الجمعة - 04 كانون الأول 2020
بيروت 17 °

إعلان

بعد نحو 10 أشهر... كيف أثّرت كورونا في عالم الأعمال؟

المصدر: "النهار"
كميل بو روفايل
الإنسان وقدره في مواجهة زمن الجائحة (تعبيرية- أ ف ب).
الإنسان وقدره في مواجهة زمن الجائحة (تعبيرية- أ ف ب).
A+ A-
 
فرضت جائحة كورونا ثقلها على عالم الأعمال، فغيّرت أنماط العمل ومفاهيم سّابقة عدة. غيّرت نظرة العالم إلى الأمور، فعلى سبيل المثال كانت مقابلات الصّفقات تتم عبر الاجتماع المباشر، وطرح إجرائها في وسائل التّواصل الاجتماعي كان يعتبر نوعاً من أنواع الاستخفاف في حال كان أطراف العقد من نفس المقاطعة أو حتّى البلد. أثرت في الاقتصاد العالمي بسبب الإقفال القسري الذي فرضته الحكومات في بعض الدّول، أدّت إلى مزيد من الركود الإقتصادي، وخسر ملايين من العمال حول العالم وظائفهم بفضلها. بعد مرور ما يقارب العشرة أشهر على انتشار وباء كورونا في العالم، كيف يقيّم روّاد الأعمال تعاطيهم مع المرحلة السّابقة؟ وما هي أبرز العقبات التي اعترضتهم وسبل الخروج منها؟
 
انقسمت الأعمال إلى فئتين، منها من استفاد من هذه الازمة نقصد بذلك القطاع التكنولوجي ومنها من تأثر بشكل كبير وأهمها القطاع السّياحي. بحسب نديم بو يزبك صاحب شركة تكنولوجية في لبنان والإمارات العربية المتّحدة "آخر خمس سنوات كان قطاعنا يتقدّم بشكل كبير لكن مع قدوم هذا الوباء ازدهر بشكل أكبر لأنّ التكنولوجيا كانت الملاذ الأكثر أمناً لاستمرار الأعمال والتّعليم وغيرها من الأمور الحياتية المعتادة رغم الحجر الصّحي ومخاوف العدوى". هذا الفيروس سريع الإنتشار لا يمكنه التّنقل بين الشّاشات لذلك لجأ الناّس إلى اللّقاءات من بعد، والشّراء من بعد، وحتى التسلية من بعد، فإرتفعت أسهم نتفليكس (وهو موقع يسمح للمشترك مشاهدة عدد كبير جدًّا من البرامج والأفلام من حول العالم). ساهمت الجائحة بإقفال المطاعم والملاهي الليلية، وأقفلت أكبر المطارات العالمية، حتى القطاع الصحي بدوره تضرر حيث ألغيت العمليات الجراحية غير الملحة وغير الضرورية وأقفلت العيادات الخارجية خوفًا من انتشار هذه العدوى بين أفراد الجّهاز الطبي والتمريضي.
 
أبرز التّحديات التي واجهها عالم الأعمال في بداية الأزمة
 
لم تتوقع الشّركات تحدّياً كهذا، وكان هدفها الأوّل هو البقاء. يعتمد هذا البقاء على إيجاد حل لهذه المشكلة التي تحول دون التقاء فريق العمل في مكان واحد بهدف القيام بالأعمال وأيضًا لتلبية حاجة الزبائن. لذلك كان البحث حول آلية لهذا الموضوع، والبديهي كان إستخدام الأجهزة والتّطبيقات الجديدة للقيام بالأعمال فزاد نطاق العمل من بُعد. لكن الحل الذي يُطبّق في شركة إعلانات لا يمكن تطبيقه في مطعم أو فندق. لذلك عدد لنا أندريه أبي عوّاد مؤسس تجمع روّاد الأعمال (entreprenergy) بضعة أمثلة ابتكرها المستثمرون بحسب مجالاتهم. "يوجد على سبيل المثال في لبنان مطعم مشهور بأطباقه الأرمنيّة الشّهية، بعد الإقفال القسري فقد موارده المالية، فأنشأ صفحة في تطبيق فيسبوك نشر عليها أطباقه العادية لكن مبرَّدة وقام بتوصيلها إلى المنازل عبر خدمة الدّليفري. أمّا في أميركا اصطدم مطعم بيتزا كان سيفتتح حديثًا بانتشار الوباء فقرر أن يصنع الكمامات في مطعمه عبر المعدات الموجودة فيه وفريق عمل المطعم، وذلك كي لا يتكبّد خسارة ويفلس". هدف البقاء شكّل تحدّياً كبيراً أمام الشركات التي تحركت بسرعة قياسية للمحافظة على الحد الأدنى من الموارد المالية الضرورية.
 
تكيّف المجتمع سريعًا مع فكرة العمل من بعد، لكن يروي أندريه أبي عوّاد عن بعض المصاعب التي تعترض العامل في هذا المجال خصوصًا من يعيش في منزل مزدحم أو مع أولاده، فتتضارب التزاماته المهنية والعائلية، ويصبح الفصل بينها عملية صعبة. المشكلة الأخرى التي تنتج من إندماج المنزل والعمل تكمن في الإرهاق النّاتج من ساعات العمل الطويلة التي تمتد لما بعد انتهاء الدّوام لأن فيصل التّمييز بين الدوامين اضمحل في الفترات الأولى. بالإضافة الى ذلك ظهرت كلفة جديدة على عاتق المؤسسات والشركات هي فاتورة إنترنت العمال، فمنهم من التزم دفعها ومنهم من تجاهل وجودها.
 
أمّا الشراء من بُعد عبر الدليفري أو الشراء الإلكتروني فكانا أيضًا قبل وجود كورونا ولكن التّحدي الجديد فرض على جميع الشركات التكيّف مع هذا النّوع. ويؤكّد نديم بو يزبك "أنّ الشركات التي لم تتكيف و تتحوّل إلى النظام الرقمي عليها فعل ذلك سريعًا لأن  مع إنحسار الجائحة سيبقى النمط الجديد للعمل والمشتريات هو السائد لأنه الأفضل". تكمن المشكلة هنا أيضًا في إختلاف أنواع الشركات، فالحل المعتمد لإحداها لن يكون بالضرورة مجدياً للأخرى. لذلك كثرت الإبتكارات فالعالم شهد ثورة رقمية من الطراز الأول، حيث باتت الأم والأب والأولاد كل منهم ممسك بجهاز ويتابع عمله أو دراسته  أونلاين. ولهذا الامر عدّة تبعات، من جهة ليس الجميع مدرباً على إستخدام التّكنولوجيا بطريقة إحترافية، وذلك يعود لنمط العمل السابق، فأساتذة المدارس لا يتقنون جميعًا إستخدام الأجهزة الحديثة والتقنيات الرقمية على الشبكة العنكبوتية، مما فرض على الشركات التي تعاني نفس المشكلة عبئاً جديداً وهو تدريب وإعداد عمالهم على هذه التقنيات. وفرضت ايضًا عبئاً آخر على الأهالي وهو شراء أجهزة كمبيوتر لكل فرد من أفراد الأسرة عليه متابعة عمله أو تعليمه من بُعد، وكأن الأزمة الإقتصادية التي يمر بها العالم بأسره لا تكفيهم.
 
يقول بو يزبك إن "هدف الشركات التكنولوجية لم يكن البقاء إنما الإستفادة من الموجة الرقمية العارمة وعدم التّأثر بالأزمة. بالإضافة الى ذلك زاد الطلب على منتجاتنا وأصبح هدفنا الآخر هو تلبية حاجة السّوق المتزايدة".
شهدت معظم الشركات في الفترة السابقة تحولاً رقمياً، وهذا التحوّل يمكن أن يكون كلّياً حيث يتحول العمل فيها الى عمل من بعد، ولكن ذلك لا يمكن تصوره في كل المجالات كالمصانع مثلًا فيكون التحول الرقمي فيها جزئيًا وعلى قدر الإمكان.
 
 
بعد تقييم الحلول، ما هي سُبل تطويرها للمستقبل؟
 
نجاح العمل من بُعد قائم على ركيزتين: الأولى هي التحول الرقمي عبر برامج إلكترونية تحفظ كل المعلومات التي يحتاجها العامل، والثانية هي العمل الفريقي من بُعد. أخبرنا بو يزبك: "المشكلة الأولى التي واجهتها في عملي من بُعد كانت عدم قدرتي على الاستحواذ على المعلومات والبيانات الخاصة بالعمل سوى بالحضور إلى المكتب لذلك عمدت إلى وضعها على برنامج رقمي خاص بالعمل من بُعد طورته لفريق العمل وأصبح بإمكان أيّ منّا اللجوء الى هذه البيانات من المنزل". من خلال خبرة بو يزبك نستنتج أنّ الشركة التي لم تطور على سبيل المثل برنامجًا إلكترونيًا يحفظ فواتيرها سيصعب على المحاسبين في الشركة الإستعانة بها للقيام بعملهم لذلك برمجتها ووضعها على شبكة خاصة بالشركة هو مفتاح أساس للعمل من بُعد. أمّا بالنسبة للعمل الفريقي فهو مهم جدًّا لأنّ التّواصل الرقمي بين الموظفين خلال العمل سيحفزهم أكثر ويجعل من العمل أكثر تنظيمًا، فالعمل الفريقي وإن كان من بُعد، يتطلّب وضع برامج عمل وتوقيت لكل اجتماع وحد أقصى لتسليم العمل المطلوب مما يؤدي الى حل مشكلة الالتزام.
 
يمكن الاستفادة من العمل من بُعد عبر الاستعانة بموظفين من جميع أنحاء العالم مما يسهل على الشركة استقدام الكفاءات العالمية ويلغي تكلفة بطاقات السّفر وتكلفة أماكن سكن العمال الأجانب. أضف إلى ذلك حذف تكلفة إيجارات أماكن العمل الضخمة في الشركات التي يكون فيها العمل من بُعد بالكامل ممكنًا. إنّ إنخفاض هذه التّكاليف أساسيًّا للهدف الأوّل البقاء والاستمرار في ظل انخفاض الموارد المالية للشركات في بداية الجائحة.
 
استفادت من هذه الأزمة كما سبق وذكرنا الشركات التي تعنى بالتّرفيه الإلكتروني عبر تقنيات الفيديو لكن أيضًا صالات الرياضة، التي أقفلت أبوابها منعًا من إنتشار الفيروس بين روّادها، والتي استعانت بدورها بالشبكة العنكبوية للاستمرار بالتدريبات لكن من المنزل، فيقف المدرب في صالة الرياضة أمام كاميرا الجهاز الإلكتروني ويراه بشكل مباشر كل الزبائن المشتركين في صفّه فيتواصل معهم ويعطيهم التدريبات والصفوف من بُعد.
 
لكن هذه الحلول زادت من نسبة البطالة. و يقول أبي عوّاد "بدل الإستعانة بأكثر من مُدرّب لإعطاء صفوف رياضية أصبح بإمكان صاحب صالة الرياضة الاستعانة بعدد أقل من المدربين وبث هذه التدريبات لأكبر عدد ممكن من الزبائن كذلك الأمر بالنّسبة للمعاهد والجّامعات". أمّا بو يزبك، فقال: "إن مصائب قوم عند قوم فوائد، فالعمل الذي خسره المدرب أوّ البائع في المتجر مثلًا ربحه مبرمج إلكتروني".
 
 
الأعمال الرّيادية بديلاً من فرص العمل الضائعة
 
لا نتوقع من العنصر الشاب الذي خسر عمله خصوصًا في عالمنا العربي أن يبقي مكتوف اليدين، بل على العكس من ذلك سيقوم بمبادرات فردية وريادية تعوضه عن عمله الضائع. لاحظنا في لبنان مثلًا ارتفاع الاهتمام بالزراعة والرجوع الى أرض الأجداد. كما لاحظنا في جميع الدّول مبادرات شابة في قطاع المجوهرات. أمّا طلاب المعاهد التكنولوجيّة فساعدوا الشركات في عملية التّحول الرقمي عبر تدريب العمال وتطوير برامج إلكترونية لها للعمل من بُعد.
 
خطوات النّجاح: الابتكار والتّحول الرقمي
 
أخبرنا بو يزبك عن مشروع كُلّف القيام به في أبو ظبي وهو برنامج يُمَكّن السائح من التجوّل إلكترونيًا في مكان ما في الإمارات العربية المتّحدة "إنّ مصطلح السياحة الإلكترونية سيكون رائجاً كثيرًا في الفترة المقبلة". وقد لاحظنا عدداً من المتاحف حول العالم يمكن التجول بها إلكترونيًا. وبدأت الفنادق والمطاعم بإجراء حفلات فنية ضخمة، وذلك إلكترونيًا. هذه السياحة الإلكترونية ستسمح للسائح بالتجول صباحًا في متحف اللوفر الفرنسي، والذهاب عصرًا بنزهة في غابات أوستراليا بين الكنغورو، ومشاهدة حفل فني ليلًا في برج خليفة، وكل ذلك في يوم واحد.
أمّا الخطوات الواجب اتّباعها للتخلص من تبعات كورونا في عالم الأعمال فهي كالتالي بحسب بو يزبك: "خفض المصاريف والإبقاء على الضروري منها. استغلال أوقات الفراغ عبر تدريب الموظفين وتطوير أنظمة العمل في الشركة. التحوّل الرقمي ضروري جدًّا، وكذلك الابتكار والتطوير على قاعدة الأمثلة المثارة سابقًا".
 
عالم الأعمال في تطور كبير، وقد دخل عليه عنصر التحول الرقمي الذي دفعته كورونا بشكل ملحوظ. لكن ماذا عن عالم ما قبل كورونا، هل سيعود؟ وماذا بعد السياحة الإلكترونية وصالات الرياضة والجامعات الإلكترونية؟ هل دخلنا بفضل كورونا بعصر العولمة الشبه شاملة حيث كسرت الشركات كل الحدود الجغرافية وأرست مبادئ التحول الرقمي في كل منزل عربي وأجنبي؟
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم