السبت - 19 حزيران 2021
بيروت 25 °

إعلان

الاقتصاد البنفسجي للخروج من الأزمة: لبننة الاقتصاد

المصدر: النهار
من مشاهد محطات الوقود المقفلة. (تصوير نبيل اسماعيل)
من مشاهد محطات الوقود المقفلة. (تصوير نبيل اسماعيل)
A+ A-
 
 
د.أيمن عمر- كاديمي وباحث في الشأن الاقتصادي
 
ما هو الاقتصاد البنفسجي؟
هو أحد مجالات وفروع علم الاقتصاد الحديث خارج الإطار التقليدي للاقتصاد الجزئي والكلي، وهو يقوم على البُعد الثقافي للاقتصاد بحيث تتداخل الثقافة بالاقتصاد في علاقة تبادلية تفاعلية، وهو نموذج يعتمد على الثقافة للخروج من الأزمات الاقتصادية وخلق نموذج اقتصادي جديد يعتمد على البيئة الثقافية للمجتمع وإنشاء أنشطة إنتاجية وعمليات استثمارية ومحددات استهلاكية وفق الثقافة المجتمعية لتحقيق التنمية المستدامة. يدخل الاقتصاد البنفسجي في صميم الاقتصاد المستدام والتنمية المستدامة وأحد مكوناته الثلاثة وهي: الاقتصاد البيئي الذي يعنى بقضايا البيئة، الاقتصاد المجتمعي الذي يتناول كل قضايا المجتمع والاقتصاد البنفسجي وعماده ثقافة المجتمع.
 
نشأته
ظهر هذا المصطلح أول مرة في فرنسا في العام 2011 في الوثيقة التي نُشرت في صحيفة "لوموند" الفرنسية (Le Monde) من المنظمين لأول منتدى دولي حول الاقتصاد البنفسجي برعاية كل من منظمة اليونيسكو والبرلمان الأوروبي والمفوضية الأوروبية. ثم نشرت أوّل مجموعة عمل مشترك بين المؤسسات استنتاجاتها حول الاقتصاد البنفسجي في عام 2013 بقيادة اليونيسكو ومنظمات أخرى. وقد تميز التقرير بإشارته إلى الأعمال البنفسجية التي ترتبط مباشرة من حيث الغاية بالمحيط الثقافي مثل تحويل منزل قديم إلى متحف، والمهن البنفسجية وهي المهن التي تتكيف مع الثقافة. وهنا يظهر الارتباط الوثيق بين الاقتصاد وقيم المجتمع وثقافته مما يعطي الدافعية والحوافز المجتمعية للنهوض الاقتصادي من خلال التفاعل الإيجابي النشط للسلوك الإنساني الإنتاجي والاستهلاكي المبني على منظومة القيم المجتمعية.
 
الثقافة الاقتصادية: من هنا الخلل
منذ نشأة الجمهورية اللبنانية قام الاقتصاد اللبناني على مقومات عدة طبعت الحياة والنشاطات الاقتصادية فيه لعقود، وصبغته بهوية اقتصادية رسخت لثقافة اقتصادية طابعها العام الليبرالي بمبادئه النفعية البحتة التي تعظم المصلحة الخاصة والشخصية على أي منفعة عامة. هذه الثقافة الاقتصادية بانعكاساتها الاجتماعية تقوم على:
 
- تقديس القطاع الخاص وتمجيده: فتولد عنها غياب دولة الرعاية الاجتماعية وخلل في توفير شبكة الامان الاجتماعية للأسر والأفراد والمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة، مما جعل المجتمع اللبناني وبخاصة العائلات الفقيرة عرضة للخلل في أمنهم الصحي والاجتماعي.
- الحرية المطلقة للمبادرة الفردية من دون أي عقبات أو قيود مما أنتج احتكارات وكارتيلات في القطاعات كافة دون استثناء، جعلت هذه القطاعات رهينة بمطامع ومصالح حيتان المال المتوحشين الذين لا يهمهم أي اعتبارات إنسانية أو مجتمعية.
- طلب الربح السريع بجهد أقل ومردود عالٍ: لذلك توجهت معظم الرساميل إلى الريع المالي في المصارف بغية العائد المضمون دون عناء، وبذلك تجمدت الرساميل دون ضخها في الماكينة الاقتصادية فتأثرت القطاعات الإنتاجية وفرص العمل. وقد وصلت الودائع حدّ 180 مليار دولار.
- الاعتماد على التحويلات من الخارج: وقد ساهمت الفورة النفطية في سبعينيات القرن الماضي واجتذاب العمالة اللبنانية إلى دول الخليج في اعتماد أكثر من 400 ألف عائلة على هذه التحويلات، علاوة على المال السياسي الذي كان يُضخّ في تكوين سيولة لا بأس بها من الدولارات، والتأثير الإيجابي في ميزان المدفوعات.
- الدولرة: الخلل الذي أحدثه تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية في ثمانينيات القرن العشرين أفقد الليرة اللبنانية العنصر الأساسي لأي عملة وطنية وهو الثقة بها. فتم التحول للتعامل بالدولار في معظم المعاملات الداخلية بحيث حلّ الدولار محل الليرة كمقياس للقيمة بالدرجة الأولى وأداة للادخار، فسلخ الاقتصاد عن عملته الوطنية بما يعرف باسم الدولرة.
- المحاكاة الاستهلاكية: من أسوأ الآفات المجتمعية تقليد العائلات والأفراد لبعضهم البعض في نمط مستوى المعيشة من دون الأخذ بعين الاعتبار المستوى الاجتماعي والقدرة الشرائية للمداخيل. وهذه الآفة منتشرة بوضوح في المجتمع اللبناني في كل الطبقات الاجتماعية، فتحوّل المجتمع استهلاكياً يفوق طاقاته وموارده المالية المتاحة.
- تبجيل الأجنبي والمستورد: إن شراء الماركات العالمية والتبجّح بها هي عادة متأصلة في عاداتنا الاستهلاكية وموجّه أساسي في خياراتنا الشرائية وفق قاعدة "كل شي فرنجي برنجي"، والتباهي بهذا الأمر للتلميع والتفاخر "البرستيج". فانطفأت شعلة تنمية إنتاجنا المحلي وازدياد الاستيراد والعجز الكبير في الميزان التجاري.
 
أزمة أخلاق وثقافة: الاقتصاد الأسود
لطالما اضطلعت ثقافة الأمة من منطلقات حضارية تاريخية بدور كبير في نهضة دول حديثة جعلتها في مصافّ الدول الصناعية المتطورة ومثالها اليابان والصين. وإذا قمنا وفق التحليل الاقتصادي بثبات العوامل الاقتصادية والسياسية في الأزمة الاقتصادية والمالية، فإن من أهم العوامل التي ساهمت في تعميق الأزمة إلى حدّ الانهيار هي منظومة القيم الأخلاقية والثقافة الاقتصادية الآنفة الذكر. إن الجشع والطمع والربح السريع كرست أكثر وأكثر من معاناة الاقتصاد اللبناني القائم على الدولرة والاحتكارات والاعتماد على التحويلات الخارجية، فرسّخت الاقتصاد الأسود كاقتصاد أساسي في الحياة العامة من تهريب السلع المدعومة إلى الخارج، تفريغ السلع المدعومة في أكياس عادية لبيعها بأسعار مرتفعة وجني الأرباح المضاعفة، المضاربات في صرف الليرة اللبنانية، احتكار بعض السلع لرفع أسعارها وغيرها من الأنشطة السوداء النابعة من قلوب سوداء التي غيّبت إنسانيتهم في نفق مصالحهم السوداء.
 
المهن والقطاعات البنفسجية اللبنانية
إن المهن البنفسجية في الاقتصاد الحديث هي الخيار الملائم في الأزمة اللبنانية كعنصر مساعد في الخروج من الأزمات وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، وهي المهن النابعة من ثقافة المجتمع وتاريخه وتراثه الثقافي ومقوماته الطبيعية. لذلك، فإن أي خطة مالية واقتصادية لا تتضمن في طياتها مكونات الاقتصاد البنفسجي وفق البيئة اللبنانية هي خطط قاصرة وقصيرة الأجل، وستتولد الأزمات من جديد عند كل اهتزاز. ثمة العديد من المهن يمكن الاعتماد عليها لإحياء الإنتاج الوطني اللبناني والتي اشتهر بها، منها: صناعة المفروشات والأثاث المنزلي، الأحذية، الثياب وبخاصة الجينز، النحاسيات، الصناعات الغذائية، العطور ومستحضرات التجميل، الصابون ومواد التنظيف وغيرها. ولا بد من استنهاض قطاعات حيوية هي ركن الاقتصاد والمالية العامة ويأتي في مقدمتها القطاع السياحي يليه القطاع الصحي (مستشفى العرب) والقطاع التعليمي (جامعة العرب)، كل ذلك مع قطاع مصرفي متين. وبفعل الموقع الجغرافي والحضار الفينيقية، فإن إعادة لعب دور الترانزيت يتناسب جداً مع التاريخ والموقع، من هنا وجوب تفعيل دور المرافئ اللبنانية (إعمار مرفأ بيروت وفك الحصار عن مرفأ طرابلس وتطوير مرفأي صيدا وصور) وبخاصة في ظل الأهمية المتزايدة للمرافئ في الصراعات والمصالح الدولية.
 
إن ما يختزنه الإنسان من مخزون ثقافي تراكمي هو المحدد الأول لسلوكياته، وإن السلوكيات الاقتصادية لأي مجتمع من المجتمعات نابعة من ثقافة هذا المجتمع وقيمه الإنسانية ومنطلقاته الفكرية التي تنعكس على السلوك الإنساني في المجالات كافة ومنها الاقتصادية.
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم