الأربعاء - 12 أيار 2021
بيروت 24 °

إعلان

بين يسار الويسكي والنفتالين، ويمين اللحم بعَجين!

المصدر: "النهار"
"لا يسار ولا يمين في بلادنا بل ويسكي، ونفتالين، ولحم بعجين" (تصوير نبيل إسماعيل).
"لا يسار ولا يمين في بلادنا بل ويسكي، ونفتالين، ولحم بعجين" (تصوير نبيل إسماعيل).
A+ A-
يوسف رامي فاضل
 
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ذهبت معظم الأحزاب اليمينية واليساريّة إلى ورشةِ تحديثٍ تطال الأبعاد العقائدية والتنظيمية، ما جدَّد مفاهيم "اليسار واليمين" في الخطاب وفي الممارسة السياسيّة. فذهبت الأحزاب اليمينية إلى التحرر التدريجي من الخطاب القومي، الطائفي والعنصري المتطرّف لمصلحة الخطاب الثقافي والأخلاقي والوطني، كما ذهبت الأحزاب اليسارية من النزعة الأممية الشمولية اللاغية للخصوصيات، إلى ممارسة سياسية تهدف لتعزيز كرامة الفرد ما تجلى في النشاطات النقابية وفي القوانين الداعية للعدالة الاجتماعية.
 
توقفت هذه الورشة بعض الشيء بسبب الحرب الباردة بين قطبي: الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي، لتنطلق من جديد بعد سقوط جدار برلين وتفكّك الاتحاد السوفييتي. ليشهد العالم استكمالًا لورشة التحديث في الأحزاب اليمينية واليسارية على حدٍّ سواء، وانكسرت الصورة النمطية التي حملتها هذه الأحزاب لفترة طويلة، فما عادت كلمة "يساري" تشير بالضرورة إلى مناصرٍ للشيوعية ولا عادت كلمة "يمينيّ" تشير بالضرورة إلى مناصرٍ للفاشية أو الرأسمالية! 
 
هذا ما حصل في العالم القابع خلف أسوار فينيقيا العظمى، أما في لبنان فلا تزال الأحزاب اليسارية واليمينية في حقبة ثلاثينيات القرن العشرين، دون أي تحديث للخطاب أو الممارسة بل على العكس ذهبت أحزابنا إلى الانحدار بالمفاهيم إلى ما قبل العصر الحجريّ، ففي الوقت الذي ترى فيه حزب اليسار السويدي vansterpatiet يسعى إلى تشريع قوانين محاربة خطاب الكراهية وقوانين العمل التي تلحظ العلوم الإنسانية، ونرى أيضاً الأحزاب النيويسارية في اميركا اللاتينية تتبنى مواقف لاهوت التحرير في الدفاع عن قضايا المجتمع، نرى أحزابنا اليساريّة تتحول إلى حرّاس سمعة الحزب الأكثر طائفية ويمينية في لبنان ألا وهو حزب الله، لدرجة أنه في معظم الأحيان يكون الفارق الوحيد بين المحازب اليساري والمحازب الحزبلَّاوي هو أن اليساري يعاقر الويسكي ويتمتع بموهبة نادرة في حفظ العقائد البالية في دماغه مع القليل من النفتالين! 
 
مؤسفٌ هذا الدرك الذي وصل اليه اليسار اللبناني بعد أن كان من طليعة الجهات التي أمدَّت مجتمعاتنا بدينامية سياسية جديدة، لكنه في نهاية المطاف غرق في الحرب اللبنانيّة ولم يتحرر من ذاكرة أفراده ولا من تحالفاته المميتة خلال حربنا الطويلة فذهب في "أُمَمِيَّتِه" إلى حدود تبنّي الطروحات الناسفة للكيان اللبناني على حساب ما أسماه "القضايا العظمى"، فلا استطاع الفوز في مواجهاته العالمية ولا استطاع الإرتقاء بخطابه وعقائده، بل وساهم في خلخلة البنيان اللبناني وفي ايصالنا الى الحالة الجهنّمية التي نقبع فيها.
 
في الجهة المقابلة عند أحزاب اليمين، ترى معظم الأحزاب اليمينيّة في أوروبا والعالم تذهب إلى الدعم الواسع للديمقراطية الليبرالية، واقتصاد السوق وحقوق الملكية الفكرية والرعاية الاجتماعية، ونبذ الحركات اليمينيّة التي تحرِّكها الكراهية. وفي الوقت الذي يحاول فيه حزب النداء الديمقراطي المسيحي الهولنديCDA  تشريع القوانين التي تعنى بالبيئة والتعليم والعمل، نرى الأحزاب اليمينيّة في لبنان تتوجّه إلى محاولة إنعاش الأجساد الميتة للعقائد الفاشية، من الحزب النازيّ بنسخته القومية السورية، إلى كتائب فرانكو الإسبانية بنسختها المحليّة، مرورًا بكل ما استنسخ الإسلام السياسي اللبناني من عقائد دينية يمينية تبدأ مع التيارات الوهّابيّة ولا تنتهي مع أحزاب نظام ولاية الفقيه الإيراني وأبرزها حزب الله. والمثير للدهشة هي الظاهرة التي نراها لدى الكثير من الأفراد المسيحيين وأحزابهم إذ يربطون بين انتسابهم المزعوم لليمين وبين تفوقهم المجتمعي الطبقيّ، فتخالهم يملكون الملايين في المصارف العالمية وينتمون إلى البورجوازية العالمية، في حين انهم أهملوا أهمّ ما في اليمينية من نظامٍ أخلاقيّ ومن أسسٍ للهوية، ومن الحفاظ على التاريخ والتراكمات الثقافية، واكتفوا بالصورة النمطية عن يمينية لبنان وشعاراتها المبتذلة، فذهبوا إلى متاهة الانتماء بين الأحلاف الأقلوية والنظريات العرقية الخيالية في عالم السياسة التي تبدأ بالفينيقية وتمرّ بالكنعانية ولا تنتهي بالسريانيّة!
 
فأصبح اليمين اللبناني منقسمًا بين يمينٍ إسلاميٍّ يعيش ذروته وأقصى فانتازياته مع حزب الله على حساب الوطن، وبين يمينٍ مسيحيٍّ يعيش خيباته المتلاحقة دون أي اعتبارٍ للتاريخ، وهو كاليسار اللبنانيّ غارق في الحرب اللبنانية البغيضة التي لم يستطع تطهير ذاكرته منها ولا فصل ممارسته السياسية عنها!
بل أصبح اليمين اللبناني صنمًا لم ينتج عن رؤيته للبنان الجديد سوى اللحم بعجين والأرقام القياسية في اكبر صحن حمّص وأعرض كبايّة ليموناضة وأطول أوف! بالإضافة إلى بعض الكاريكاتورات حول حملاتهم الصليبية المستجدّة!
 
خلاصة القول أن لا مفهوم اليمين واليسار لا ينطبق في لبنان ولا الأحزاب اللبنانية تتعاطى السياسة انطلاقًا من يمينيتها أو يساريتها، بل على الأغلب انطلاقًا من مصالحها وتخلّفها التاريخي عن اللحاق بتطور المفاهيم السياسية العالمية! بالتالي صحيحٌ أن لا حياة سياسية دون أحزاب، ولكن معظم أحزابنا لا تنطبق عليها معايير العمل والنظام الحزبي! بالتالي لا حياة سياسية طبيعية في لبنان مع هكذا احزاب لا تنتمي إلا إلى متاحف الكوارث بأفضل الأحوال!
 
فلا يسار ولا يمين في بلادنا بل ويسكي، ونفتالين، ولحم بعجين!
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم