الثلاثاء - 13 نيسان 2021
بيروت 12 °

إعلان

القوى العظمى والتّزاحم على الكعكة السودانيّة

المصدر: النهار
تظاهرة في السودان رفضاً لمقتل ناشط (ارشيفية - أ ف ب).
تظاهرة في السودان رفضاً لمقتل ناشط (ارشيفية - أ ف ب).
A+ A-
محمد حسين أبو الحسن
يبدو أن السودان سيكون إحدى ساحات الصراع بين روسيا والغرب، بخاصة الولايات المتحدة؛ فلأول مرة في التاريخ وصلت إلى ميناء بورتسودان، هذا الأسبوع، سفينة حربية روسية، بالتزامن مع وصول سفن حربية أميركية إلى الميناء نفسه، وبينما عزمت موسكو على إقامة قاعدة عسكرية شمال الميناء، أكدت واشنطن مد جسور الشراكة مع الخرطوم، أما الصين فقد وضعت قدماً ثقيلة في القرن الأفريقي، منذ أمد بعيد... نزاع محموم بين القوى العالمية والإقليمية، يستعر يوماً بعد آخر في البحر الأحمر الذي يربط آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتمرّ به 10% من التجارة العالمية و40% من نفط الخليج، ويحظى بأهمية جيوبوليتيكية للاقتصاد العالمي، جعلته أهم نقاط التحكم الاستراتيجي وأخطر محاور التنافس الدولي؛ ومن ثمّ تحرص تلك القوى على إيجاد نقطة نفوذ فيه.. لكن الصراع المشتعل حوله وفوق مياهه يرفع منسوب الخوف لدى شعوب الإقليم من حروب باردة أو ساخنة، تجتاح البلاد والعباد كسكين حامية تخترق مكعباً من الزبد، أو تزدردها دفعة واحدة، ما يثير الأسئلة حول المخاطر المحدقة في تلك البيئة المتصارعة!
 
يعدّ البحر الأحمر معبراً لتدفق القوة العسكرية من البحرين: الأبيض والأسود، والمحيطات: الأطلسي والهندي والهادي؛ لذلك تكتسب الدول المشاطئة له، ومن ضمنها السودان، موقعاً جيوسياسياً متميزاً، على مرّ العصور، وأسهمت الاضطرابات وحالة الفراغ العسكري والأمني التي تشهدها بعضها، في دفع الولايات المتحدة والصين وروسيا واليابان والهند ودول أوروبية، كبريطانيا وفرنسا وإيطاليا لمعاودة الاهتمام بمنطقة القرن الأفريقي المطلة عليه، بخاصة أنها كانت تاريخياً مجالاً لنفوذها بالتقاسم، ولم تتأخر إسرائيل فأسست وجوداً عسكرياً واستخبارياً واقتصادياً وطوّرت علاقاتها السياسية ببعض أنظمتها، خصوصاً النظامين الإثيوبي والأوغندي، كذلك إيران وتركيا ليستا بعيدتين عن الحلبة، ما جرّ السعودية والإمارات وقطر.. إلى شواطئ البحر الأحمر وخليج عدن التي باتت مسرحاً لمنافسة جيوسياسية مكثفة بين الجهات العالمية والإقليمية الفاعلة.
 
صدام العقائد الاستراتيجية
هكذا تشتبك الأجندات والمصالح وجهاً لوجه، في الممرّ الحيوي، في ظل طموحات الهيمنة وصدام العقائد الاستراتيجية بين الكبار، للتزاحم بالمناكب على أفريقيا إجمالاً، القارة البكر ذات الثروات الهائلة؛ ما يؤجج حالة من التوتر الشديد وغير المسبوق، منذ انتهاء الحرب الباردة.
 
في المقابل، يبدو السودان في عجلة من أمره، بعدما تخلص من حكم الإخوان المسلمين (الكيزان) بقيادة عمر البشير، في ثورة شعبية مشهودة، لكنّ هذا البلد ذا الموقع الاستراتيجي والموارد الطبيعية الضخمة يعاني أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية حادة، وهو يتطلع إلى استثمار موارده في التخلص من ربقة الفقر والخروج إلى العالم، بعدما ظل حبيس عقوبات واتهامات برعاية الإرهاب نحو ثلاثين عاماً، من أجل ذلك تتصرف الخرطوم حالياً ببراغماتية واضحة في سياساتها الخارجية، على أمل تعويض ما فاتها وتتعجل تحقيق طموحاتها لتصبح قوة إقليمية بارزة في أفريقيا والعالم العربي، لا سيما بعدما رفعت الولايات المتحدة اسم السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب ومعها العقوبات، وكانت تلك هي جائزة واشنطن للخرطوم على قيام الأخيرة بالتطبيع مع إسرائيل، كما أن القروض والمعونات الغربية أخذت تعرف طريقها إلى السودان بعد غياب. تدرك الطبقة الحاكمة في الخرطوم - عسكريين ومدنيين، برغم الخلافات الظاهرة بينهما - أن سياسات الدول تُبنى على قاعدة أساسية، هي المصالح المُشتركة بين الدول والفوائد المُتبادلة التي يمكن أن تجنيها كل دولة، لذلك يشرعون أبواب السودان لكل طارق، ما دامت هناك فائدة أو مصلحة، بغض النظر عن الخلافات أو العداوات بين (الراغبين)، أميركا وروسيا والصين والأوروبيين، على سبيل المثال.
 
أهداف مغرية
وتتباين أجندات هؤلاء الراغبين من وراء مسعى الحضور على الأراضي السودانية، وإن اتفقت في خطوطها العريضة؛ إذ تظل السودان هدفاً مغرياً لواشنطن لاستضافة مقر القيادة الأميركية الأفريقية (الأفريكوم) أو على الأقل أن يصبح إحدى نقاط الدعم اللوجستي الأساسية لتلك القوة التي يشمل مسرح عملياتها القارة الأفريقية، بخاصة القرن الأفريقي، في ظل وجود جماعات إرهابية في شرق القارة ووسطها وغربها، والأهم احتدام المنافسة الضارية و"التزاحم بالمناكب" على القارة السمراء - على حد وصف ميلان كونديرا في روايته "قلب الظلام" - لذلك تحاول أميركا قطع الطريق أمام المنافسين، من خلال دعم عملية الانتقال الديموقراطي في السودان، وخطوات السلام الأخيرة بين الفرقاء السودانيين (اتفاق جوبا)، وتحفيز الشركات الأميركية على الاستفادة القصوى من عقد شراكات اقتصادية مع الخرطوم، عبر الاستثمار في قطاعات الزراعة والتعدين والتجارة...إلخ، وكان رسو السفينتين الحربيتين الأميركيتين "كارسون سيتي" و"وينستون تشرشل"، على التوالي في ميناء بورتسودان، مؤشراً قوياً الى نية الجانبين تدشين تعاون عسكري بينهما، حتى ذكرت بعض الأنباء الواردة من الخرطوم أن واشنطن ستزوّد السودان بمنظومات تسليح، من بينها الطائرة المقاتلة "إف-16". صحيح أن الولايات المتحدة تمتلك نحو 34 قاعدة عسكرية وتسهيلات في موانئ القرن الأفريقي ومعظم الدول الأفريقية، لكن لعابها يسيل أمام الموقع الفريد للسودان وثرواته الهائلة التي لم تُستغل بعد، في إطار السعي الأميركي الحثيث للتحكم الاستراتيجي بالاقتصاد العالمي، عبر السيطرة على أدوات التنمية والصناعة والتجارة، بحيث تكون بيدها قرارات استخراج الثروات الطبيعية في دول العالم الثالث أو وقفه، لعرقلة المنافسين عن مزاحمتها، بخاصة الصين وروسيا وغيرهما.
 
السلاح... والقمح
وقد أتى التحرك الروسي نحو السودان عقب إعلان الإدارة الأميركية شروعها في رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وأعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنشاء مركز لوجستي روسي على شاطئ البحر الأحمر، شمال بورتسودان؛ في إطار التحول في "العقيدة الاستراتيجية" الروسية منذ 2014، لمواجهة توسع حلف الأطلسي (الناتو) على حدودها، وهو ما تعتبره محاولة جديدة لحصارها أو احتوائها، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي السابق، وهي تتصدى لذلك التوسع بالقفز فوقه ومحاولة اختراقه بنقاط ساخنة من خارجه؛ عبر تعزيز وجودها البحري حول العالم والوصول الآمن إلى المياه الدافئة.
 
ويبرز التمدد الروسي صوب القوقاز والبحرين المتوسط والأحمر وأفريقيا والشرق الأوسط عموماً، والسودان خصوصاً، قدرة موسكو على استغلال الحوادث؛ من خلال استراتيجية "القمح والسلاح"... صحيح أنها ليست استراتيجية جديدة، لكنها تصاغ اليوم من أجل تثبيت أنظمة تعيد بناء نفسها في لحظة تفرض فيها ميليشيات آكلي الدول ذاتها عليها، أو تواجه أنظمتها تحديات وجودية أو أزمات مستحكمة، وبناءً عليه وضعت روسيا أقدامها على شاطئ المتوسط في سوريا وليبيا، وأقرت مسودة اتفاقية مع مصر "من شأنها أن تسمح لكل جانب باستخدام المجال الجوي والقواعد الجوية للطرف الآخر". وفي 4 آب (أغسطس) الماضي، نقلت صحيفة "بيلد" الألمانية عن تقرير سري للخارجية الألمانية أن موسكو عقدت اتفاقيات تعاون عسكري مع 21 دولة أفريقية منذ 2015، وبينما تحتفظ موسكو بقوات وقواعد في ست دول أفريقية يبدو أن الدور جاء على السودان، فقد ظل الوصول إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي "حلماً" يداعب قياصرة روسيا، منذ مئتي عام. حلم جعلته القوى المنافسة، لا سيما بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، "عصياً" على التحقق، وظلت معه روسيا، القيصرية ثم السوفياتية، "قوة بر" لا "قوة بحر"، أي "امبراطورية عرجاء" تسير على قدم واحدة.
 
اليوم يعيد بوتين بناء أولويات بلاده، ويُدخل البحرَ الأحمر فضاء المصالح الروسية، بإعلانه تدشين "المركز اللوجستي" في بورتسودان؛ لتوسيع نفوذ بلاده في الشرق الأوسط وأفريقيا، بالمعاهدات الاقتصادية وصفقات السلاح والقواعد العسكرية التي تتيح تحريك القوات في مسرح العمليات؛ كمفتاح ردع للقوى الأخرى. وينص الاتفاق حول القاعدة البحرية أن تستوعب سفناً حربية روسية نووية وغير نووية، ويسري 25 عاماً قابلة للتجديد، على أن تقدم روسيا المساعدة للسودان أمام التهديدات. وسائل إعلام روسية أشارت إلى مفاوضات بين الطرفين، لتزويد الخرطوم أسلحة متطورة، مثل "سوخوي-35" و"إس-400"، بخاصة في ظل النزاع الحدودي بين السودان وإثيوبيا والخلاف المزمن حول سد النهضة الإثيوبي. ولعل ذلك أبرز أسباب سماح السودان بإقامة قاعدة روسية على أراضيه، في خرق لمبدأ مستقر منذ الاستقلال، وهو عدم السماح بأي قواعد أجنبية قد تنتهك السيادة الوطنية وتورط الخرطوم في نزاعات خارجية ليست له مصلحة فيها. وبالإضافة إلى صفقات الأسلحة، تأمل الخرطوم في جذب الشركات الروسية للاستثمار في قطاعات البنية الأساسية والغذاء والتعدين والطاقة والمحطات النووية وغيرها.
 
خنق الأعداء
يرى الكاتب الروسي رسلان غوريفوي أن الإمكانات اللوجستية للقاعدة الجديدة في السودان تتيح للأسطول الروسي القدرة على خنق أي دولة معادية، ومد أذرع موسكو وتعزيز حضور شركاتها في أرجاء القارة السمراء، للاستفادة من الثروات الخام الكامنة في أراضيها وبحارها كاليورانيوم والذهب والكوبالت والنفط. لكنه لم ينكر أن هذه المخازن الطبيعية للثروات الخام قد تكون مصدر صراع مستقبلي، بين روسيا والولايات المتحدة والصين وفرنسا وبريطانيا والهند وغيرها. وبالفعل، أشعل الطموح الكبير للحصول على بقعة نفوذ ثابتة في أفريقيا والشرق الأوسط، "حرب الموانئ" أو "حرب القواعد" العسكرية بين القوى الفاعلة؛ لانتزاع موطئ قدم في القرن الأفريقي؛ أعان على ذلك الفراغ العسكري والأمني وانتشار الفقر والنزاعات في المنطقة، فتمددت القوى العالمية والإقليمية عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، في معظم دول الإقليم، ومنها إلى قلب أفريقيا وحواف آسيا.
 
ها هي الصين تطوّق المنطقة، عبر مبادرة "حزام واحد وطريق واحد" وتتمدد في "أوراسيا"، قلب العالم، وأفريقيا، بأضخم مشروع تنموي اقتصادي بقيمة 21 تريليون دولار، لكنها تحيط "طريقها" بالقواعد، والبداية كانت على مشارف "باب المندب"، في مدخل البحر الأحمر الجنوبي، في جيبيوتي التي تضم أراضيها قواعد لأميركا وفرنسا وبريطانيا واليابان وإيطاليا، والسعودية، وتسجل إسرائيل حضورها في إريتريا ومعها الإمارات، وأقامت تركيا - ومعها قطر - قاعدة في الصومال، وتحظى إيران بحضور في اليمن عن طريق "الحوثيين".
 
تبدو شعوب الدول المطلة على البحر الأحمر وكأنها تقف على أطراف أصابعها، حيث يلقي زحام الأساطيل الحربية فوق مياهه بظلاله، إذ يمكن أن تنجذب دول المنطقة إلى ساحة الصراعات بين الكبار، ما ينذر بإشعال العداء بينها، في منطقة تضج بالحروب الأهلية كإثيوبيا، وبالأزمات كالسودان؛ فالأوضاع الداخلية غير مستقرة، في بلد يمر بمرحلة انتقالية، ويعاني بشدة سياسياً واقتصادياً، وتطفو على السطح خلافات بين المكونين المدني والعسكري، في السلطة السودانية الراهنة، حول طبيعة العلاقة مع أميركا وروسيا والصين ودول أوروبية. الأمر الذي اعتبره الكاتب السوداني د. النور حمد دليلاً على الارتباك والتخبط الاستراتيجي؛ مبيناً أن السياسة الخارجية لبلاده لا تزال تعيش في ظل تقلبات فترة حكم البشير. كما أنها، في ما يبدو، لا تنطلق من مركز حكم واحد، بل من مركزين وربما أكثر. وقال إن لهذا التخبط ثمنه الذي ستدفعه البلاد عاجلاً أو آجلاً؛ محذراً من أن تضارب الحسابات الدولية والإقليمية للقوى المختلفة تجاه السودان قد يدفعه إلى حافة الهاوية.
 
انقلاب السحر على الساحر
ما ذهب إليه النور حمد يوافقه عليه كتاب ومفكرون آخرون، في السودان ودول عربية وأفريقية، بخاصة مع بوادر غياب اليقين بشأن أهداف القوى الكبرى المتصارعة على ثروات الشعوب، في ظل أوضاع جيو-ستراتيجية لا تثبت على حال؛ محذرين من انقلاب السحر على الساحر، وعودة الاستعمار القديم، بوجه جديد، وأوضحوا أن الارتماء في أحضان تلك القوى في ظل حالة الضعف والانكشاف التي تعانيها معظم الدول العربية والأفريقية ما هو إلا خلط بين المسارات والمراحل والتكتيكات، فوق قضبان استراتيجية مضادة واحدة، وقالوا إن المشكلة الحقيقية بالنسبة الى الدول العربية والأفريقية أن كثيراً منها "دول فاشلة" ترى أن الخوف من جهنم أكثر تأثيراً في قوة الإيمان، من الطمع في الجنة.. والواقع أننا نتقلّب أو نُقَلّب على هذين الوجهين للإيمان بأميركا أو روسيا أو الصين أو غيرها؛ فقد انتهت مرحلة الطمع الوهمي في جنة هؤلاء "الأقوياء"، وبدأت مرحلة الخوف الغريزي من نارهم، لكن الخشية أن يثقل الخوف ميزان الإيمان بالأقوياء في المرحلة الجديدة لـ"الاستعمار"، أكثر منه في الأولى!
 
نقلاً عن النهار العربي
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم