من ذلك عجز العامل عن المحافظة على قوة عمله التي يحتاجها الرأسمالي لمراكمة الارباح. وتقول النصيحة الشعبية بهذا المعنى "لازم تضل تطعم البقرة حتى تستمر في حلبها".
ربما تنبه نصرالله الى ان البقرة على وشك ان تموت من قلة الأكل، هو الذي شهد الذل اللاحق باللبنانيين في هذه الايام الاخيرة، امام المستشفيات والمختبرات والصيدليات ومحطات الوقود. ولعله تنبه الى ذلك اكثر من غيره من الطبقة السياسية، لأنه هو من يحكم البلد ومن مصلحته ان يبقى البلد قادرا على الاستمرار، حتى يستمر حزبه في حكمه. فيما الزعماء الآخرون، الذين يعرفون جيدا انهم مجرد اتباع، لم يعد يهمهم الا تناتش الفتات، طالما ان مصير البلد ليس بأيديهم.
 
 
 
 

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم