الأربعاء - 26 كانون الثاني 2022
بيروت 11 °

إعلان

عن مقاومة اللبنانيين لـ"لبنان المقاومة"

منى فياض
العلم اللبناني وسط اشتعال الشارع (حسن عسل).
العلم اللبناني وسط اشتعال الشارع (حسن عسل).
A+ A-
محزن أن تسمع صوت طفل يقول لرفيقه: "تعا نتخيّل": بلد حلو يحبّه الآخرون، وبلد بتفتح حنفيّة فيها ماي وبتشرب، بتشرب قد ما بدّك.. ولو أهلنا بيرجعوا يشتغلوا ومنرجع عالمدرسة وما بعود فيه زعران يقوصوا علينا رصاص طائش، وإذا ستّي مرضت نقدر نجبلها دوا حتى ما تطلع عالسّما، تعا نحلم... يختتم الشريط بصوت بالغ: هذه حقوق وليست أحلاماً.

نعم تحوّلت حقوق اللبنانيين إلى أحلام مستحيلة.

الموظفة الشّابة في مكتب شركة لبنانية كبرى تشكو للزبون: جيلنا لا يعيش. لم نعد نستطيع شراء شيء. نركض لنشتري ما سمعنا أنّه أرخص. كانت سُفرِتنا في الأعياد عامرة، الآن بالكاد نشتري الحلّوم والقشقوان. صرنا نأكل المصاري.

إحدى قواعد التربية، لطفل مستقرّ وبصحّة نفسيّة جيّدة، الشّعور بالأمن؛ وذلك بتوقّع ما سيحصل غداً انطلاقاً ممّا حصل بالأمس ويحصل اليوم. الشّعور بالأمن الذي يجلبه ثبات المحيط وروتين السّلوك. وما يسري على الأفراد يسري على الجماعات. في لبنان غاب الأمن، وغاب الاستقرار، ويستحيل توقّع أحداث الغد؛ وهذا أسوأ وأخطر ما يُمكن أن يعيشه الكائن.

عندما وصلت إلى مونتريال الصيف الفائت بعد غياب عامين، أوّل ما لفت نظري ثبات الأسعار كما كانت قبل عامين. بقي سعر زجاجة نبيذ أحبّها هو نفسه بالسنتيمات. وتصدّرت زيادة سعر كيلو اللحم بربع دولار الصّحف. سعر القهوة الفيلتر الطليانيّة أرخص في مونتريال منها في بيروت حالياً، ومع انهيار الاقتصاد. سعر إحدى منتجات شول في مونتريال 12 دولاراً كنديّاً، وفي صيدليّات بيروت 15 دولاراً أميركيّاً؛ وقِسْ على ذلك.

فقدنا القدرة على تقييم تكلفة الحاجات الأساسيّة. الأسعار تتصاعد كلّ يوم، فيستحيل معها التّخطيط. صرنا تحت رحمة القدر والدولار والتجّار والمصارف واللاحكومة في اللادولة، بإشراف طبقة تفعل السّبعة وذمّتها للبقاء. تمثيليات خلاف وحفلات شتائم وفكّ تحالفات وإعادة تركيبها وتسابق على سرقة شعارات الثورة، تحسّباً للانتخابات التي اعتادوا على عرقلتها إلى حدّ إلغائها.

إنّه الذّلّ اليوميّ محروساً ومصاناً من قبل من انتُخبوا باسم الشّعب، الذي يُهاجر مهرولاً بالآلاف شهرياً. هذا هو لبنان الذي يفتخر به خطباء "المقاومة"؛ لكن المرفوض من أغلبيّة اللبنانيّين.

حدثان بوليسيّان طبعاً الأسبوع الماضي، غضبة الرئيس ميقاتي التي أدهشت اللبنانيين المستبشرين بأنه سيتصرّف أخيراً كرئيس للحكومة! لكنها "غضبة في فنجان"، جلّدها صقيع كانون. ثمّ جاءهم الـsuspense "في الحديث - القنبلة الموعودة للرئيس. ذهبت ظنونهم أنها ليست أقلّ من استقالة، قد تخفّف من جهنم التي وعدهم بها ووفى، خصوصاً بعد أن قدّر الفترة المطلوبة للتعافي بستٍ أو سبع سنوات إضافيّة! قرأها بعض المغرضين على أنها فترة الصّهر الرئاسيّة المقبلة - لا سمح الله -.

لكن تبيّن أنّ القنبلة مجرّد فتّيشة ناريّة، اختبأت في عباءة "الاستراتيجية الدفاعيّة" المنتظرة منذ أكثر من خمس سنوات، وأعاد الحياة إلى ثلاثيّة "جيش - شعب - مقاومة"، التي كانت اختفت، إلى جانب مواعظ في ما يجب أن تكون عليه الدولة!

علّق الكوميدي نعيم حلاوي: "عم يسألنا كلّ سؤال أكبر من التاني.. والله يا خيّي ما منعرف بلكي هلّق منعمل اجتماع طارئ للشعب". لكن سمير عطاالله ذكّرنا: "بقائد جيش يشكّل حكومة من وزيرين، ويقصف بيروت في كلّ اتجاه، ويفتّش عن أقوى رأس في المنطقة فيُقرّر أن يكسره".

استنتج صديق ساخراً: وجود محورين متحاربين في لبنان: الأول "العميل" الأميركي - السعودي، الذي يُريد ارتهان لبنان للخارج، والثاني "الوطني" بزعامة "الحزب الإيراني" الذي يدافع عن سيادة لبنان وحقوق مواطنيه ودولتهم!

وعلى هذا المنوال، ينفي رئيس الحكومة ارتهان الدولة، لعلّه يضع نظّارة سوداء عند مروره بصور قتلى الاحتلال الإيراني، الذين لا تجرؤ طهران على استفزاز الإيرانيين بتعليقها على طريق مطارها، فتعلّقهم عندنا.

أصبح ارتهان الشّعب لطبقة سياسية تأتمر بأوامر حزب الله الخاضع بدوره لسلطة تحتلّ لبنان بواسطته، يُشكل عبئاً ثقيلاً على اللبنانيين، ويضعهم أمام تحدّيات غير مسبوقة، إذ يجعلهم شركاء الحزب في حروبه واعتداءاته على أمن واستقرار السعودية ودول الخليج. فكيف سيتعامل اللبنانيّون معه وأيّ موقف؟! هل المطلوب عزله؟ أو الانفصال عنه؟ وكيف؟ خصوصاً أنه يخرق المادة ١٢ من إعلان بعبدا التي تنصّ على تحييد لبنان عن نزاعات وحروب المنطقة! وقد سُجّل الإعلان كوثيقة رسمية في جامعة الدول العربية والأمم المتحدة بموافقته وتوقيعه؟

في هذا السياق، تداعى مواطنون لبنانيون لتشكيل مجلس وطني لإنقاذ لبنان من الاحتلال، الذي لا يتحقق سوى بإنجاز الوحدة الوطنية بين مكوّنيه الأساسيين، المسيحي والمسلم؛ وكما حصل منذ الاستقلال مروراً بالميثاق الوطني وصولاً إلى دستور واتفاق الطائف، الذي أرسى الميثاق مطوّراً: لبنان وطن نهائيّ لجميع أبنائه، عربيّ الهوية والانتماء.

المطلوب الآن حشد الطاقات لحوار وطنيّ جامع بين المكوّنات المستقلّة التي تسعى إلى تحرير لبنان وتحقيق السيادة والوحدة الوطنية، على غرار ما حصل عند إخراج الجيش السوري من لبنان.

تبيّن تجارب الماضي، وطبيعة لبنان بتنوّعه الطائفيّ والسياسيّ، أنّ السّيادة تُنتقص كلّما اختلفت مكوّناته الطائفيّة. فكلّما اهتزّت الوحدة الداخليّة أو تراجعت، تراجع الاستقلال والسيادة. وحده المشروع الذي يجمع مكوّنات لبنان المتعدّدة يحفظ السيادة والعيش المشترك. إن استدعاء أيّ فريق داخليّ للخارج كي يشكّل معه مشروع غلبة على حساب العيش المشترك والوحدة الداخلية، يؤدّي إلى انتقاص السيادة والاستقلال.

لن يتحقق مطلب رفع يد الاحتلال الإيراني عن لبنان إذا كان مختصّاً بطائفة أو جماعة واحدة أو حزب أو فريق سياسيّ. المجلس الوطني المقترح يهدف إلى كسب الرأي العام بمختلف مكوّناته، وإحدى أهمّ وظائفه وأهدافه جمع الطاقات بهدف إعادة تكوين الوحدة الداخلية من خلال الالتفاف حول النصوص المرجعيّة، أي الدستور اللبناني ووثيقة الطائف، ويعنى بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية: 1701 و1680 و1559.

قد يقول قائل: أهذا هو حلّكم السحريّ؟ نعم، فالموقف سلاح على ما صرّح الشيخ راغب حرب في سنيّ المقاومة الحقيقيّة.

وهنا يجدر التنويه بالمذكّرة التي قدّمها عصام خليفة وزميلته إلى الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريس عن خطر تحلّل الدولة اللبنانية بسبب سلوك المسؤولين فيها، ومحاولة بعضهم تعطيل دور القضاء في كشف جريمة انفجار مرفأ بيروت. سياساتهم تحمل خطر إحداث مجاعة للشعب اللبناني وتهجيره. لذا خلصت المذكّرة إلى مناشدة الأمم المتحدة العمل على تطبيق القرارات الدولية (1701، 1559، 1680)، وكلّ الاتفاقيّات الدوليّة ذات الصّلة، لا سيّما اتفاقيّة منع جريمة الإبادة الجماعيّة والمعاقبة عليها.

نُشر في موقع "الحرة".

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم