الأربعاء - 26 كانون الثاني 2022
بيروت 11 °

إعلان

هل تنهي 2022 الأزمة اليمنية؟

المصدر: "النهار"
الحوثيون (أ ف ب).
الحوثيون (أ ف ب).
A+ A-
د.خالد باطرفي
 
 
"هل تتوقع أن يشهد العام الجديد نهاية الصراع في اليمن؟"، يسألني الصحافي الغربي، ويلمّح الى مسؤولية التحالف بسؤال رديف: "وهل تعتقد أن السعودية وحلفاءها سئموا الحرب وتاقوا للسلام؟".

أجبته أن الحرب في اليمن هي حرب أهلية، بإدارة خارجية وأبعاد طائفية ومذهبية. بدأت في 2004 عندما تمرد تنظيم "الشباب المؤمن" الحوثي -الإيراني الدعم والتوجيه- على حكومة الرئيس علي عبدالله صالح، ودخل معه في ست حروب آخرها في 2010، انتهت كلها باتفاقات سلام. وفي كل مرة كانوا ينقضون العهد بعد أن يستعيدوا أنفاسهم وتزودهم إيران وحلفاؤها في المنطقة بمزيد من المال والسلاح. ومؤسس التنظيم "بدر الدين بن أمير الدين الحوثي، من كبار علماء الشيعة، جارودي المذهب، يرفض الترضية على الشيخين أبي بكر وعمر وأم المؤمنين عائشة، وجل الصحابة (رضوان الله عليهم).

سنة الانقلابات
وفي عام 2014 انقلبوا على الحكومة المنتخبة ورئيسها عبدربه منصور هادي، وعلى المبادرة الخليجية، ووثيقة الحوار الوطني، (بإشراف الأمم المتحدة ومجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن)، الذين وقعوا عليها مع بقية الأحزاب في صنعاء في العام نفسه. دخلوا صنعاء عنوة واحتلوا وزاراتها وقواعدها بتعاون سري مع عدو الأمس الرئيس صالح. فتدخلت الأمم المتحدة مرة أخرى وتفاوضت معهم على اتفاق "السلم والشراكة الوطنية" وحكومة جديدة يشاركون فيها تحت قيادة الرئيس المنتخب.

وما أن تمكنوا وتحكّموا حتى انقلبوا مرة أخرى على الحكومة الجديدة، وعلى الاتفاق الموقع، وانطلقت لجانهم الثورية بدعم من قوات الحرس الجمهوري التي تدين بالولاء للرئيس السابق، ليستولوا بالقوة على بقية المناطق الشمالية، ويهددوا السعودية، ويحاصروا عدن التي هرب اليها الرئيس هادي ونائبه وبعض وزرائه من الإقامة الجبرية. وبعد أن دكت العاصمة الجنوبية بالصواريخ والقذائف، استنجد الرئيس بالسعودية والأمم المتحدة، فتشكل التحالف العربي لدعم الشرعية عام 2015 من دول عربية ومسلمة، وصدرت قرارات مجلس الأمن وأهمها القرار 2216 الذي أعطى الغطاء الشرعي لعمليات التحالف العسكرية وحصار الانقلابيين وايقاع العقوبات الدولية عليهم.

شروط التحالف ومبادرات السلام
لم يحدد التحالف حينها متى ستنتهي عاصفة الحزم، ولكن كيف؟. فشرط التحالف كان وما زال تنفيذ القرارات الأممية وأبرزها تسليم المقار الحكومية والأسلحة التي استولى عليها الانقلابيون من مخازن الجيش اليمني، وتلك الأسلحة النوعية التي هربتها لهم إيران في تحدٍ صارخ للقوانين والعقوبات الأممية. وأن يتحولوا الى حزب سياسي يخوض الانتخابات المقبلة ويحقق انتصاراته عبر صناديق الاقتراع وليس ميادين القتال.

رفض الحوثيون كل مبادرات السلام التي عرضت عليهم، وأطولها كانت مباحثات الكويت في 2016، والتي استمرت ثلاثة أشهر، وانتهت برفضهم توقيع ما اتفقوا مع الحكومة وبقية الأحزاب عليه، مستغلين شهور الهدنة، وغيرها من الهدنات السابقة واللاحقة، في إعادة التموضع والتسلح والتوسع. وآخر الاتفاقات كان اتفاق استوكهولم الذي أوقفت به الأمم المتحدة تقدم القوات الشرعية واسترداد الحديدة، والتي يخترقها الحوثيون كل يوم بقصف مناطق الشرعية والاستيلاء على واردات الميناء الرئيس والموانئ المساندة، رأس عيسى والصليف، ويستخدمونها لتهريب السلاح والإرهابيين من إيران ولبنان، وتهديد الممرات الدولية بالقصف تارة، وبالتلغيم والزوارق المفخخة تارة أخرى. ولعل آخر مغامراتهم اختطاف السفينة الإماراتية التجارية "روابي" في المياه الدولية في البحر الأحمر، الاثنين الماضي.

المبادرة السعودية للسلام
وأخر الفرص التي أهدروها والمبادرات التي رفضوها كانت المبادرة السعودية للسلام، في 22 أذار (مارس) 2021، والتي تدعو للتوصل إلى حل سياسي شامل يتضمن وقف إطلاق نار شامل تحت مراقبة الأمم المتحدة، وإيداع الضرائب والإيرادات الجمركية لسفن المشتقات النفطية من ميناء الحديدة في الحساب المشترك بالبنك المركزي اليمني في الحديدة وفق اتفاق استوكهولم، وفتح مطار صنعاء الدولي، وبدء المشاورات بين الأطراف اليمنية للتوصل إلى حل سياسي للأزمة اليمنية برعاية الأمم المتحدة بناء على مرجعيات قرار مجلس الأمن الدولي 2216، والمبادرة الخليجية، ومخرجات الحوار الوطني اليمني الشامل.

ورغم وساطة دولة صديقة، عُمان، وإدارة أميركية مهادنة، ودعم منظمات أممية متعاطفة، رفض الحوثيون مناقشة المبادرة فضلاً عن الجلوس على طاولة المباحثات. وبحسب الخارجية الأميركية، فقد بدا أن الحوثي مهتم أكثر بالأستيلاء على مأرب بأي ثمن، قبل التفكير في مناقشة أي تهدئة أو سلام. وبالفعل، استمر قصف واستهداف المدنيين ومخيمات اللاجئين حتى بالصورايخ البالستية، رغم الاحتجاجات الأممية، ولم تثنهم عن مواصلة الحملة خسارتهم أكثر من 30 الف قتيل في صفوفهم، وكماً هائلاً من المعدات وعدداً كبيراً من القيادات.

عداوة السلام
ما لا يفهمه العالم، والصحافة الغربية بخاصة، أن عدو الحوثي الحقيقي هو السلام. ففي ميزان الربح والخسارة، هو اليوم حاكم فعلي لربع اليمن، ويحصل من إيران ومن نهب الثروات على ما لا يحلم به من لم يحظَ بتعليم نظامي، ولم يتسنّم مناصب إدارية أو رتباً عسكرية، ولم يحقق في حياته مكاسب مليونية. عندما يحل السلام، ويسلمون مواقعهم ومكاسبهم وسلاحهم الثقيل للدولة الشرعية، ويحتكمون مع غيرهم الى الناخب اليمني، أين سينتهي بهم المطاف؟ هل سيصوت المواطن الذي تشظى بنارهم خلال سنوات حكمهم السبع لممثليهم في البرلمان أو المحافظات أو القيادة؟ هل سيسلمهم الجيش أو الحكومة مناصب عالية من دون شهادات عليا؟ وهل ستسمح لهم المحاكم بالحفاظ على ما استولوا عليه من أراضٍ وبيوت ومزارع وملايين الدولارات نهبوها من البنوك والشركات والأهالي؟

وطالما أن الإجابة عن هذه الأسئلة، لا أو شبه لا، فإن منطق المصلحة الذاتية يحتم رفض كل الحلول وبقاء الحال على ما هو عليه، والتخادم مع الأطراف المستفيدة، حتى في المعسكر المقابل. وهذا يفسر تبريد الجبهات حيناً، وتسخينها أخرى، وتقلب الولاءات وتقاسم الأدوار وتوزع الانتماءات داخل العشيرة أو الأسرة الواحدة، بل حتى بين الأشقاء. كما يفسر التنازعات الإدارية، والنهب الممنهج، والفساد المقونن، في وقت يفترض فيه توحيد الصفوف لمواجهة عدو مشترك.

ابحث عن المصلحة؟
ثم لو افترضنا أنهم احترموا مصلحة اليمن، وقبلوا بكل ما سبق، فهل سيقبل سادتهم في إيران؟ هل من مصلحة طهران أن تتخلى عن حلم الهيمنة على عاصمة عربية رابعة، والسيطرة على مضيق باب المندب، واستزاف وتهديد خصمها الأقوى، السعودية، وابتزاز المجتمع الدولي؟ وهل ستقبل بخسارة ميليشيا طائفية حققت اختراقاً أيديولوجياً وسياسياً لمجتمع عربي، وبنت قوة عسكرية ضاربة، وأثبتت ولاءها للولي الفقيه بالروح والدم؟ هكذا بلا مقابل، وبلا ثمن؟

وفي المقابل، هناك قوى يمنية، يفترض أنها في المعسكر المناوئ للانقلاب، ترى في السلام نهاية لامتيازاتها وتعجيل بعودتها الى قواعدها المتواضعة، وتحكيم للشعب الذي اهملوا مصالحه لحساب مصالحهم. وبالتالي، فهم ليسوا في عجلة من أمرهم لإنهاء صراع يعلي من شأنهم، ويعظم ربحهم. وقوى أخرى ليست معنية أصلاً بإنهاء الانقلاب، لأنها تحسب أن الوقت قد حان في غمرة الانشغال الدولي والإقليمي بالصراع لتحقيق أهداف مزمنة، مناطقية وسلطوية وانفصالية.

تفكيك الأزمة
قلت لسائلي مختتماً ردي على أسئلته المفتوحة والملغّمة: على العالم أن يدرك أن الصراع في اليمن هو نتيجة طبيعية وحتمية لانقلاب عسكري، تقودة دولة أجنبية، إيران. وهو صراع داخلي بين حكومة شرعية وحركات انفصالية ذات ولاءات خارجية، تهدد المنطقة والمصالح الدولية. وتبسيط الأمور أنها مجرد خلاف بين مكونات يمنية على السلطة، أو توصيفها بحرب خارجية على اليمن، تفخيخ للحل، وتعقيد لمساره، وليس العكس.

معرفة تاريخ الأزمة وأسبابها، ومصالح الأطراف المحلية والخارجية المشاركة فيها، والمتكسبة منها، والمخاطر الوجودية التي تهدد دول الجوار، هو الطريق الأسرع والأفضل لتفكيك المشكلة، وانتزاع جذورها، والتعامل مع المرض فيها لا العرض. وما عدا ذلك إضاعة للوقت، وإطالة لمعاناة اليمنيين، وتهديد واستنزاف لجيرانهم، وموالاة لأعدائهم. وباختصار ... "طق حنك"!
 
نُشر أيضاً في "النهار العربي".
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم