الإثنين - 04 تموز 2022
بيروت 28 °

إعلان

نظرة في الدستور الميت والنظام الحيّ

المصدر: "النهار"
تعبيرية (النهار).
تعبيرية (النهار).
A+ A-
جاد غصن* 

عند طرح سؤال إشكاليّ ككيفية إعادة بناء لبنان، لا بدّ من الانطلاق من معاينة ما هو الذي تهدّم ويستوجب إعادة البناء في لبنان؟

هل يتركّز الجهد للبحث عن حلول قطاعيّة لمشكلة الكهرباء، الماء، الطرقات والنقل المشترك، القضاء، القطاع الطبيّ، السياسة المالية، الاقتصادية أم الدفاعية...؟

عندما تطول لائحةٌ لتطال مختلف جوانب الحياة العامة والحقوق الخاصّة بهذا الشكل، يُصبح من العبثيّ البحث عن حلول تقنيّة كمن يجهد في فلاحة الحقل بملعقة؛ هذا بعد الخطأ المنهجيّ الذي يرتكبه الباحث عن حلول تقنيّة في برج بابل اللبناني.

فالسّاعون وراء الحلول التقنية، وحكومات التكنوقراط، ومتاهات الجمعيات غير الحكوميّة، نظريّتهم مبنيّة على افتراض من اثنين:

إما اعتبارهم أنّ الحلول واحدة لا بديل لها، وفساد أهل الحكم الراهن لا يريدها لأنها تضرّ بمصالحه أو نفوذه، وجلّ ما هو مطلوب إبعاد هؤلاء للإتيان بـ"خبراء" لتنفيذ هذه "الحلول" القطاعية لتنحلّ أزمتنا،

وإما اعتبارهم أهل الحكم من الجهلة الذين غابت عنهم "الحلول" هذه، وانقطعوا عن أيّ صلة بأيّ "خبير" ليُطلعهم عليها.

ذلك فيما الواقع أن في السياسات العامة خيارات وليس "حلول"، أي أن كلّ خيار سياسيّ لأي قطاع، أو لأيّ سياسة عامّة، هو بالفعل عمليّة مفاضلة تقوم بها الأطراف السياسية لتعزيز مصالح فئات على حساب فئات أخرى... وهذا جلّ ما يهرب منه مختلف أحزاب السلطة، ليس بنتيجة جهلهم أو قلّة وصولهم إلى "خبراء" في محيطهم، بل لمجرّد أن تكوينَهم السياسي طائفيّ، ولا يحتمل أيّ مفاضلة لمجموعة على حساب أخرى في داخل القبيلة الواحدة.

فالسياسات العامة التي تستوجب أيّ شكل من أشكال التمويل محكومة بإدارة الندرة.

لو أن الإمكانات متاحة للإنفاق على كلّ شيء لما كان هناك اقتصاد ولا سياسات عامّة تختلف عليها الفئات الاجتماعية والقوى السياسية.

الإدارة السياسيّة هي إدارة للندرة من خلال خيارات يلتزم بها فريق من خلال حضوره في السّلطة التنفيذية والتشريعية؛ ذلك فيما الأحزاب في لبنان لا تلتزم إلا بشعارات فضفاضة لا تُلزم بشيء، كخطابيّات السيادة ومكافحة الفساد والإنماء المتوازن والكرامة وغيرها، والسلطة التنفيذيّة هي مكان لإعادة تدوير كلّ المجلس النيابيّ بتناقضاته ليعطّل كلّ فريق الآخر.

من هنا، نعود إلى السؤال الأوّل لمحاولة الإجابة الأدق عنه: ما هو الذي تهدّم، والذي يستوجب إعادة البناء في لبنان؟

عندما تصل الخلاصة إلى أن التداعي لم يطَلْ قطاعاً محدّداً أو وظيفة معيّنة من وظائف الدولة بل أصاب مختلف هذه الوظائف والقطاعات، فلا بدّ من أن يكون الإشكال في مكان آخر.

انهيار هذه الوظائف ليس أصل المرض بل عارضاً من عوارضه؛ أصل المرض أن الذي انهار حقّاً هو قدرة الدولة على اتخاذ أيّ قرار أو خيار. لا بخصخصة الكهرباء ولا بتأميم المولدات الخاصة، لا بحرق النفايات ولا بتدويرها ولا بطمرها، ولا بتحميل المصارف الخسائر ولا بإنقاذها، لا بالاتجاه شرقاً ولا بالتوجّه غرباً...

الدولة كمركز للحكم وحسم الخيارات هو الذي تهدّم، وبتداعيها انهارت كلّ وظائفها الأخرى. ولكن انهيارها خيارٌ تمّ اتّخاذه من ضمن خيارات أخرى، وله تكلفة، ولكن له منافع أيضاً. بالمختصر، المنفعة تتوزّع على قوى الأمر الواقع التي سلبت من الدولة وظائفها لتُصبح كلّ منطقة قادرة على معالجة نفاياتها كما يحلو لها، والمصارف ومصرف لبنان يوزّعون خسائرهم كما يحلو لهم، وليُمكن أطيافٌ أن تنحو غرباً وأخرى شرقاً، ومحتكرون يكدّسون الدواء والمحروقات فيما مؤسسة الكهرباء ومحطات الوقود والمستشفيات والصيدليات فارغة...

غياب الدولة كمركز للحكم يحوّل المنافع إلى القويّ القادر، والتكلفة على الضعيف العاجز، بمعزل عن أيّ إدارة للنّدرة بمنطق الحقوق.

الواجب إعادة بناء النظام السياسيّ نفسه المنصوص عليه في الدستور، غير المعمول به، حتى أنّ التمادي في خرقه اليوميّ لا يُتيح الكثير من الإنكار.

في استعراض موجز لمقدّمة دستورنا المؤلّفة من عشرة بنود، يتبيّن أنّه لا يتمّ احترام واحدة منها:
"أ- لبنان وطن سيّد حرّ مستقلّ، وطن نهائيّ لجميع أبنائه، واحد أرضاً وشعباً ومؤسسات".
لكن وحدة الأرض والشعب مطعون بها حتى من قبل القوى المشاركة في الحكم، وإمرة المؤسّسات الإدارية والقضائيّة والأمنيّة والماليّة موزّعة على مجموعة من القوى الطائفيّة المتنافرة.

"ب- لبنان... ملتزم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"
وليس من مادّة من موادّ هذا الإعلان العالمي محترمة، والدعوة مفتوحة للاطلاع عليه.

"ج- لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم ... على العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل"
عوض الديمقراطية البرلمانية تحوّل النواب، كما الوزراء، إلى بيادق مطواعة لدى حفنة من الزعماء، يأخذون ما يشاؤون من قرارات.. والعدالة الاجتماعية كما المساواة، من دون تمييز أو تفضيل، أضحوكة في بلد الامتيازات الطبقيّة والتحاصص الطائفيّ من رأس الهرم حتى أسفله.

"د- الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية"
الشعب لا يمارس سيادة، والمؤسسات الدستورية ليست مركزاً لأي من السلطات الفعليّة في المجتمع كالسياسة المالية والتشريعية، وحيث يقرّر أصحاب المصارف ما يريدون خلافاً للقانون إلى السياسة الخارجية حيث لكلّ فريق سياسيّ علاقاته وميزانيّاته الخارجية.

"هـ- النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها"
لا فصل ولا توازن ولا تعاون، وآخر الفصول المرتكبة بمبدأ الفصل بين السلطات استهزاء المجلس النيابي بطلب المحقق العدلي رفع الحصانة النيابية عن عدد من النواب، وفي هذه النقطة البحثُ يطول.

"و- النظام الاقتصادي حرّ يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة"
والنظام الاقتصادي لا حرّ ولا مَن يُحرّرون، فالاقتصاد كلّه بُني على مجموعة من الاحتكارات التجارية والمضاربات العقارية والمالية، والمصرف المركزي عزّز من تدخّله في السوق حدّ عرض Menu a la carte لأسعار الصرف. الملكية الخاصة هدرت منذ أيام سوليدير كما الملك العام من الأملاك البحرية إلى محال "ناولني" على جنبات الطريق الدولية.

"ز- الإنماء المتوازن للمناطق ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً ركن أساسيّ من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام"
الإنماء المتوازن تحوّل إلى إنماء موازٍ، أي أنّ لكلّ طائفة معملَ كهرباء خاصّاً بها أو لا معامل كهرباء؛ وإمّا لكلّ زعيم سوكلين خاصّة به أو لا معالجة للنفايات؛ وإمّا توزيع الحصص في التوظيف وإمّا لا تعيينات.

" ح- إلغاء الطائفيّة السياسية هدف وطنيّ أساسيّ يقتضي العمل على تحقيقه وفق خطة مرحلية".
لا عناء هنا.

"ط- أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين. فلكل لبناني الحق في الإقامة على أيّ جزء منها والتمتع به في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على أساس أيّ انتماء كان".
وبلدية تمكّنت من خرق هذه المادة الدستورية بفرزها للشعب على أساس الانتماء الطائفي ومنع إقامة أهل طائفة ضمن حدودها.

"ي- لا شرعية لأيّ سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".
والله وحده يعلم ماهية هذا الميثاق الذي شرع تحاصص الدولة حتى اهترائها، فيما التعايش في الشوارع يأخذ شكل المقابر المتنقّلة بين "غضب أهالٍ" وآخر.

هذا فقط في المقدّمة من دون الغوص في مهزلة البنود المتبقية التي انتهكت من أتفهها، كالمادة 65 التي تنصّ على أن "يجتمع مجلس الوزراء دورياً في مقرّ خاصّ" فيما لا يزال هذا المجلس يتنقل بين السراي الحكومي وقصر بعبدا، وصولاً إلى الموادّ الأكثر خطورة المتعلّقة بصيانة المالية العامة وشفافيتها حيث لا موازنات ولا قطوعات حساب...

في الخلاصة: الطبيعة السياسية تكره الفراغ، وانتهاك الدستور وسقوط النظام الذي يمثله لا يعني غياب نظام سياسيّ قائم بفعل الأمر الواقع؛ وهذا ما يُعبّر عنه بنظام الزعماء الستة أحياناً، أم السبعة أم الثمانية أحياناً أخرى. وهذا هو النظام الذي يجب هدمه إرادياً بهدف الحفاظ على ما تبقى من مجتمع واستعادة الدولة كمركز للحكم لا كحَكَمٍ منزوع الأنياب بين مراكز حكم متعدّدة.

وعلى أي حال، أقلّ الإيمان البدء بدفن هذا الميت المسمّى بالدستور إن بقي نظام الزعماء عصيّاً على الهدم، ودمّر المجتمع عوضاً عنه، أم حصل بناء لنظام آخر. فكما يُقال في رجال الدين في اللغة المحكيّة " يا يلبس متل حكياته يا يحكي متل لبساته"، يجب أن يقال في علاقة النظام بالدستور؛ فإمّا أن يلبس أهل النظام هذا الدستور، وإمّا أن يحكي هذا الدستور ما في لباس أهل الحكم.

*صحافي ومراسل إخباري ومعدّ وثائقيّات منذ عشر سنوات، ويقدّم منذ نحو عام بودكاست سياسيّ، اقتصاديّ واجتماعيّ باسم “Reflections with Jad Ghosn” على يوتيوب ومنصّات البودكاست، حيث يعلّق على المستجدات السياسية في لبنان والعالم. وهو يستضيف أسبوعيّاً شخصيّات سياسية، صحافيّة، فكريّة، فنيّة أو رياضيّة في حوار مطوّل.
 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم