الأحد - 16 كانون الثاني 2022
بيروت 13 °

إعلان

"أحفاد هيلاري كلينتون"والحريق العالمي... هل تبتلع الصين "الطعم الأميركي"؟

عنصران من الحرس الوطني الأميركي أمام نصب واشنطن (تعبيرية- أ ف ب).
عنصران من الحرس الوطني الأميركي أمام نصب واشنطن (تعبيرية- أ ف ب).
A+ A-
محمد حسين أبو الحسن

الصراع ليس جديداً على طبيعة البشر، إنه تيمة مصاحبة لتاريخهم على الأرض، يكشف عن أنانيتهم وتنافسهم الدموي، وبينما تدعو العقائد الدينية إلى التسامح والتعاطف، يهيمن مبدأ داروين "البقاء للأقوى" على روحانيات العالم، ومن ثمَّ لا مفاجأة في أن القوة الخشنة والناعمة تنحت ملامح هذا العالم، عبر الصراعات والحروب الساخنة والباردة بين القوى الساعية للهيمنة. أثبت الجنرال اليوناني ثوسيديدس - منذ أكثر من ألفي عام - أن الحرب نتاج تلقائي لخوف قوة مسيطرة من صعود قوة منافسة، مثل "الحروب البيلوبونيسية" الطاحنة بين إسبرطة وأثينا، وقد صك غراهام إليسون أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد مصطلح "فخ ثوسيديدس"؛ للدلالة على خطورة الصراع الراهن بين الولايات المتحدة والصين، مبيناً أنه زلزال جيوسياسي عالمي، لا أحد يستطيع التنبؤ بتوابعه.

سادت منذ الأزل فكرة صراع الآلهة، وصراع الإنسان مع الطبيعة، ثم انتقل الصراع ليصبح بين الكنيسة والدولة، ولمّا تشكلت الدول القومية نشب صراع بين تلك الدول، وصولاً إلى الحربين العالميتين وحتى اليوم. وبسقوط الاتحاد السوفياتي، شعر الغرب بفراغ عميق؛ ولرأب الفراغ سعى إلى إيجاد أساس جديد للصراع، ووجد ضالته فى نظرية صدام الحضارات، وأبرز مخرجاتها الصراع المحتدم حالياً بين الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً، مع "العملاق الأصفر"... ذات مرة قالت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون: "لا أريد لأحفادي أن يعيشوا في عالم يسيطر عليه الصينيون!"، في حين قال الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما: "يجب علينا أن نكون حازمين حيال تصرفات الصين التي تقوّض من المصالح الدولية، وإذا نظرنا لكيفية عملنا في بحر الصين الجنوبي، فإننا كنا قادرين على استنفار معظم آسيا لعزل الصين، بطرق فاجأت الصينيين، وخدمت مصالحنا في تقوية حلفائنا". أما الرئيس السابق دونالد ترامب، فافتعل مشكلات ضخمة مع الصين، مع تعاظم العجز التجاري لبلاده معها، مذكراً بيجينغ أنها تسرق التقنية والوظائف والمصانع من بلاده. أما الرئيس الحالي جو بايدن، فعدّ التنين الآسيوي أكبر تهديد استراتيجي لأميركا.

 
القلق الغربي
أظهر مؤتمر ميونخ للأمن الأخير تباينات في مواقف الدول الكبرى؛ حيال آفاق النظام العالمي، ودور القوى الغربية وغيرها فيه. بعض دول حلف "الناتو" تشعر بالقلق الشديد إزاء مستقبل الغرب والنظام العالمي، وتتوقع تفاقم الصراعات، وتخلخل التحالفات، واحتدام التهديدات، وأعينهم مصوبة على الغريمين الأساسيين: روسيا والصين. ولو وضعنا توجه واشنطن المتعاظم للانسحاب من مناطق كالشرق الأوسط، مثلاً، وتكثيف حضورها في بحر الصين والمحيط الهادي لاحتواء الصعود الصيني وعرقلته إذا لزم الأمر، فإننا نستشف أن الإمبراطورية الأميركية تخشى دخول مسار الأفول؛ أمام شراسة التحدي الصيني، وتحاول احتواء خطر التنين، قبل أن ينفث نيرانه.

ما زالت أميركا أقوى دولة على الأرض... يرجع موقع "أميركيان إنترست" ذلك إلى اقتصادها الديناميكي واستقرارها، والصف الطويل من حلفائها. قبل عشرين عاماً كان اقتصادها 25 في المئة من الاقتصاد العالمي، وتراجع حتى أصبح نحو 20 في المئة، بناتج 18 تريليون دولار، ومعدل نمو أقل من 3 في المئة سنوياً- قبل جائحة كورونا- بينما تشير تقارير البنك الدولي إلى أن اقتصاد الصين ينمو بنحو 7 في المئة سنوياً، بناتج 12 تريليوناً، ما يعني أنها ستكون الأولى عالمياً، بين عامي 2030 و2041.

تنطوي الاستراتيجية الأميركية على أربعة أهداف رئيسة: حماية الولايات المتحدة، تعزيز ازدهارها، السلام من خلال القوة، توسيع نفوذها والحفاظ عليه. وتروم واشنطن ببذل كل ما في وسعها، حفاظاً على مكانتها، اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً وتكنولوجياً، حتى يصبح القرن الحادي والعشرون "قرناً أميركياً" كسابقه... إنه صراع الجبابرة على زعامة الكوكب الأزرق، آلياته: تعاون راسخ وتنافس رهيب، بين أميركا القوة المهيمنة، والصين القوة الصاعدة. المفارقة أن العلاقات الأميركية - الصينية توصف بأنها أهم علاقات ثنائية عالمياً، بينهما حبل سري غير منظور، الميزان التجاري بينهما يفوق 500 مليار دولار، تميل كفته لمصلحة الصين، وهي أكبر دولة دائنة لأميركا ولا تستطيع الأخيرة إيجاد بديل عنها، لسداد فوائد الدين وعجز الموازنة.
 
 
تسجيل النقاط
لكن تسجيل النقاط عرض مستمر بين الدولتين، فقد كشفت فترة رئاسة دونالد ترامب عن مدى زهد العالم في القيادة الأميركية غير المتزنة؛ وكانت تلك أنباء جيدة للصين في لعبة الأمم، حيث برز تناغم ألماني - صيني، يمكن البناء عليه لتدشين كتلة "أوراسيا" الجديدة، لا سيما بعد خروج ترامب من اتفاقات التجارة الحرة عبر الهادي والمناخ وغيرها. بل ذهبت بعض الأصوات في الغرب إلى أن أميركا تسير في المسار الانحداري، وإن بغير رغبتها، وهي لا تزال تعاند الحقائق، والوقائع الاقتصادية العالمية الجديدة، التي تؤكد انتهاء مرحلة تربع الإمبراطورية الأميركية على عرش القرار الاقتصادي والسياسي العالمي، ما يهدد بضمور قوتها على غرار ما حصل للإمبراطورية البريطانية، نظرياً على الأقل، بعدما أصبحت واشنطن غير قادرة على تأمين نفقاتها الأساسية إلا عبر الاستدانة، مثلما ذكر المؤرخ الفرنسي إيمانويل تود في كتابه "نعي القوة العالمية الأميركية"، أو إيمانويل فاليرشتاين في دراسته "هبوط النسر الأميركي"، المنشورة في مجلة "فورين بوليسي"، آب (أغسطس) 2002. كما أشعل الانقسام الداخلي والاستقطاب السياسي الذي تبع الانتخابات الرئاسية 2020 النقاش حول دور أميركا في العالم، بغض النظر عن تأكيد بايدن عودة واشنطن لمقعد القيادة العالمية.
 
 
لكن إلى أي حد تنجح الاستراتيجية الأميركية الرامية للحفاظ على "الريادة" في عالم متغيّر؟
 
 
لا تزال واشنطن تطبّق استراتيجيات الحرب الباردة... في أواخر أربعينات القرن الماضي، وصف جورج كينان الدبلوماسي الأميركي - "مهندس" الحرب الباردة الذي صاغ مبادئ سياسة الاحتواء - الاستراتيجية الكبرى لبلاده أنّها "توحيد عالمنا معاً" مع "زيادة التوترات التخريبية" في عالم العدو. ما زال هذا قائماً ولم يتغيّر كثيراً، ومع أنها استراتيجية لم تفشل؛ لكنها لم تحقق نجاحاً باهراً في الوقت نفسه. بعبارة أوضح، هي سياسات مصممة لعصر القطب الواحد، لا تصلح أساساً لقيام عالم متعدد الأقطاب، كما يتطلع كثير من شعوب الأرض، ومن بينهم الصينيون بالطبع. ترى الصين أن التعددية القطبية قاعدة للسلام العالمي، تضفي الطابع الديموقراطي على العلاقات الدولية، وتؤدى إلى بناء نظام سياسي اقتصادي دولي عادل ومستقر نسبياً وتعزيز التبادلات والتعاون - لذلك يحذر مفكرون صينيون وغير صينيين من "الفخ الأميركي"، مؤكدين أن أميركا تحرص على استدراج الصين واستفزازها وإشعال نوازع الغطرسة وتضخم الذات لديها، إلى حد أن الصينيين أنفسهم باتوا يعتقدون أنهم أصبحوا في مستوى يمكنهم من مقارعة أميركا، بينما الأمور في الواقع ليست كذلك. ويؤكد بعضهم أن الصينيين قد ابتلعوا "الطعم الأميركي" بالفعل!.
 
 
كسر التوازن الاستراتيجي
ويدلل المفكرون على ذلك بكشف بيجينغ، خلال عرض عسكري، لمناسبة العيد السبعين للاستقلال، عام 2019، عن صواريخ وأسلحة متطورة تكسر التوازن الاستراتيجي التقليدي مع الولايات المتحدة، علماً أن ميزانية الدفاع الصينية لا تتجاوز 15 في المئة من ميزانية نظيرتها الأميركية عام 2020، والتي تصل إلى 1.4 تريليون دولار. وعقب العرض العسكري صرح الرئيس الصيني شي جينبينغ أن بيجينغ لن تنحني لأي طرف، وأن العالم لا يحترم إلاّ القوي... في إشارة إلى نفاد صبر الصين، إزاء اتهامات إدارة ترامب بالتلاعب بالعملات وسرقة التكنولوجيا وفرض التعرفات الجمركية على البضائع الصينية. ومن ناحيته، قال تشانغ جون مدير إدارة الاقتصاد الدولي في الخارجية الصينية، إن بلاده لا ترغب في زعامة العالم، لكنها قد تضطر للعب هذا الدور إذا تراجع الآخرون.

هذه التصريحات قد تكون مفتاح استشراف الموقف الصيني للسنوات المقبلة: الدبلوماسية الفعّالة استناداً إلى قوّة، مع إسقاط القوّة على كل الأصعدة، سياسياً واقتصادياً وجغرافياً. تحاول الصين بسط سلطانها في فضائها الحيوي في آسيا، بخاصة بحر الصين، هذا يجرها بالضرورة إلى مناطق مجاورة بأوروبا وأفريقيا، لكنها تستعمل حتى الآن الذراع الاقتصادية، لدرء الشكوك عن أي نيّات عدوانية أو توسّعية. ولعل مبادرة "الطريق والحزام"- أو استراتيجية "عقد اللؤلؤ"- الذي يعتبره بعض الخبراء أكبر مشروع للتنمية والبناء في العالم؛ يمثل ثورة بالخريطة الاقتصادية الدولية، فهو يمرّ في 65 دولة، ويتوقع أن يصل ناتجه إلى 21 تريليون دولار. بينما يعتبره آخرون "الطلقة الأولى في المعركة بين الشرق والغرب؛ من أجل الهيمنة في أوراسيا"، ويؤهل الصين لاحتلال موقع القوة المهيمنة عالمياً، خلال عقدين من الزمان، لا سيما أنها الدولة الأكبر سكاناً (1.4) مليار نسمة، وهي صاحبة أسرع نمو اقتصادى في العالم، بلغ عام 2006 نحو 10.7 في المئة، لكن هذا التمدد اللوجستي عبر قارات العالم وبحاره يجعل المجال مفتوحاً أمام دور محتمل للعسكرية الصينية، ما قد يستدعي رد فعل أميركياً في المقابل، ومن هنا يحدث السقوط في الفخ!.
 
 
عالم متعدد الأقطاب
بيد أن ذلك لا يعني أن الصينيين غير مدركين للمأزق أو الفخ الأميركي الهادف إلى عرقلة صعود التنين وحرمانه من الوجود في مناطق الثقل الجيوبوليتيكي والاستراتيجي... يفهم قادتهم قوة دفع التاريخ، هم مصممون على النصر في معركتهم الكبرى، معركة النهضة، ينصتون جيداً لمقولة المفكر الاستراتيجى الصيني "صن تزو" قبل 2000 عام: "إذا كنت تعرف عدوك وتعرف نفسك، فإنك لست بحاجة للخوف من نتيجة 100 معركة. ولو كنت تعرف نفسك، ولا تعرف عدوك ستعاني الهزيمة مع كل نصر تحرزه. وإذا كنت لا تعرف نفسك ولا تعرف عدوك سوف تستسلم فى كل معركة". تقاوم بيجينغ الانزلاق إلى صدام مفتعل مع العملاق الأميركي، يردد أهلها في أغلب الأوقات: لسنا قوة عظمى... نحن دولة نامية من العالم الثالث، ما زلنا تلامذة على مقاعد الدرس والتعلم من تجارب الدول الأخرى". بتلك العبارة القاطعة يوصّف الصينيون موقعهم على خرائط القوة والنفوذ والمكانة في النظام العالمي ـ كأنها حقيقة نهائية لا تقبل تأويلاً.

تذهب دوائر الحكم في الولايات المتحدة إلى أن الصراع بصور مختلفة حتمي، ويبقى النزال العسكرى بين العملاقين مغامرة مستبعدة للغاية، لكنها ليست مستحيلة، سيناريو كابوسي، لا يريد أحد أن يلقاه يقظاً أو نائماً، فقد يفني البشرية، لكنه يظل "خيار أميركا الأخير" لمنع قيام قوة عظمى صينية مهيمنة عالمياً. في 6 شباط (فبراير) 2017 أوضحت صحيفة "الأندبندنت" أن الولايات المتحدة يمكن أن تدخل في حرب مع الصين، لكن تلك الحرب لن يكون لها مثيل، مشيرة إلى تحذيرات خبراء من أنها ستسبب كارثة عالمية، حتى لو لم يتم استخدام الأسلحة النووية.

ما الحل إذن؟... لا مفر من البحث عن استراتيجية تكفل الهبوط الناعم لأميركا وتجنبها الصدام مع الصين، في عالم متعدد الأقطاب، فالأدلة قليلة على أن الصين تسعى إلى الصراع في آسيا أو العالم، فهي لا تعمل على هدم النظام العالمي، كما فعل نابليون أو هتلر من قبل، فالمارد الآسيوي بحاجة إلى اقتصاد عالمي فعّال للحفاظ على رخاء شعبه، ومن دون العثور على مقاربة متوازنة تهدئ المخاوف الصينية وتحمي المزايا الأميركية في المؤسسات الدولية والوصول إلى الممرات البحرية والتجارة الدولية لن يستريح العالم أو يستقر، بل إن الأمر قد يشعل حريقاً عالمياً لا يتصور شرره؛ وذلك حديث آخر!
 
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم