الثلاثاء - 13 نيسان 2021
بيروت 18 °

إعلان

الوعي السياسي المتخلّف

المصدر: "النهار"
تصوير نبيل اسماعيل.
تصوير نبيل اسماعيل.
A+ A-
 
الدكتورة وديعة الأميوني

يجتاز اللبنانيون اليوم مرحلة مهمة في تاريخهم المجتمعي المعاصر، تستلزم الاستناد الى معايير ثقافية-سياسية جديدة تقاس بها قدرة الشعب على التغيير، لتحديد المدى الذي احرزه من تقدم او من تخلف عن مفاهيم الديموقراطية والمساواة والحرية المسؤولة، بهدف تحقيق مجتمع اقرب الى الاصلاح في الممارسات بعيدا من التعصّب والتقوقع والشعارات والخطابات الفضفاضة الملتوية.
يمرّ اللبنانيون بدون ادنى شك في مأزق داخلي جديد يُعيد الى ذاكرتنا مأزق الحرب في ظل الاحداث والتطورات الاقليمية والدولية. هنا لا نستطيع ان ننسب النزاعات الداخلية الى عوامل خارجية فقط كخدعة للتهرب والتملّص من تحمّل المسؤوليات في مرحلة انحطاط لم نشهد مثيلاً لها في تاريخ هذه البقعة الجغرافية البشرية.
 
لا شك ان اخراج البلاد من حالة البلبلة والتدني على مستوى المتغيرات كافة، يتطلب اليوم نمطاً جديداً في التعاطي في الشأن الوطني، بل يفترض اشكالية توسع التحركات لتشمل نطاق كلّ اللبنانيين مرتكزةً على قاعدة "مبادئ وطنية" واضحة تعمل في اطار برامج وخطط تكون من اولوياتها الحفاظ على الارض والمياه والثروات والتنمية والاعمار والتطوير واحترام حقوق المواطن وكرامته وتقديم أدنى متطلبات عيشه الكريم والمحافظة على أمواله ومدخراته. كما الالتفات الجاد في الوقت الراهن نحو الطبقة الفقيرة التي اتسعت دائرتها بعد تقلّص الطبقة الوسطى اليوم، لكي لا يكون الفقر سلاحاّ موقوتاً للارهاب والاقتتال.
من جهة أخرى، يجدر تكوين ارادة شعبية وطنية تدور في فلك المسؤوليات التي ينبغي ان يتحملها المواطن نفسه، وتهيّئ الظروف الملائمة لتغيير المفاهيم التي راجت عليها الطبقة الحاكمة والغاء المفاهيم التقليدية/المحسوباتية التي تفرض اللجوء الى "الزعيم" كمرجع "عشائري" أو "قبلي" لأجل تأمين الوظائف والعيش وحل الخلافات، وذلك بهدف رفع مستوى الوطن والمواطن كعلاقة جدلية على الصعد الاجتماعية والسياسية والصحية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والسكنية وغيرها.
 
انّ النظام السياسي القبلي القائم منذ عقود أدّى الى تغييب وتصغير فاعلية القانون ومؤسسات الدولة وهيبتها التي يفترض بها ان تكون الراعية الاساس لكل مواطن دون تمييز أو محسوبيات.
لطالما سمعنا خلال السنوات الاخيرة عن شعارات "دولة داعمة للقانون والمؤسسات" كضرورة اساسية في مسيرة الاصلاح والتطوير. يبقى التساؤل هنا: الى اي مدى يضع المواطن ثقته بمؤسسات الدولة التي فرغت من صدقيتها في تطبيق القوانين ومعاقبة المجرمين وتأدية الواجبات، وهي تملي عليه شعارات كثيرة وانجازات وهمية ليس لها صلة بالواقع والقانون والانماء؟
 
ففي حنكة المسؤولين اطلاق خطابات ذات دلالات واسعة غير محددة في المفاهيم والمصطلحات، تتضارب في ما بينها، لكي يضيع "المستمع" ويجتهد المحلل! بل انّ الخطاب غالبا ما يوجَّه نحو النخبة من السياسيين لتبادل المواقف المتشنّجة أو نحو المواطنين لتحذيرهم من الضعف اللاحق بوجوديّة طائفتهم! فالبرامج الخدماتية والتشريعية والانمائية لا ينفّذها رجل السياسة الاّ ليلقى في المقابل المنفعة "التصويتية – الانتخابية"، فتدخل مشاريعه في صميم التمييز الفئوي/الحزبي/الطائفي/المناطقي بين ابناء الوطن الواحد، فارضاً نفسه بطلاً لانجازٍ من المفترض ان يكون من واجباته البديهية، فينال تهليلات مناصريه!
ان اندماج المواطن الواعي والموضوعي والوطني اليوم في العملية/اللعبة السياسية، ضرورة اساسية في مسيرة الاصلاح والتطوير. هذا الادماج هو تقدم حضاري لتحرير المواطن من قيود الاستسلام وتمكينه من اغناء الوطن بطاقاته واعماله وانجازاته، بل لاستنهاض الوطن وحلّ القضايا التي تشكل عائقاً في مسيرة الحياة السياسية، بعيداً من مواقف "الاستزلام" والتأييد السياسي المقيّد والمفروض على المواطن طوعاً، والذي يكبت الآراء والتطلعات في ظل افتراض التطلّع نحو مصير وطني مشترك لشعب واحد يشترك في العيش على ارض واحدة.
 
تكمن المشكلة في جدلية العلاقة بين الحكام والمحكومين/المواطنين، وفي الاساس المعرفي الواعي للشعب اللبناني الذي يسيء الانتخاب من جهة، ولا يحاسب السياسي/زعيمه على اداء مهماته وواجباته من جهة اخرى، بل يلجأ المواطن الى تدبير شؤونه من طريق "الوساطة" وليس من طريق الكفاءة او القانون الذي لا يلتجئ اليه الا في حال فشل الوسيلة الاولى. فيكون بذلك انتهاكاً مبطناً لمكانة السياسي والمواطن والقانون معاً، وعاملاً اساسياً في زعزعة دعائم البناء الوطني بكل مؤسساته وأطيافه. ناهيك عن العمى الانتخابي حين تصبح مقاييس الاختيار والانتخاب مستندة الى معيار الخدمات الفردية التي يقدمها السياسيون/المرشحون، مثل التوظيفات والطبابة والرشوة والمساعدة المادية وحصص الغذاء المذلّة. فالمواطن لا يحاسب السياسي على مواقفه الوطنية وانجازات البرامج التطويرية، ولا يراقب او يتابع او يحفظ لكي يحاسب، اقلّه من خلال عملية الاقتراع، الامر الذي يؤدي الى اعادة انتاج الطبقة السياسية ذاتها (في معظمها) التي اوصلتنا الى ما وصلنا اليه اليوم. فهل من يسأل عن نهج السياسيّ او "هدفه" من خوض الحياة السياسية قبل انتخابه ويحاسبه على اخفاقاته في ما بعد؟
 
ان انتماءنا الى نظام ديموقراطي يفرض علينا الكثير من الحقوق والواجبات معاً. فالديموقراطية تلعب على اشكاليات اخضاع السياسي – الحاكم لارادة الشعب وقراراته وخياراته، فأين هو الشعب من معرفة هذه المعادلة الجوهرية؟ واين هو في كنف السلطة في لبنان؟ واين هي الوحدات المتفاعلة في سبيل النهوض الوطني وردم الهوة بين الحاكم والمحكوم؟
 
تكمن المشكلة الاساس في الثغر وسوء اختيار الرموز السياسية المتأثرة بتجارب الحرب والنظام الطائفي والمحاصصاتي القائم على الرشوات والمحسوبيات الذي لا يخدم مصالح الوطن، وفي سوء معرفة الشعب لدوره الفعال والاساسي في حسن الاقتراع وانقاذ الوطن وتعزيز الحياة السياسية في لبنان. الامر الذي يشير الى خلل جذري في مسألة الوعي الوطني، بل عدم النضال لأجل هذا الوعي الذي يفرض تعزيز مكانة القانون والمواطن معا، وما يترتب عليه من فاعلية في الابتعاد عن المفاهيم التقليدية والقبلية والدينية والالغائية والغوغائية والاوليغارشية والعشائرية المقيّدة لقدرات المواطن وتقدّم الاوطان.
لا نلوم هنا سوى الناس (الشعب) الذين يضعون رجال السياسة في حالة عالية مبتورة الجذور ولا يحاسبونهم على فشلهم بل يؤيدون اصنامهم ويتجاهلون اخطاءهم في القرارات والاختيارات، واضعين اللوم دائما على "فريق آخر" في موقع السلطة والقرار.
 
في توصيف سريع، نقول إنّ المواطن اللبناني يتهرّب من مسؤوليته ويلوم السياسيّ، والسياسيّ يتملّص من مسؤوليّته ويضع اللوم على الدولة (راجح)، والدولة تتخبّط في ما بينها وتربط نفسها بمظلة التغييرات الاقليمية والدولية. وهكذا دواليك، نحن في دوّامة دائرية، لا نعلم حقيقة "راجح" الغائب الحاضر في هذه الدولة التي اصبحت اقرب الى الحكاية من الواقع بفضل حكّامنا الذين سوف يزولون ويبقى لبنان!





الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم