الإثنين - 15 آب 2022
بيروت 31 °

إعلان

أيّ لبنان نريد؟

المصدر: "النهار"
صورة تعبيرية.
صورة تعبيرية.
A+ A-

نجيب فياض

جرت الانتخابات التشريعية: القانون الانتخابي نفسه، الكتل النيابية الكبرى نفسها، رئيس مجلس النواب نفسه ورئيس الوزراء نفسه.

وفازت القوائم الانتخابية للثنائيّ الشيعيّ بسبعة وعشرين مقعداً مخصصاً للطائفة الشيعية. حافظ "الحزب التقدميّ الاشتراكيّ"، بل عزّز إحكام قبضته على الطائفة الدرزية. وتمكّن مرشحان درزيان من الثورة، من الوصول إلى قبّة البرلمان، أحدهما على حساب طلال أرسلان، المرشّح التاريخي. تراجع عدد المقاعد التي فاز بها "التيار الوطني الحر" وحصد حزب "القوات اللبنانية" مقاعد إضافية، غير أنّهما حافظا مجتمعَين على النسبة نفسها في البرلمان. تمّ انتخاب ستة مرشحين مسيحيين فقط من الثورة من أصل أربعة وستّين مقعداً مخصّصًا للطائفة. امتنع "تيار المستقبل" عن المشاركة في الانتخابات التشريعية غير أنّ خمسة مرشحين سنّة منبثقين من الثورة وصلوا إلى البرلمان من أصل سبعة وعشرين مقعداً مخصصاً للطائفة السنية.

قاطعت غالبية اللبنانيين هذه الانتخابات وعمد بعض الناخبين إلى التصويت بورقة بيضاء أو مُلغاة. كما يسمح هذا القانون الانتخابي للمسيحيين بانتخاب عدد أكثر من النواب مقارنة بقانون عام 2000 أو عام 1960 المُعدّل بعد اتفاق الدوحة لسنة 2008. غير أنّ القانون يصبّ في مصلحة الكتل النيابية الكبرى. وأُعيد انتخاب نبيه برّي رئيساً لمجلس النواب بعدما حصدت القوائم الانتخابية للثنائي الشيعي جميع المقاعد المخصصة للطائفة الشيعية التي يعود إليها هذا المنصب الذي يحتلّه نائب منتخب. كما حصل نجيب ميقاتي أيضاً على 54 صوتاً بفضل تصويت غالبية النواب الشيعة والكتلتين البرلمانيتين للثنائي الشيعي الذي سيكون ميقاتي مديناً لهما، وسيخصّص لهما وزارة المالية.

أمّا أم المعارك ستجري على رئاسة الجمهورية، أضعف الرئاسات الثلاث، والوحيدة التي خُصّصت للمسيحيين المنقسمين والعاجزين عن التوصّل إلى اتفاق.

على عكس الانتخابات الرئاسية الأخيرة، لن يجري اتفاق بين "التيار الوطني الحر" وحزب "القوات اللبنانية" اللذين يمتلكان كتلتين نيابيتين متشابهتي الحجم. لن يحصل قادة الحزبين على أغلبية أصوات النواب المسيحيين. ما لم يتفق النواب الآخرون، ومعظمهم من المسلمين، على اسم آخر أو ما لم يتفق زعماء هذين الحزبين على اسم آخر، فمن المحتمل جدًا أن يبقى منصب رئاسة الجمهورية شاغراً لبعض الوقت. عندما انتخب ميشال عون رئيساً للجمهورية، وعد رئيس مجلس النواب نبيه بري بمنعه من تطبيق محتوى خطاب القسم. بيد أنّ الحزب الذي أسسه الرئيس كان يمتلك أكبر كتلة نيابية وغالبية النواب المسيحيين، إلاّ أنّ الرئيس عون فشل في التغلّب على أربعة تحديات: - لم تُشكّل حكومة خلال نصف ولايته، - المشاركة في الحكومات المتعاقبة والسيطرة على منصب وزير المالية، خاض نبيه بري معركة من "الداخل"، غالباً بتقاطع مصالح مع وليد جنبلاط وسليمان فرنجية وسمير جعجع (في الفترة الأولى من الولاية الرئاسية) أو حتى سعد الحريري او نجيب ميقاتي. - يمنح الدستور رئيس الجمهورية صلاحيتين فقط: تشكيل الحكومة بالشراكة مع رئيس الوزراء المكلّف والدعوة إلى عقد اجتماع المجلس الأعلى للدفاع وترؤّس الاجتماع؛ بالإضافة إلى الأزمة المالية وتأثيرها الاقتصادي.

في الواقع، أدّى اتفاق الطائف إلى شلل المؤسسات اللبنانية التي بدت وكأنّها فاعلة لفترة زمنية معيّنة فقط، لأنّ سوريا كانت تتّخذ قرار التعيينات وليس اللبنانيين. لقد أنشأ اتفاق الطائف نظاماً جماعياً مبنياً على الترويكا الرسمية التي تضمّ رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب؛ لكنّه في الوقت عينه يؤسّس لعشرات الرؤساء (إذا ما أخذنا في الاعتبار وزير المالية والمدّعي العام في محكمة التمييز وحاكم البنك المركزي والأمين العام لـ"حزب الله" ورؤساء الأحزاب الرئيسية ورجال الدين). وبعد انتهاء الحرب الأهلية، لم يشهد لبنان صحوة شعبية فعلية. ونجح القانون الانتخابي بالقضاء على ثورتي 2005 و2019. فبقي الشعب اللبناني مشلولاً، مقيّد الحركة، خاملاً ومستسلماً. كما سلب "حزب المصارف" كرامته وسرق ادخاراته، لكنّ الشعب لم يثُر. والأسوأ من ذلك أنّ جزءاً كبيراً من اللبنانيين يكتفون بالحصول على مساعدات من لبنانيين في الخارج، وباتوا يراهنون حصراً على مساعدات صندوق النقد الدولي ودول الخليج. حتى إننا بتنا نشعر أنّ اللبنانيين فعلاً استسلموا. هل هذا لبنان الذي نريد؟ أين ذهبت العبقرية اللبنانية؟ أين هو الشعب المجتهد الخلاّق والمُبدع، الشعب الذي تخلّى عن الأحكام المسبقة والذي يبحث في كلّ الاحتمالات لتطوير المشاريع والأعمال والحلول؟

أرفض أن يستسلم الشعب الذي ذُبِح، الذي عانى المجاعة، الذي رفض أن يُرمى به في البحر، الذي واجه الاحتلال. أرفض أن يُسلّم بلدي إلى مقدّمي المساعدة وإلى لاجئين أجانب أضحوا عمّالاً اقتصاديين.

سياسياً، قد يكون واجباً الانضمام إلى الأحزاب الحالية والقيام بثورات من الداخل. ربما يجب التصويت بكثافة في الانتخابات البلدية وتحقيق التغيير محلياً. أراد الوزير السابق سليم جاهل تغيير لبنان وتحوّله. لذلك، دعم وصول بشير الجميل إلى سُدّة الرئاسة بانقلاب وليس بانتخابات رئاسية من داخل البرلمان. من الأهمية بمكان أن نفهم السبب وراء مطالبته ودعمه للانقلاب عوضاً عن الانتخاب في البرلمان المُنتخب منذ أكثر من عشر سنوات. وقد قدّم سببين بررا خياره: أوّلهما أنّ الخضوع إلى هذه العملية المنصوص عليها في الدستور سوف يُجبر بشير الجميل برأيه على تقديم تسويات. أراد لبشير أن يُخرج لبنان واللبنانيين من الدوامة الحالية دون أن يدخلها بنفسه ويتخبّط لاحقاً في صعوبات الخروج من المآزق. إلاّ أنّ بشير الجميل تعرّض للاغتيال قبل تولّيه مهامه. وثانيهما أنّ القوة برأيه يمكنها أن تحرّر اللبنانيين من العقلية العثمانية التي تعمل على قمعهم وتمنعهم من التوحّد ومن تطوير لبنان وبناء الدولة القوية والحديثة. ويعتبر أنّ الديمقراطية المقترنة بالعقلية العثمانية لا يمكنها إلاّ أن تحافظ على الإقطاع والفوضى والولاءات للخارج ونظام "البلوطوقراطية" (أيّ النظام الذي يفوز بموجبه الأثرياء فقط في الانتخابات التشريعية) وتضعه في يد الطوائف السياسية التي بطبيعتها لا تتجه نحو تحقيق التنمية الاقتصادية للبنان وبناء الدولة القوية والحديثة، بل تركّز على المحافظة على التوازنات ومصالحها.

من الأهمية بمكان دعم العدالة التي تسعى إلى تفكيك المافيا السياسية-المالية، بدءاً باعتقال حاكم البنك المركزي الذي يعتبر نفسه فوق القانون والذي يتمتع بسلطة تفوق سلطة أيّ رئيس جمهورية منذ الطائف. كما يجب أن ندعم الجيش ليكون الوحيد القادر على الدفاع عن أرضنا الوطنية ولتكون حصرية السلاح في يده. تحقيقاً لهذه الغاية، علينا أن ننمّي حسّنا وانتماءنا الوطني ونترفّع عن انتماءاتنا العشارية والحزبية والطائفية.

على المستوى الاقتصادي، الطريق طويل والإنجازات كثيرة. نعم تعترضنا عقبات وصعوبات كثيرة ولكن أين رواد الأعمال اللبنانيون؟ على مرّ ثلاثين سنة، أقنع "حزب المصارف" اللبنانيين أنهم يستفيدون من نظام الرعاية. هذا كذب. لا مال من دون مشروع، أو فكرة، أو أعمال، أو حلّ. تخيّلوا مشروعاً أو فكرة أو فرصة عمل أو حلّاً وستجدون المال لتمويلها. لن تُخصص الأموال حيث لا مشروع أو فكرة أو حلًّا. استيقظوا! تشجعوا! شمّروا عن سواعدكم، فكّروا وتحرّكوا! لا عيب أن تكون فلاحاً. يشهد العالم أزمة غذاء. نحن بحاجة إلى الفلاحين. لا عيب أن تكون عاملاً. الصين أكبر معمل عالمي وثاني أكبر قوة اقتصادية. تمكّنت دول الخليج، بالاعتماد على "البترودولار"، من تحويل الصحراء إلى جنّة تجذب الاستثمارات الأجنبية والمغتربين. لا يملك لبنان "البترودولار" أو حاكماً مطلقاً يفرض برنامج تنمية اقتصادية. غير أنّه يتمتع بأمر لا يمكن لكلّ الأنظمة الملكية شراؤه: فالجنة الاصطناعية التي بنوها تفتقر إلى الروح، أمّا للبنان فروحٌ وحضارة وثقافة وتاريخ وإبداع وعبقرية تسمح له بالنهوض وإعادة ابتكار نفسه وتجدّده. فلنحوّل التنوّع اللبناني إلى عامل يسرّع عملية النهوض. لم يعد الغرب متجانساً، وأصبحت روسيا دولة متعدّدة الأعراق والطوائف والصين الشعبية مُطالبة بالحفاظ على وعد تعايش الإتنيات الـ56. تعتبر الشركات في جنوب أفريقيا، إلى جانب الشركات الأميركية والكنديّة من الأكثر انتشاراً على بورصة "ناسداك" للتقنيات الرقمية والجديدة. هل نحن أقلّ ذكاءً؟ لا أعتقد! دعونا نعيد بناء ما أسّسه أجدادنا وما نحن عليه فعلاً: شعب فخور، شعب رائد أعمال، شعب خلاّق وبنّاء، شعب يؤمن بمستقبله بيد الله الذي لن يتخلّى عنه.

 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم