الإثنين - 21 أيلول 2020
بيروت 27 °

قادة لبنان... ألقاب بلا قيادة

المصدر: "النهار"
تصوير نبيل إسماعيل.
تصوير نبيل إسماعيل.
A+ A-
 
كتبت جيسي المرّ...  
 
"المسؤول عن ارتكاب هذه الجريمة بحقنا لا مكان له بيننا، ولا مكان في بلدنا لهذا النوع من التطرف والعنف غير المسبوق".
تصريح تاريخي أدلت به رئيسة وزراء نيوزيلندا – بلد يسكن فيه نحو 5 ملايين نسمة- متوجهةً لشعبها بعد ساعات معدودة على أسوأ هجوم إرهابي شهدته بلادها في آذار/مارس 2019.
المتهم كان قد اقتحم مسجدَين بأسلحة رشاشة في هجوم غير مسبوق على مسلمين، وبَثَّ هجومه مباشرةً على فيسبوك مودياً بحياة 51 شخصاً في اعتداء إرهابيٍّ هزّ الرأي العام العالمي.
وفي اليوم التالي، توجهت أصغر رئيسة وزراء في تاريخ البلاد- منذ 150 عاماً- إلى الجالية المسلمة، وقد غطّت رأسها بوشاح أسود، لمواساة عائلات الضحايا بشكل شخصي، ولتسألهم عن احتياجاتهم وسبل الدعم التي يقترحونها، وشرعت بتوفيرها وتمرير قوانين أكثر صرامة للحد من قدرة الأفراد على حيازة الأسلحة؛ لتتحول جاسيندا أرديرن إلى واحدة من أكثر القادة شعبية في العالم بسبب قدرتها على تجسيد ألم وطن ومخاطبةِ شعبٍ غاضبٍ يطالب بالعدالة. وصدر الحكم بالسجن المؤبد بحق المتطرف الإرهابي الأوسترالي دون إمكانية الاستئناف. (العقوبة الأقصى حسب القانون، وهي المرة الأولى التي تنفذ في تاريخ البلاد).
لم ولن أقارن بين لبنان ونيوزيلاندا، فشتّان بين الدولتين، ولكن بعد أضخم تفجير هزّ كيان وتاريخ لبنان وأودى بحياة نحو 200 شخص وآلاف الجرحى، وهدم نحو 300 ألف منزل وباب رزق، وفيما انشغل اللبنانيون بهول الكارثة والصفعة النفسية والمادية التي تلقوها في أسوأ مرحلة يمر بها لبنان في تاريخه الحديث، بحثتُ ولم أجد تصريحاً حازماً غاضباً واحداً لقائد لبناني خرج ليُطمِئن أو يتحمّل مسؤولية، أو يعتذر أو يشرح أي وقائع عن الكارثة في مرفأ بيروت؛ وهذه مأساة من نوع آخر لغياب أدنى ميزات القيادة وقت الأزمات (وخارجها).
بعض التصريحات المتأخرة التي استوقفتني والصادرة عن فخامتهم ورئاستهم وسيدهم ومعاليهم وشيخهم وسعادتهم وأستاذهم ودكتورهم وبيكهم بعد عدة أيامٍ من تفجير 2700 طن (أو ربما أقل) من نترات الأمونيوم في مرفأ بيروت: 
الرئيس ميشال عون: "ما إلي صلاحية أتعاطى مباشرة مع المرفأ" (خلال مؤتمر صحفي).
أمين عام حزب الله حسن نصرالله: "نحن لا ندير ولا نسيطر على المرفأ ولا نتدخل فيه ولا نعرف ماذا يجري أو ما يوجد فيه" (في خطاب مباشر).
الرئيس حسان دياب: "أنا وعدت اللبنانيين أنني لن أقبل أن تمر الكارثة دون محاسبة المسؤولين... التحقيق لن يطول وسيشمل كل المعنيين" (في مؤتمر صحفي).
رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل: "السؤال ليس عن سبب تواجد النترات هناك، بل كيف اشتعلت" (خلال مقابلة على قناة بي بي سي).
الرئيس السابق سعد الحريري: " ضرورة تشكيل لجنة تحقيق دولية أو عربية" (تصريح بعد اجتماع رؤساء الوزراء السابقين).
الرئيس نبيه بري: "لا بد من إجراء الإصلاحات المطلوبة، وأنا من جهتي الآن أكثر تصلباً في إجرائها فوراً" (وسائل إعلام محلية). 
رئيس حزب القوات سمير جعجع: "استقالاتنا في جيوبنا" (خلال مؤتمر صحفي).
النائب وليد جنبلاط: "...إذا قدمنا استقالتنا، وفق أي قانون ستجري الإنتخابات مجددا؟ ما هو القانون الجديد؟ نطالب بقانون لا طائفي على أساسه يكون الترشيح العام" (خلال لقاء مع قناة الحرة).
تصريحات متنصّلة، متقلبة تارةً وغامضةً تارةً أخرى، ووعود مترددة، تنفي أي نوعٍ من العلم والخبر والمسؤولية والاطلاع والسيطرة على الوضع، وتضع جميع قادة لبنان (الممثلين الرئيسيين) في صفوف الشعب المنكوب (المشاهدين) أو الحاضرين لمسرحية هزلية مستمرة تحول فيها لبنان وشعبه إلى "صندوق فرجة" دولي. كل هذا مع رفضهم التنحي جانباً.
في قواعد إدارة الأزمات، على القائد أن يثبت 3 مهارات أساسية:
1. القدرة على التعاطف مع الشعب: ليس بالخطابات الرنانة فحسب بل بالتواجد الميداني والمتواصل عبر فرقٍ وخطط ٍ لخدمة الناس وإزالة الركام وتوزيع المساعدات والمباشرة ببناء ما تيسر والدعم المعنوي والنفسي والمادي.
2. مهارات التواصل: عبر طمأنة شعبه وتعزيز الثقة المتبادلة واطّلاعه وبشكلٍ يوميٍ بمساعي إدارة الأزمة (إنسانياً، قضائياً، اقتصادياً وسياسياً).
3. صناعة القرار: عبر تحديد الأولويات واتخاذ القرارات المصيرية وتنفيذها لاستعادة ولو جزءٍ من الثقة بينه والشعب حتى إذا اقتضت بطلب المساعدة من المجتمع الدولي.
مهارات قيادية فشلت الطبقة الحاكمة الحالية والسابقة في إثباتها. لا بل شرع البعض من قياداتها إلى لغة التهديد والوعيد (من بينها رفع الدعم عن السلع، والإيحاءات حول مواجهات في الشارع) واستعانوا بالأوراق المهترئة من الحقبة الطائفية عبر افتعال الفتن والحرائق وإفلات الجماعات المسلحة هنا وهناك.
من مجريات التحقيق في تفجير مرفأ بيروت - إلى ملف التدقيق المالي والجنائي والشكوك حول العقود الموقّعة وطريقة تمريرها - إلى زيارة الرئيس الفرنسي التي وُصفت بزيارة الناظر ليوبّخ طلابه على مناكفاتهم - إلى زيارة زعيم حماس اسماعيل هنية لبيروت رغم الرفض الرسمي لزيارته (حسب وسائل إعلام محلية)، وصوره محمولاً على أكتاف اللاجئين الفلسطينيين ليلعب دوراً شعبياً مسرحياً ويمرر رسائل مبطنة وعلنية محلية ودولية، ويهدد اسرائيل مباشرةً من لبنان بالصورايخ... نجح قادة لبنان وبجدارة في إثبات مهارة فريدة: غزارة بالألقاب وانعدام النية والقدرة على قيادة سليمة لشعبٍ منكوبٍ يستمر يومياً في دفع ثمن فسادهم المستشري.

 

 * صحفية ومدربة إعلامية معتمدة