الجمعة - 24 أيلول 2021
بيروت 26 °

إعلان

ما بين رئيسي والحرس تنفح السيناريوات الكامنة للسلطة في إيران

المصدر: "النهار"
سمير التقي
استعراض عسكري للحرس الثوري الإيراني في طهران (أ ف ب).
استعراض عسكري للحرس الثوري الإيراني في طهران (أ ف ب).
A+ A-
لكي يبقى، يحتاج كل نظام شمولي إلى ثلاثة أعمدة: بئر عقائدية عميقة من الأمجاد والغضب والانتقام، ثم ماكينة للقمع والاستبداد، ثم الريع لضمان ولاء العصبة الحاكمة ومنظومة الرشوة الاجتماعية.

في سعينا لبناء سيناريوات متينة لتصارع الطبقات "التكتونية" للمجتمع في إيران، يمكن أن نستفيد من التجربة التاريخية التي ترسم بشكل عمومي جداً، خطوط التناظر في دورة حياة الثورات والأنظمة الشمولية.

بعد أن سيطر العقائديون الثوريون الأنقياء على الثورة، الفرنسية ثم البلشفية، أو الصينية، او الفيتنامية والناصرية، أو الكورية، تبدأ نخب العقائديين والثوريين، المتسلحين بالشرعية الثورية (وليس بالشرعية الدستورية)، في ترسيخ مواقعهم في مفاصل الدولة، باستقدام هجرة واسعة من الريف للمدينة، مستخدمين الذخيرة الثقافية للعقيدة المحتقنة بأنقى أشكالها، ويتم تعزيزها بتضخيم الصورة المثالية للوعد بالخلاص النهائي والعظمة وحسن الختام.
 
لكن سرعان ما تبدأ دراما من نوع آخر، إنها الدراما السياسية والاجتماعية التي تقلب المجتمع والدولة رأساً على عقب. الجوهر الاجتماعي السلطوي لهذه الدراما هو تصفية النخب المدينية "البائدة"، وترسيخ هيمنة الشرعية الثورية والمؤسسة الحاكمة والبيروقراطية المستحدثة.

وسرعان ما يبدأ تدريجياً هنا، انتقال "الثورة المظفرة" من يد العقائديين "الأتقياء" إلى البيروقراطيين المتمدنين حديثاً وعلى رأسهم "الأمنيون" و"العسكريون" "الثوريون" الذين يديرون بدورهم نمطاً من رأسمالية الدولة الاحتكارية، تستند إلى اقتصاد ريعي بامتياز. تلك كانت سيرة الثورة البلشفية في روسيا والصين الخ.. وتلك هي سيرة الثورات الدينية القديمة والحديثة.

أغلب هذه الثورات تنجح في حينه في تسريع عملية التنمية وترسيخ نموذج دولة أكثر قرباً للحداثة، وتتمكن من تحقيق قفزات في التقدم الاجتماعي، بفضل البنية الأوامرية والعسكرية للمؤسسات والاندفاعة والعصبية العقائدية.

ولكن طامتها الكبرى تكمن في عقائديتها والتصلب السريع الذي يصيب بنيتها ونموذجها "الثوري" النقوي، بمعنى نموذجها الاقتصادي الاجتماعي، ويفقد النظام "الثوري" بالتالي قدرته على تحقيق الثورة الدائمة على نفسه ومصالح طغمه الثورية، ليتحوّل النظام إلى قوة رجعية تقاوم التغيير والتقدم. لتستفحل في الحكم طبقة اوليغارشية بيروقراطية فاسدة.

فلئن عاشت إيران أيام الخميني في قمة النشوة الثورية النقوية، فان إقصاء العقائديين لصالح البيروقراطية الأوليغارشية، لم يلبث أن تحقق تدريجياً في عهد المرشد الأعلى خامنئي، حيث تمت تصفية دور البازار وحصته في الحكم والمشورة (رفسنجاني) من جهة وتراجعت حصة رجالات قم. وبعد تخمر طويل، بدأت ملامح هذا الانزياح المجتمعي الكبير في إيران. حيث تتكرس بيروقراطية عسكرية زمنية مدينية محدثة على محورين.

المحور الأول على المستوى المجتمعي حيث لم تعد الجموع الريفية الغفيرة التي ثارت على تهميش الإقطاع الشاهنشاهي لب الحراك الثوري، بل صعدت أجيال جديدة من أبناء المهاجرين من الريف، وصاروا يمثلون القاعدة الاجتماعية الأوسع للنظام والإنتليجنسيا البيروقراطية والأجهزة الأمنية.

المحور الثاني يكمن في تحوّل مركز ثقل السلطة البيروقراطية نحو هذه الشرائح أقل عقائدية وأكثر براغماتية، لتعكس المصالح العليا وللكتل البيروقراطية-العسكرية ومعها الطبقات المحدثة. هذه المصالح لا تتطابق من جهة وبالضرورة مع مصالح الدولة الإيرانية متعددة الإثنيات والمشارب، من جهة كما أنها لا تتطابق في كثير من الأحيان مع الاعتبارات العقائدية الصرفة لتصدير الثورة من جهة أخرى. يظهر هنا الشرخ الرئيسي بين مصالح الطبقة الحاكمة ومصالح الوطن-الدولة الإيرانية. ولا أقصد هنا المصالح بمعناها الأمني أو العسكري، بل أقصد المصالح بمعناها الوطني التحضري وبأبعادها التقدمية الاجتماعية. ولأوضح فكرتي لعلي أذكّر بحقيقة أن ستالين ربح نصف أوروبا في الحرب العالمية الثانية ولكن خسر السلام وأجزاء من روسيا ذاتها بسبب عدم قدرته على انتاج نموذج منافس في عهود السلام.

وبعد عقود من تولّي المرشد الأعلى خامنئي، تستتب ثمار الثورة هذه ويتسربل البيروقراطيون والعسكر في رخاء "الثورة"، يحين أوان قطف ثمار "التضحيات العظيمة"، وإذ يطرح بإلحاح في أوساط النخب سؤال حاسم: "من سيمتلك ثروات هذه الثورة؟". وبالطبع ولأننا جميعنا بشر فلا تكتب الثروات باسم "الثوريين" حسب مراتبهم.

يطابق هذا التحول الجاري حالياً في إيران بشكل مدرسي نموذج دورة حياة الأنظمة الشمولية. ويتحقق ذلك حالياً عبر السيطرة النهائية للحرس الثوري على مفاصل نظام إيراني غاية في الاستقطاب. لقد جاء اغلب المسؤولين الفعليين في الوزارة والإدارات، من حكومة الظل المحيطة بقيادة الحرس الثوري. وينطبق ذلك على طيف السلطة بأكمله، من الرئيس، إلى غالبية أعضاء الحكومة، إلى العديد من أعضاء البرلمان، وكتل أخرى من الإداريين في المؤسسات الاقتصادية والمسؤولين الإقليميين والمحليين.
 
في المجال الاقتصادي والسياسي، تستكمل الحلقة دورتها، ليشرف الحرس الثوري، على جهاز هائل من الموارد الإعلامية، وأنشطة التدريب، وبرامج التعليم، والإعداد العقائدي، والموارد السخية للمؤسسة الدينية.
 
وبحجة "الخصخصة" تمكّن الحرس الثوري من بسط سيطرته على الصناعات الاستراتيجية والخدمات التجارية من بناء السدود وخطوط الأنابيب إلى تصنيع السيارات وجراحة العيون بالليزر، إلى جانب عدد من شركات التهريب العاملة في اقتصاد الظل والسوق السوداء داخل وخارج إيران، ليصير مركزاً لمجرة كونية من عمليات اقتصاد الظل. هذا بالطبع إضافة إلى كونه كياناً عسكرياً تقليدياً يمتلك قوات بحرية وقوات برية وسلاحاً جوياً وجناحاً شبه عسكري سرياً. لينتقل في ظل الحكومة الحالية إلى تكريس سلطته علناً وتماماً.

الطامة الكبرى تستجد حالياً مع صعود الرئيس رئيسي. ومع إعلان السيطرة النهائية والتامة للحرس الثوري على المجتمع والدولة، فإن هذا التحول يجلب معه مخاطر نوعية.

فبعد أن أغلق المجال السياسي الداخلي تماماً، لم يعد الحرس مجرد جهاز قمع أو بنية اقتصادية عسكرية، بل، صار، وبفضل اتساعه وعمق دوره، هو الميدان الرئيسي للصراع المجتمعي وساحة المجابهة الكبرى بين كتل المصالح العميقة للبيروقراطية العسكرية-الأمنية.
 
والمثال الأقرب في هذا السياق هو الـKGB في الاتحاد السوفياتي التي اغلقت ساحات الحراك السياسي والمجتمعي لتتحول بدورها إلى ميدان رئيسي في هذا الصراع. وليتولى الجهاز بدوره إطلاق رصاصة الرحمة في الرأس السوفياتي.

أما الايديولوجية فلا يبقى منها إلا ضرورتها الوظيفية. ضرورتها في تكريس شرعية ثورية فوق القانون، وضرورتها كأداة للحشد ضد الأعداء الافتراضيين. فالنظام الإيراني لا يستطيع أن يحيا من دون أعداء. أما قضية الثورة الدائمة والتقدم الاجتماعي فمسألة فيها نظر، إلى أن يتحقق النصر على "الشيطان الأكبر".

وإذا كان اللقب الرسمي لخامنئي هو "القائد العظيم للثورة الإسلامية". وهو ما أكدّه خامنئي في مناسبات مختلفة، منذ عام 1989، فانه لم يفعل أي شيء يمكن أن يجعله يعتبر داعية حرب بشكل غير عقلاني. إنه مُنَظِر جامد، ولكنّه حذر للغاية. وهو لن يذهب أبداً ولا في يوم من الأيام إلى حرب لا مع الولايات المتحدة ولا مع إسرائيل.

عندما توضع في الميزان "مصلحة النظام" مع المشاريع العقائدية، لا يتردد خامنئي في اختيار "مصلحة النظام". ويريد خامنئي الآن من خليفته أن يحافظ على هذا الغشاء الإيديولوجي سليماً. ويبدو أن المرشد الأعلى لا تغريه لا أفكار الإصلاح ولا تحرير القدس، وهو لن ينحني للنظرة العالمية الكونية الكفاحية لبعض الضباط المتشددين في "الحرس الثوري".

والآن، مما لا شك فيه أنه ما إن يغيب خامنئي عن الساحة، حتى تتبلور ملامح الأزمة المؤجلة. فلقد سبق أن لمح المرشد الأعلى لاحتمال إلغاء وشيك لمنصب الرئاسة ليصبح النظام الإيراني نظاماً برلمانياً. كما تردّدت في عدد من الصحف آراء حول تحويل منصب المرشد الأعلى إلى جسم يضم هيئة من "العلماء".
 
في حين لا يزال مجتبى نجل المرشد الأعلى من الكوادر الرئيسية في دوائر اتخاذ القرار. كل خيار من هذه الخيارات الثلاثة سيقوض الصورة التمثيلية "الجمهورية" للنظام.
في هذه الحال، ستكون ضرورات الصراع الداخلي هي الحكمة في رسم السياسة الخارجية لإيران وذاك يحمل معه من المخاطر بقدر ما يفتح من آمال.

نعم، فبالإضافة لمشكلة استعصاء النموذج التنموي لدولة رأسمالية الدولة الاحتكارية الفاسدة، ثمة مشكلة بونابارتية راسخة في الأفق، اذ ليس ثمة آلية واضحة لإنتاج البديل حراك الكتل والشرعيات القائمة. فكيف سيحلّها المجتمع الإيراني؟
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم