الثلاثاء - 07 كانون الأول 2021
بيروت 19 °

إعلان

دعم القطاع الصحّي مرتبط برزمة الإصلاحات المطلوبة

المصدر: "النهار"
ممرضة في مستشفى بهمن (حسام شبارو).
ممرضة في مستشفى بهمن (حسام شبارو).
A+ A-
رولى راشد
 
فيما تنحصر اهتمامات العالم بخطة التعافي الاقتصادي من تداعيات جائحة كوفيد-19، التي قلبت الأنظمة المالية وخربطت موازنات الدول في أبواب الإنفاق والإيرادات، خدمة لرصد المتغيّرات، يرزح لبنان تحت جائحة من نوع آخرمرتبطة بانهيار النظام الصحّي الذي حصد فشل السياسات الحكومية المتعاقبة بعدما جعلته رهينة الواقع النقدي والمالي المأزوم.

صحيح أنّ العالم ينظر بشفقة إلى ما يعانيه اللبنانيون في حياتهم اليومية، ولا سيّما في مجال البحث عن الدواء والاستشفاء والطبابة، حيث بات العلاج من المرض محصوراً بفئة الميسورين حاملي الدولار "الفريش" للأسف، رغم رحمة البعض القليل من أصحاب دور الاستشفاء، بغياب الإمكانيات المادّية اللازمة لدى معظم الجهات الضامنة لمواكبة ارتفاع كلفة الطبابة، إلّا أنّ استجابة بعض المنظمات والجهات الدولية ما زالت موجّهة نحو المساعدات الإنسانية دون غيرها، بعيداً عن أيّ دعم للنظام الصحّي المتهالك بفعل ارتفاع العملة الصعبة اللازمة لشراء معظم مستورداته.

إذن كلّ محاولات طلب الدعم والمناشدات عبر اللقاءات والمراسلات لم تلق أيّ تجاوب ملموس لغاية تاريخه، باستثناء المواقف الصادرة عن حسن النيّات، ومنها ما صرّح به خلال زيارته للبنان في أيلول الفائت المدير العام لمنظمة الصحّة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، حيث أعلن عن بالغ القلق من تأثير الانهيار الاقتصادي للبنان والأزمات المتعدّدة على اللبنانيين، معتبراً أنّ هجرة العقول في مجال الصحّة في لبنان "مقلقة".

وحذّر من أنّ "هجرة العقول تحرم البلاد التي كانت ذات يوم مركزاً طبّياً للمنطقة، من موارد بشرية مهمّة"، موضحاً أنّ "العاملين الصحّيين أساسيون في إعادة بناء البلاد ومساعدتها في التغلب على أزمتها".

في الخلاصة، بات محسوماً أنّ أيّ معونة للقطاع الصحّي والاستشفائي ستبقى مرتبطة بما يطلبه المجتمع الدولي منه من إصلاحات بعد اجتيازه المرحلة الصعبة في تشكيل الحكومة. وهذا ما أشار إليه منسّق المساعدات الدولية للبنان السفير بيار دوكان إذ أكّد أن "لا مساعدات حقيقية ولا نجدة دولية قبل القيام بالإصلاحات المطلوبة لاستعادة الحدّ الأدنى من الثقة الداخلية والخارجية".

من المعلوم أنّ الإصلاحات في القطاع الصحّي هي جزء من رزمة كبيرة على لبنان الإسراع فيها. وإذ وعد غيبريسوس بأنّ منظمة الصحة العالمية ستقدّم دعماً على المديين القريب والطويل الأمد للبنان، مشيراً إلى أنّها سترسل فريقاً من الخبراء لمساعدة لبنان على تحديد المشاكل في قطاع الصحّة وصياغة خطة استراتيجية للإصلاحات، لا بدّ من الاعتراف بأنّ توفير التمويل للقطاع ضروري وملحّ، ولكن طبعاً بعد وقف الهدر.

هل يتحمّل القطاع الصحّي انتظار إنجاز كلّ الإصلاحات المطلوبة كي يتلقى جرعة الأوكسيجين؟ أين الاهتمام الدولي اليوم؟

علامة

يقول عضو لجنة الصحّة النيابية النائب الدكتور فادي علامة لـ"النهار" إنّ هناك سعياً مستمرّاً لإيجاد الدعم اللازم للقطاع الصحّي وخصوصاً الاستشفائي في لبنان، مع كلّ الدول والهيئات والمنظمات الدولية. ورغم التفهّم للواقع، هناك تمسّك بضرورة تنفيذ الإصلاحات الضرورية قبل الحصول على أيّ دعم خارجي. لقد سبق للبنك الدولي أن قدّم المساعدة للبنان في إطارالاستجابة السريعة لتفشّي فيروس كورونا (كوفيد-19) في لبنان حيث وافق على إعادة تخصيص 40 مليون دولار ضمن مشروع تعزيز النظام الصحّي الجاري تنفيذه (120 مليون دولار) لتعزيز قدرة وزارة الصحّة العامّة على التصدّي للأزمة عبر تجهيز المستشفيات الحكومية وزيادة قدرتها على اختبار وعلاج الحالات المشتبه في إصابتها... ولكن مشكلة ارتفاع الكلفة الاستشفائية في لبنان وعدم قدرة المستشفيات على مجاراتها مع التعرفة الحالية بسبب صعوبة استيراد المستلزمات والمعدّات الطبّية وغيرها... المرتبطة بسعر الدولار، لا يمكن حلّها بعيداً عن قرار رفع التعرفات الاستشفائية المرتبطة بدورها بقدرة الهيئات الضامنة على السير بها قبل زيادة الاشتراكات، أو حتى إيجاد باب تمويل جديد. وكلّ هذه الأمور بحاجة إلى دراسة. لقد وافق وزير الصحّة العامة الدكتور فراس أبيض على زيادة التعرفات الاستشفائية المعمول بها، ولكن بعد إدخال التعديلات على موازنة الوزارة، مع المحافظة على التكامل بين القطاعين العامّ والخاصّ. وبدورها، تحتاج الهيئات الضامنة الرسمية إلى رفع رسوم الاشتراكات لتمويل أيّ زيادة في التعرفات.

وبعد رفع الدعم اليوم، من الضروري الدخول في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي للاتّفاق على برنامج تمويل يكون القطاع الصحّي جزءاً منه.

الشبكة البرلمانية
 
وذكر علامة أنه خلال اجتماع الشبكة البرلمانية للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي مع عدد من المشاركين البرلمانيين في الدول الأسبوع الماضي، كان تركيزٌ على تداعيات جائحة كوفيد-19على الاقتصاد العالمي، ولا سيّما على ضرورة تأمين وصول اللقاح إلى أكبر عدد ممكن من الأفراد في العالم، تلافياً لحصول أيّ انهيارات على المستويات الصحّية والمالية والاقتصادية، عبر توفير التمويل من خلال منصّة "كوفاكس"مع توزيع عادل. وقد تطرّق المشاركون إلى تخلّي الدول الغنيّة عن حصّتها من اللقاحات لمصلحة الدول الفقيرة بعد تتبّع الفجوات الحالية في التمويل والإنتاج والتسليم.

وفي موضوع التعافي الاقتصادي، كُشف عن عدّة طروحات حول تمويل الاقتصاد؛ منها إشراك القطاع الخاصّ في المشاريع الاستثمارية. مع التركيزعلى دوره في تأمين فرص العمل إلى جانب التمويل اللازم. ووفق رأي المشاركين في هذا اللقاء ومن بينهم صناديق استثمار ومصارف ضخمة، فإنّ التوجّه يجب أن لا يكون نحو البنية التحتية بل نحو تعجيل وتيرة الإصلاحات اللازمة لتحقيق التحوّل في الاقتصادات. وهناك أولويات لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والمالي، أهمّها التحوّل إلى اقتصاد أخضر بما يحقق التنمية المستدامة بحلول عام 2030.

ويتيح التحوّل إلى اقتصاد أخضر فرصاً هائلة: التحوّل إلى المصادر المتجدّدة، وشبكات الكهرباء الجديدة، وكفاءة الطاقة، والنقل المنخفض الكربون... وهذا سيرفع من الناتج المحلّي وبالتالي سيوفّر فرص عمل جديدة.

وكما وُظّف الاستثمار في عام 1980 في قطاع الإنترنت، فإنّ الطريقة الوحيدة اليوم لتحريك ديناميكية الاقتصاد هي حضّ القطاع الخاصّ وتحضيره للاستثمار في هذا المجال الذي سيؤمّن أرباحاً ترفد الخزينة.

ولكنّ هذا يتطلب تعزيز الإطار المؤسّسي من خلال الحوكمة وإرساء بنية تنظيمية أقوى. وبغياب الإصلاحات البنيوية والشفافية لن يقدم القطاع الخاصّ على الاستثمار. وبالتأكيد، سيطلب هذا الأخير ضمانات من الخارج.

أمّا على صعيد لبنان، فما هي الإصلاحات التي يطلبها المجتمع الدولي والتي بدأت مسارها التشريعي، وهي شرط أساسي لفك عزلته وفتح أبواب الدعم له؟
يقول علامة: في مجلس النواب سلسلة قوانين منها ما هو جاهز ومنها ما هو بصدد الإنجاز. فمثلاً:

– تمّ إقرار قانون الشراء العام في 30 حزيران الفائت، وهو خطوة مهمّة نحو حوكمة إدارة صرف المال العام في مناقصات الدولة، وكذلك هو مطلب دولي أساسي لأيّ تمويل أو استثمارات أجنبية في لبنان.

– تمّ إنجاز اقتراح القانون الرامي إلى إلغاء الاحتكار والتمثيل الحصري الذي أحيل إلى اللجان.

– في موضوع الكهرباء يجب إصدار المراسيم التطبيقية لقانون الهيئة الناظمة الجاهز بعد إقرار التعيينات اللازمة. وقد شكّل رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لجنة متابعة لهذا الموضوع.

– هناك أيضاً قانون الشراكة بين القطاعين الخاصّ والعام الذي من المفترض تطبيقه فوراً بوجود الآلية الخاصّة به.

كلمة إصلاحات تتقدّم على غيرها في خطة الإنقاذ أو التعافي الحكومية التي لم يعد بإمكانها تجاهل ديناميكية القطاع الخاصّ. فأيّ دور بانتظاره في القطاع الصحّي؟ وهل عليه انتظار حصّته في برنامج التمويل المرتقب مع صندوق النقد للنهوض؟
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم