السبت - 23 كانون الثاني 2021
بيروت 16 °

إعلان

بوتين و"ظل الامبراطورية"... الأوراسية الجديدة وعسكرة السياسة الخارجية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ ف ب).
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ ف ب).
A+ A-
 
محمد حسين أبو الحسن
 
في العام 1905، دار الأسطول الروسي حول أوروبا وأفريقيا وآسيا، قاطعاً نصف العالم من أجل الوصول إلى فلاديفوستوك شرق روسيا، لحمايتها من العدوان الياباني، لكن الأسطول الياباني اختبأ في إحدى جزر الأرخبيل، ودمر الأسطول الروسي عن بكرة أبيه.

عن هذا الموضوع، كتب محمد حسين أبو الحسن في "النهار العربي": "ظلت تلك الواقعة حاكمة للعقل السياسي الروسي، حتى عهد فلاديمير بوتين الذي بنى "عقيدة استراتيجية" تقوم على شن حرب في كل الجبهات ضد "محاولات إذلال روسيا"؛ ولبسط سلطانها على ما حولها، وغلق الثغرات أمام منافسيها. ومن ثمّ فإن فهم "عقيدة بوتين"، بمعنى الرؤية الاستراتيجية التي تحكم آليات صنع التوجهات الروسية، يتيح فرصة لفك كثير من الألغاز في الشرق الأوسط والعالم الذي يقف على أطراف أصابعه، في ظل صراع "العقائد الاستراتيجية" بين القوى الكبرى.

بعد عامين من تولّيه الحكم في روسيا -الكسيرة بعد غروب الاتحاد السوفياتي- احتد بوتين في وجه العالم قائلاً: "نحن قوةٌ عالمية، ليس لأنّنا نمتلك قوة عسكرية عُظمى وقوة اقتصادية محتملة فقط، بل نحن كذلك لأسباب جغرافية، سوف نظل موجودين في أوروبا وآسيا، في الشمال والجنوب". ثم خرج القيصر مرة ثانية ليوضح أنه لا يريد الصدام مع دول أخرى؛ لكنه مضطر للدفاع عن مصالح روسيا، وأنه سيفعل. 

"عقيدة بوتين"
أدرك بوتين مبكراً أنه لا يمكن النصر في أي حرب؛ ما لم تكن هناك استراتيجية، ولا توجد استراتيجية لمسرح عمليات بعينه؛ من دون استراتيجية عليا توجه الاستراتيجيات الفرعية، وصولاً إلى مرحلة التكتيك التي تتعلق بمعركة محددة في حرب شاملة. شن الكرملين حرباً شاملة على مستوى الفكر والثقافة والاقتصاد والتقنيات الحديثة، وليس فقط عبر استعراض عضلات روسيا النووية والصاروخية العابرة للقارات والمقاتلات والغواصات الاستراتيجية؛ ونجح في قلب المشهد، استرد كرامة روسيا، بعدما أذلها الغرب والشرق، وأعادها قوة يحسب حسابها في شؤون العالم. 

منذ مطلع القرن العشرين، صنعت المدرسة الجيوبوليتيكية، منطق الدولة الروسية، وألكسندر دوغين هو أبرز أقطابها؛ فهو العقل الجيوبوليتيكي الأكبر الذي حدد مسارات الإستراتيجية الكبرى لروسيا المعاصرة في العالم حتى اليوم. قول واحد "الجغرافيا" كلمة السر الدائمة في الاستراتيجيات الروسية؛ فلا يستطيع أي حاكم التغاضي عن ضرورات تأمين أراضيها الشاسعة؛ لهذا آمن "القياصرة" في كل العهود بالتفكير الإمبريالي؛ لتحييد التهديدات عن الحدود أو القضاء عليها، ونظروا إلى الديموقراطية والليبرالية والاقتصاد المفتوح بوصفها خطراً؛ وذلك انبثاقاً من دافعين أساسيين: الحمائية والاستثنائية: تأسيس نظام اجتماعي وسياسي داخلي تكون فيه روسيا علمانية قوية، يمنح الدولة قدرة الدفاع عن مصالحها وكبح العدائيات خارجياً؛ هكذا ظل "الجيوبوليتيك الدفاعي" استراتيجية مؤطّرة لموقع روسيا في النظام الدولي.

السيطرة على "قلب العالم"
جوهر الجيوبوليتيكا هو تحليل العلاقات السياسية الدولية في ضوء التركيب الجغرافي؛ لذا تختلف الآراء الجيوبوليتيكية باختلاف أوضاع الجغرافيا التي تتغير بتغير تكنولوجيا الإنسان. يقول الجغرافي البريطاني الأشهر هالفورد ماكيندر: "لكل قرن جيوبوليتيكيته". تحت حكم فلاديمير بوتين ينصب اهتمام الدب الروسي على "أوراسيا" التي وصفها ماكيندر بأنها "قلب العالم"، وهي المنطقة الممتدة من أوروبا وآسيا وحافتها الأفريقية، بما يشمل الشرق الأوسط، 56 في المئة من مساحة اليابسة، 85 في المئة من سكان العالم، وتحيط بها مسطحات مائية، تتجاوز ثلاثة أضعاف اليابسة، قدرات زراعية وصناعية هائلة وممرات اتصال وتجارة برية وبحرية وجوية، فالقوة التي تتموضع في مفاصل "أوراسيا" براً وبحراً وجواً، تضمن الهيمنة عالمياً، ومن ثم يمكن فهم الصراع الرهيب بين مشاريع الهيمنة في العصر الحديث، من "مشروع مارشال" وحلف "الناتو" الأميركي - الغربي، إلى مشروع "الطريق والحزام" الصيني، إلى "الأوراسية الجديدة" المشروع الروسي الذي يربط موسكو عبر دوائر متداخلة بالدول الآسيوية والأوروبية والشرق الأوسطية والأفريقية، أولى حلقاتها دول الاتحاد السوفياتي السابق؛ بوصفها منطقة نفوذ خالصة لروسيا، أمام التمدد الغربي، من خلال عقد شراكات وتقارب اقتصادي وسياسي مع الدول التي تشاركها الحدود، أو التدخل عسكرياً عند اللزوم، كما حدث في القرم وأوكرانيا وجورجيا، أو أبعد في سوريا وليبيا وأفريقيا الوسطى...إلخ.

تصلح "عقيدة بوتين" -أو استراتيجيته- مفتاحاً لفهم توجهات موسكو إزاء الأحداث الإقليمية والعالمية الراهنة؛ استراتيجية معقدة، لا تصنف الدول الأخرى عدواً لا تتعامل معه وحليفاً تنفذ له ما يريد. إنما ترتكز إلى عنصري القوة العسكرية الضاربة، والخبرة الدبلوماسية العريقة، العصا والجزرة، تطرح نفسها وسيطاً أو منسقاً لترتيب التوازنات بين محاور متناقضة بشدة، عسكرياً أو اقتصادياً أو سياسياً، تجلى ذلك في معظم التدخلات الروسية في نزاعات العالم القديم، وآخرها "كراباخ" بين أذربيجان وأرمينيا.

أوراسيا هي منصة تفاعلات السياسة الروسية، باعتبارها قاعدة السيطرة العالمية. طرح بوتين "خطة عمل للتعاون في أوراسيا"، وهو براغماتي ينظر إلى الصين شريكاً استراتيجياً، ويمد إليها خطوط النفط والغاز والمواصلات، وصفقات السلاح المتطورة، ويفعل الشيء نفسه مع غريمتها اللدود الهند، ومع اليابان، تركيا واليونان ومصر، أذربيجان وأرمينيا، دول الخليج وإيران، وغرب أوروبا بخاصة ألمانيا... تطرح روسيا نفسها شريكاً استراتيجياً لهذه الدول، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، بل الأهم من زاوية الأمن الإقليمي والاتفاقيات الدفاعية؛ كي تصبح لموسكو اليد العليا الأمنية، فلا يوجد فارق بين القوة التي تتيح لدولة ما انفتاحاً تجارياً على العالم، والسبل التي تتبعها كيانات لبناء إمبراطوريات، مزيج تجاري ودبلوماسي وسلطوي.

العدو الأول
في العام 2010، اعتبرت "العقيدة العسكرية الروسية" أنّ "العدو الأول الخارجي لروسيا هو توسّع حلف شمال الأطلسي (الناتو) شرقاً، باتجاه حدودها"، ورأت في الخطة الأميركية لنشر الدرع الصاروخية في أوروبا، مصدر قلق لأمنها، بالإضافة إلى الأخطار الداخلية، كمحاولات تغيير النظام الدستوري، وتطاول الحركات الانفصالية المدعومة غربياً على وحدة البلاد والإرهاب، مثلما حدث في الشيشان. وفي العام 2015، صادق بوتين على تحديث "العقيدة الروسية" التي تقرّ بوجود عسكري بحري روسي دائم في المحيطات: الأطلسي والهادي والهندي، كذلك في القطبين الشمالي والجنوبي، والبحار: قزوين والأسود والمتوسط والأحمر واليابان.

يرى صناع القرار الروس بلادهم أمة ذات مهمّة حضارية فريدة؛ مركز قوة وثقافة، لا شرقية ولا غربية، لا آسيوية ولا أوروبية، لكنها "أوراسية" يشدّد بوتين، على أن موسكو "مضطرّة لاتخاذ خطوات مناسبة؛ من أجل موازنة القوى الإستراتيجية". توازن القوى، في رأي القيصر، ضمانة لأمن بلاده بل لأمن سائر الأمم؛ صمّام أمان يحول دون وقوع نزاعات مسلحة كبيرة في أوروبا والعالم.

بحثاً عن التوازن، رفع بوتين النفقات العسكرية إلى 21 في المئة من الميزانية الروسية، في 2018، أي ضعف ما كانت عليه في 2010، وعزز الردع النووي بنشر40 صاروخاً جديداً عابراً للقارات، وفي 2018، فاجأ القيصر العالم بكشفه عن صواريخ بعيدة المدى يصعب إسقاطها، في ترسانة بلاده، تكسر التوازن الاستراتيجي التقليدي وغير التقليدي مع الولايات المتحدة، وتهدد بتحويل سفنها المسيطرة على محيطات العالم إلى خردة عائمة، في محاولة لموازنة التفوق الجوي الأميركي.

في مديح القوة
عمد الحكام الروس، على مرّ العصور، إلى تحصين قدرة (البَرِّ) الروسي، لمواجهة قوى (البحر) الغربية. اليوم يشهد هذا الفكر الاستراتيجي تحولاً جوهرياً؛ إلى القدرة على مواجهة قوى الجو والفضاء، بما يمثل قفزة في تاريخ الصراع على الجيوبوليتيك بين القوى. إن التقدم الهائل الذي طرأ على الصواريخ الاستراتيجية بمدياتها المختلفة والمقاتلات "القاذفة" و"المتعددة المهام" و"المسيرة"، في الوقت الحاضر، يترك بصمته على الفكر الجيوبوليتيكي؛ لذا ظهرت آراء تسعى الى رسم جيواستراتيجية للعالم على أساس القوات الجوية. في دراسته "القوة الجوية مفتاح البقاء"، يخلص ألكسندر سفرسكي إلى أن الوضع الجيوبوليتيكي الحالي يتيح لمن يملك السيادة الجوية في مناطق النفوذ، السيطرة على العالم. 

روسيا تحث الخطى لامتلاك القوى البرية والبحرية والجوية والفضائية المتقدمة؛ في حين يتعامل الغرب دوماً بريبة مع نواياها، ويلجأ إلى عقابها، أحياناً، سواء في عصور القياصرة أم السوفيات أم بوتين. أنزل الغرب عقوبات بموسكو؛ بعد انتزاعها القرم والتدخل في جورجيا وأوكرانيا، وضاق بوجودها في سوريا وليبيا، وبتمددها في الشرق الأوسط وأفريقيا جنوب الصحراء، واستشاط غضباً لمحاولاتها الدؤوبة لخلخلة بنية الناتو، باستقطاب تركيا وتزويدها منظومة "إس-400" أو التعاون معها في ملفات استراتيجية، من آسيا الوسطى إلى شرق المتوسط، على سبيل المثال.

المخاوف تتصاعد
يوماً بعد يوم تتفاقم الشكوك الأميركية والأوروبية، في "عقيدة بوتين" وخطواته، في ظل التوتر المتصاعد بين روسيا والصين والولايات المتحدة وأوروبا، نتيجة الانعطافة الأميركية صوب المحيط الهادي، ما قد يعصف بما يسمّيه خبراء: "الحذر الإستراتيجي المتبادل".

اعتبر الجنرال جوزف دانفورد قائد الجيوش الأميركية السابق روسيا مصدر التهديد الأكبر لأميركا. هذا يعني أن بوتين كسب جولة في المباراة الشطرنجية مع واشنطن وحلفائها، أقفل الباب أمامهم بيد غليظة في القوقاز، ولم يرضَ بالفتات في سوريا، وجاء التوسع الروسي في أحد وجوهه رداً على الدرع الصاروخية الأميركية المنصوبة في أوروبا. 

لا يستسلم بوتين أمام قسوة التحديات، إنه يعد الضغط المستمر محفزاً للتطور العسكري والاقتصادي والاجتماعي، وإن ارتدى قفازات حريرية في الحلبة. تنظر روسيا إلى نفسها والسلاح مسلط صوبها؛ صحيح أن الجميع لا يريد قرع طبول المواجهة الشاملة، لكن هذا لا يعني انخفاض حرارة الصراع بين القوى الكبري، فالمعارك الخلفية لا تكاد تنطفئ، يحاول بوتين إضعاف أوروبا وخلخلة الناتو وعرقلة التمدد الأميركي، وكفالة علاقة إيجابية مع الصين والهند واليابان وإيران وهادئة مع العالم الإسلامي وحصة في أسواق الخليج وموارد أفريقيا. يساعده على هذا افتقار المعسكر الغربي و"الناتو" إلى عقيدة أمنية محددة؛ للخروج من المأزق الذي فرضته الولايات المتحدة على أوروبا والعالم، منذ أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وبالأخص في عهد ترامب و(البريكست) وصعود اليمين المتطرف.

نعمة..أم نقمة؟!
بداعي الإنصاف، يجب ألا ننسى أن الولايات المتحدة هي القوة العسكرية المُهيمنة دولياً، وأكبر اقتصاد في العالم تنتج نحو 20 في المئة من ثروته، بما يجعلها عقبة أمام طموحات بوتين. في مقابلة مع "سي.إن.إن"، قال ليون بانيتا، وزير الدفاع الأميركي الأسبق: "بوتين يفكر بروسيا وطريقة توسيعها وكيف يقسم الشرق عن الغرب، يبذل كل ما يستطيع للحصول على النفوذ في الدول السابقة في الاتحاد السوفياتي"، وتابع: "إنه شخص يستغل نقاط الضعف في الآخرين، وبصراحة علينا أخذ موقف أقوى ضده، لأننا منخرطون الآن في فقرة جديدة من الحرب الباردة، وكل ما يفهمه هو القوة"!.

لكن المحلل السياسي الأميركي أندرو كوريبكو حذر من أن قرار الغرب مواجهة روسيا والحرب الباردة الجديدة قد يكونان نعمة في ثوب نقمة. فقد أصبحت موسكو تعقد صفقات كبرى في كل أنحاء أوراسيا، بدءاً بفيتنام ووصولاً إلى مصر أكبر بلد عربي، ما أدّى إلى الإحساس بانتشار روسيا في كل مكان، لافتاً إلى أن سياساتها تهدف إلى تعزيز البديل السياسي والاقتصادي، وتحدي الهيمنة الغربية وتسهيل ولادة عالم متعدد الأقطاب.

المخاوف من سياسات بوتين لا تقتصر على الغرب. يشعر عدد من جيران روسيا بالقلق، أمنياً واقتصادياً وسياسياً، من "عقيدة بوتين" وسياساته. بل إن معارضين داخل روسيا لا يتفقون مع رئيسهم، يقولون إن "الأوراسية الجديدة" لا تحمل خلاصاً لمشكلات بلادهم، ولن يكتب لها النجاح، مؤكدين أنها تحتاج موارد كبرى فيما تعاني روسيا أزمة اقتصادية خانقة، بالنظر إلى تخلف الهياكل الإنتاجية تكنولوجياً، اللهم إلا مجال التسليح العسكري، ويعتمد اقتصادها على تصدير النفط والغاز، مع ضآلة سوقها الداخلية. كما تعاني روسيا أكبر دول العالم مساحة (17 مليون كلم)؛ من مشكلة ديموغرافية، تهدد وجودها ذاته بالسقوط في قبضة الأطماع المتربصة، تفتيت "الاتحاد الروسي"؛ في بلد يملك ترسانة نووية عاتية، لو استمرت محدودية عدد سكانها (150 مليون نسمة)، قياساً إلى مساحتها. من أجل ذلك تسعى موسكو الى تأمين نفسها بالحد من التراجع الديموغرافي وتشديد قبضتها على أقاليمها، ومد ظل "الأوراسية الجديدة" بوصفها درع الحماية لوجود روسيا. يعتقد بوتين والذين معه أنه من دون (إمبراطورية) لا يمكن لروسيا أن تُوجَد، ببساطة سوف تنهار ويفترسها الغرب، أو تتعرض لتهديدات جدية من حواشها مع الصين ووسط آسيا وأوروبا، إن "الأوراسية الجديدة" هي ترياق فلاديمير بوتين لأوجاع بلاده المزمنة، ولو صح ما تداولته وسائل الإعلام البريطانية عن إصابته بـ"الشلل الرعاش" وأنه قد يغادر سدة الحكم، فإن مستقبل النظام الدولي بأكمله سيظل رهناً بكيفية تعامل الغرب مع تصاعد قوة روسيا والصين والهند، وبمصير الصراعات الجيوسياسية في "أوراسيا" التي لا تبدو قابلة للقسمة بين القوى المتصارعة؛ في ظل حديث جو بايدن عن "قيادة أميركا للعالم"... كل هذا يفرض على العرب تغييراً جوهرياً فى التوجه المؤسساتي الرسمي والشعبي، إن كانوا لا يزالون على قيد الرشد والبصيرة". 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم