الإثنين - 25 تشرين الأول 2021
بيروت 22 °

إعلان

القاضي البيطار versus المافيا والميليشيا

منى فياض
من اعتصام لأهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت أمام قصر العدل احتجاجاً على كفّ يد المحقّق العدليّ القاضي طارق البيطار (مارك فياض).
من اعتصام لأهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت أمام قصر العدل احتجاجاً على كفّ يد المحقّق العدليّ القاضي طارق البيطار (مارك فياض).
A+ A-
حكمة اليوم
"ما خفي حقّ إلّا لشدّة ظهوره"
ابن عربي

أخيراً انتصر القضاء في جولته الأولى في لبنان.

لم ترهبه التهديدات العلنية التي حرص وفيق صفا، المسؤول الأمني في "حزب الله"، على نقلها للقاضي البيطار ونشرها على الملأ. مع أنّ الحزب يؤكد دائماً أن لا صلة له بالمرفأ. لكن أمام ردّة الفعل العارمة التي أثارها هذا التهديد، ارتأت أوساط الحزب تمرير تسريبات تفسّر لماذا "اضطرّ" مسؤولها الأمني للقيام بذلك! فنقلت الصحف أنّ "السبب الرئيسي لزيارة رئيس وحدة التنسيق والارتباط في "حزب الله" وفيق صفا إلى العدلية في 19 أيلول، هي معلومات وصلته عن أنّ المحقق العدلي القاضي طارق البيطار بصدد الادّعاء على قيادات صفّ أول في "حزب الله" وهي كناية عن 3 أسماء من بينها صفا نفسه".

أليس هو عذر أقبح من ذنب؟ ألا يعني ذلك أنهم يعتبرون أنفسهم فوق القضاء؟ كما هم فوق لبنان ودستوره وقوانينه!

منذ عقود ننتظر هذه اللحظة التي يتجرّأ فيها قاضٍ على وضع القانون فوق الجميع. خصوصاً بعد ردّ محكمة التمييز.

4 قضاة ومئات الضحايا المغتالين والمقتولين غدراً، لا تزال ملفات التحقيق بقضاياهم فارغة.

تهديد القضاء ومحاولة تعطيله ظاهرة عالمية. فبين القضاء والمافيا، حرب دائمة مفتوحة. كحروب المائة عام. لكن لم تنجح مافيا أو ميليشيا في العالم كله بلجم القضاء وإرهابه كما نجحت في لبنان طوال قرابة الخمسين عاماً.

فمنذ أن اعتُمِد الاغتيال، في لبنان السبعينيات، من قبل أنظمة البعث وخصوصاً السوري، كأداة للتخلص من الأعداء والمنافسين السياسيين للتحكم والسيطرة، لم يكشف القضاء اللبناني عن أيّ جريمة. اللهم سوى تلك التي ألصقتها السلطات الحاكمة بأعدائها، على غرار الحكم على سمير جعجع في مطلع التسعينيات وسجنه.

لا شكّ أنّ التحقيق في جريمة المرفأ - أكبر انفجار غير نووي في التاريخ - الذي يتولّاه البيطار يعدّ من أخطر التحقيقات لقاضٍ في جرائم المافيا الميليشياوية. لأنه لا يهدّد فقط المصالح المحلية، بل له امتدادات تطال بعض الدول الإقليمية والدولية أيضاً.

وهذا يضع مسؤولية كبرى غير مسبوقة على قاضٍ فرد لا يملك سوى شجاعته التي تتنافس مع نزاهته في خدمة المنصب القضائي الذي يتولاه.

لقد طال انتظار الشعب اللبناني لظهور مثل هذا المثال - البطل. من هنا المسؤولية المزدوجة في حمايته التي تقع على الشعب اللبناني أولاً لتكوين كتلة حرجة ضاغطة للدفاع عن القاضي والقوانين، وأيضاً على المجتمع الدولي الراغب بتخليص لبنان من الجحيم الذي يغرق فيه من دون توقف ثانياً.

جميعنا نذكر ملاحم القضاء في العالم مع المافيا. وخصوصاً في إيطاليا حيث يعدّ القضاء من أخطر المهن، لأنه ملاحق دائماً من المافيا التي سبق وقتلت القاضي الشهير جيوفاني فالكوني في العام 1992 ولا يزال الإيطاليون يحيون ذكراه في كل عام. فهو كان السيف المسلط على المافيا التي تمكّنت من قتله عندما كان يحقّق في منظمات الجريمة المالية وعلاقة السياسيين بها. تمّ تفجيره على طريق سريع بالرغم من الحماية المشدّدة التي رافقته عشر سنوات قبل اغتياله. كان يعمل خلالها في قبو مضادّ للقاذفات. كان يؤمن بأنّ الواجب هو القانون الأعلى.

أما القاضية الكولومبية كونسويلو سانشيز، التي تجرّأت على إصدار حكم توقيف المجرم المافيوزي الشهير إسكوبار في الثمانينات، فقد اضطرّت إلى اللجوء إلى الولايات المتحدة وتغيير هويتها لتعيش تحت اسم مستعار هرباً من انتقام المافيا التي هدّدت حياتها.

البعض يسفّه عمل المحكمة الدولية من أجل لبنان. منهم عن سذاجة وحسن نية، ومنهم عن سوء نية. الذرائع: المحكمة لم تُشر إلى المحرّض، ولم تذكر "حزب الله" أو سوريا، ولم ولن تنفّذ الأحكام... ذرائع واهية القصد منها تيئيس اللبنانيين من إمكانية تحقيق العدالة في لبنان. المحكمة الدولية نموذج إرشاديّ فتحت الطريق وعيّنت الجهة المسؤولة. التوصّل لمحاكمة النازيين وأشباههم تطلّب عشرات السنين. لكنها تحققت في نهاية الأمر.

ترمز المحكمة الدولية وما صدر عنها إلى بدء العدّ العكسي لزمن "الإفلات من العقاب"، المتحكّم بالمنطقة. تقول إنّ أوان إنهائه قد حان انطلاقاً من لبنان، منصّة الحريات و"البلد الرسالة" الذي يجب أن يكون بلد إحقاق الحقّ والمساواة أمام العدالة لتحقيق الأمن الاجتماعي. هدف العدالة الأمن الاجتماعي وليس فقط العدالة المجرّدة.

ومن هنا يُعدّ تدخّل السياسيين عموماً و"حزب الله" خصوصاً بمجرى العدالة، خرقاً لمبدأ المساواة الأساسي، فيضرب العدالة في صميمها. العدالة، بحسب جون راولز صاحب كتاب "نظرية في العدالة" أو العدالة كإنصاف، آخر كلاسيكيات تاريخ الفلسفة السياسيّة والأخلاقيّة، هي التزام فلسفي بالكونية الأخلاقية والقانونية التي تحقّق المساواة والكرامة لكلّ إنسان. إنّ الترتيبات الاجتماعية البشرية يجب أن تكون مبنيّة على مبادئ العدالة والتضامن كما على أولوية المساواة. إنّ الفصل بين العدالة والمساواة، يُفقد العدالة قيمتها ويجعل منها مجرّد انتقام.

العدالة آتية لاشكّ، لكن المسؤولية الملقاة على أهل الثورة عظيمة على قدر الجريمة المراد طمسها.

يورد David Brooks في كتابه "الحيوان الاجتماعي"، تجارب تبرهن أنّ الطفل الرضيع بعمر 6 أشهر لا يحتاج أن نعلّمه التعامل بإنصاف. فهو يعترّض بشدّة أمام اللاعدالة. نحن كبشر لا أحد يعلّمنا أن نتعاطف مع شخص حزين لفقد ابنه، مقابل عدم التعاطف مع شخص حزين لفقد سيارته المازيراتي...

إنّ ردّ فعلنا على مشهد معيّن يحصل بشكل مباشر ولحظوي. عدد من العلماء يعتبر أنّ الإدراك الأخلاقي قريب من الإدراك الجمالي والحسّي، وأنه ينبثق من نفس المناطق في الدماغ. لنفكّر بالذي يحصل عندما نضع في فمنا طعاماً جديداً. أنتم لا تقررون أنه مقرف. تشعرون بذلك مباشرة. الأحكام الأخلاقية هي من نفس هذه الطبيعة نوعاً ما. إنها تقييمات حدسية ومباشرة. ومنها القرف والخجل والارتباك أو الاحمرار... كلها انعكاسات.

من يفقدها يفقد إنسانيته.

وعلى ما نقل مكرم رباح عن الإمام عليّ: "إذا رأيت الظالم مستمراً في ظلمه فاعرف أنّ نهايته محتومة. وإذا رأيت المظلوم مستمراً في مقاومته فاعرف أنّ انتصاره محتوم".
 
نُشر على موقع "الحرّة"
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم