الجمعة - 25 حزيران 2021
بيروت 26 °

إعلان

السيناريوات الكارثيّة لرفع الدعم... والطرق المثلى!

المصدر: النهار
فرح نصور
تعبيرية (تصوير حسام شبارو)
تعبيرية (تصوير حسام شبارو)
A+ A-
مع الاقتراب من نفاد الاحتياطي، ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية القاهرة يوماً بعد يوم، تجتمع الحكومة لمناقشة الرفع التدريجي للدعم، أو ما يُسمّى بـ"ترشيد الدعم"، للبحث في سبل إطالة عمر احتياطي مصرف لبنان لدعم السلع الأساسية، قدر المستطاع. قراءة عن صوابية ترشيد الدعم والطرق المثلى لرفعه دون إلحاق أي ضرر أو أعباء إضافية على الفئات الأكثر فقراً، بالإضافة إلى تداعيات الترشيد على سعر صرف الدولار.
 
يشرح الكاتب والباحث الاقتصادي، زياد ناصر الدين، أنّ "في واقعنا الاقتصادي خلال ثلاثين عاماً، كنّا نعيش في مرحلةٍ غير حقيقية وكان يُحكى خلالها عن اقتصادٍ استهلاكي وترفيهي، في وقتٍ كان الدعم على حساب المودعين وعلى حساب أموال الناس، وبالتالي وصلنا إلى مرحلة فقدنا فيها هذه الأموال. لذلك، المرحلة التي نمرّ بها اليوم هي مرحلة ترتبط بشكلٍ أساسي بعدم القدرة على تطبيق الواقع الذي كنّا نعيشه".
 
اقتصادياً، يحتاج ترشيد الدعم  إلى إقرار موازنة، خطة طوارئ، ضبطٍ كبير للإنفاق، معالجة لموضوع ميزان المدفوعات، وبالتالي العجز في ميزان الاستيراد والتصدير، كما يحتاج إلى رؤية سليمة وصحيحة، وأن يوضع المواطن أمام واقع رفع الدعم، أي إلى أي مدى ستَرتفع الأسعار كي لا يتم استهداف إضعاف القوة الشرائية لديه، وفق ناصر الدين الذي يوضح أنّه "في حال رفع الدعم تدريجياً أو ترشيد الدعم، ما زال مجهولاً إذا ما سيتمّ رفع الدعم عن البنزين بناءً على توصيات معينة، أي لم يُحدَّد مثلاً السعر الجديد لصفيحة البنزين في ظل ترشيد الدعم، كما لم تُحدَّد أسعار المواد الأساسية الأخرى، خصوصاً وأنّ ثلث الدعم يذهب للمحروقات، وثلثاً لما يُسمى بالمواد الأساسية التي يحتاجها المواطن لكنّها لم تصل إليه، والثلث الأخير للدواء. وهنا، أكثر ما قد يضرّ المواطن هو ترشيد أو رفع الدعم عن المحروقات والدواء".
 
وفي هذا الإطار، فان "أخطر ما يمكن أن يحدث هو رفع الدعم مرة واحدة، إنّما يجب رفعه تدريجياً، أي أنّه يمكن رفع دعم البنزين وفق خطة لمدة سنتين بشكل أن يتم رفعه على مراحل، ولا يمكن مفاجأة المواطن برفع صفيحة البنزين من 24 إلى 78 ألفاً، أو أن ترتفع الضرائب عشرة أضعاف مرة واحدة، أو أن يصبح بدل الجمارك على سعر 3900 ليرة، فهذا يدمّر القدرة الشرائية"، لافتاً إلى أنّه "يجب عدم التوجّه إلى هذا السيناريو الذي يخدم المال والنقد ولا يخدم الاقتصاد والطبقات الاجتماعية، فالمشكلة الاقتصادية اليوم هي أيضاً ناتجة من سوء التقديمات الاجتماعية من الدولة".
 

ما هي الحلول المتاحة أمام الدولة؟
 
وأضف إلى أنّه "أمام هذه الأزمة، على الدولة القيام بجردة عن موجوداتها، وما تملكه من احتياطات"، ويتساءل ناصر الدين: "هل فعلاً تمتلك الدولة 17 مليار دولار؟ هل القانون الملزِم بالاحتياطي الإلزامي هو 15%؟ هل ما زال هناك ودائع في المصارف بعد أن وصلت الهوة الاقتصادية إلى 84 مليار دولار؟". ويعتبر أنّ "هذه الهوة كلّها من أموال المودعين، وبالتالي، على الدولة خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي من 15 إلى 10%، واستفادة من 3 إلى 4 مليارات دولار لدعمها ضمن خطة تدعم الإنتاج".
 
ويقدّم الباحث بعض الحلول المجدية في هذه الأزمة، وبنظره، "على الدولة دعم الإنتاج، فثلث هذا المبلغ (3-4 مليارات) يجب أن يُنفق في الإنتاج، فلبنان يستورد بمليار و 300 مليون دولار أدوية سنوياً، لعدم توفّر المواد الأولية لصناعتها، بينما جميع الدراسات أثبتت أنّه إذا ما تم دعم المواد الأولية بـ 300 مليون دولار لإنتاج الأدوية، يمكن أن توفّر الدولة 900 مليون دولار التي تُنفَق على الاستيراد، فلدى لبنان مصانع أدوية يمكن تشجيعها بالإضافة إلى وجود قوة بشرية مفكِّرة وعلمية، يمكنها صناعة جزء كبير من الأدوية وبسهولة".
 
والمفهوم ينسحب وفق ناصر الدين على المواد الغذائية أيضاً، "فإذا دعمت الدولة المواد الأولية لإنتاج المواد الغذائية، توفّر ملياراً و200 مليون دولار سنوياً، وهي أموال تُنفق لاستيراد المواد الغذائية من الخارج. هنا، سوء إدارة هذا الملف التي كانت سائدة من خلال دعم المواد الغذائية، استفاد منها التجار ولم يستفد منها المواطن، ومشروع الدعم لا ينجح بالطريقة التي تتمّ المعالجة فيها، إنّما ينجح بأن يكون جزء منه إنتاجياً وجزء منه معالجة اقتصادية حقيقية، ما يفتح فرص عمل بدلاً من أن يكون فرصة لتهشيم شبابنا ودفعهم للهجرة إلى الخارج".
 
وإذا أحسنت الدولة استخدام الاحتياطي، خصوصاً بعد تراجع التصدير في لبنان بنسبة 50%، وتحوّلنا إلى الإنتاج، قد يمتدّ عمر الاحتياطي بجزء صغير منه إلى سنة، لكن خلال هذا الوقت يجب العمل بالشكل الصحيح، عبر تشكيل حكومة وعدم السماح للسوق السوداء بالتحكم في السوق، وكبح مخالفات وتجاوزات التجار التي يدفع ثمنها الناس". 

كيف يمكن ترشيد الدعم دون تأثّر الطبقات الفقيرة؟ وما هي تداعياته على سعر الدولار؟
 
وبترشيد الدعم، وفق الباحث، "سيرتفع حتماً سعر صرف الدولار، فالسياسة النقدية تقدّم عنواناً جذاباً ألا وهو ترشيد الدعم، لكن في الحقيقة، هي ليست عملية ترشيد للدعم، إنّما هو رفع تدريجي للدعم، ما سيرفع الطلب على الدولار أكثر، فهذا الترشيد يجب أن يوضح كيف سيؤثر على القدرة الشرائية، وإلى أي سعر سيصل صرف الدولار، وكم تستطيع الأجور تحمل هذا كلّه، وليس ترك الأمور ضبابية إلى حين أن يفرجها الله، فهذا لا ينفع في الاقتصاد".
 
وبحسب الباحث، "عمليّاً، ترشيد الدعم المطروح من قبل المصرف المركزي والسياسات النقدية، يقوم على رفع 65 إلى 70 % من الدعم، وهذا ما سيتحمّله المواطن، تحت عنوان تقديم بطاقات دعم للطبقات الفقيرة والمتوسطة". 
 
ويسأل: "هل بعد حجز أموال المودعين في المصارف، وبعد الضائقة المالية الراهنة، وسعر الصرف الذي وصل إلى 8000 ليرة، وبعد التضخم الذي وصل إلى 369 %، ونسبة البطالة التي تجاوزت الـ45%، وغياب التدفّقات النقدية عن البلد، وغياب التخطيط المالي السليم للبلد، هل ما زال بإمكاننا تحديد الطبقات الفقيرة و المتوسطة؟". ويجيب عن سؤاله، بأنّ "الطبقات الثرية هي التي أخرجت معظم أموالها إلى الخارج، أمّا الطبقات المتبقية في لبنان، فـ 90% منها بحاجة إلى الدعم، إذ 2% من المودعين الذين يمتلكون 98% من الودائع في المصارف هي طبقات ثرية، لذا، لو أنّ الودائع غير محجوزة في المصارف، كان بالإمكان الحديث عن طبقات فقيرة وأخرى ثرية".
 
لذا، يعتبر ناصر الدين أنّ "لبنان بحاجة إلى خطة طوارئ اقتصادية في هذه الظروف تحديداً، خصوصاً بحال ترشيد الدعم والتراجع الإضافي للقدرة الشرائية وبقاء الأجور على حالها، كما يجب إقرار الموازنة والقيام بجردة لموجودات الدولة ومن ضمنها احتياطات الذهب، فمنذ 1996 لم تقم الدولة بجردة على الذهب، فإن لم تقم بها في ظل هكذا أزمة، متى ستقوم بها؟ والعوائق من استخدام الذهب في هذه الأزمة تكمن في سوء الإدارة، فلو كان هناك إدارة رشيدة، لكان يمكن الاستفادة إلى أقصى حد من احتياطي الذهب".
 
ويحذّر من أنّ "رفع الدعم العشوائي سيؤدي إلى انفجار اجتماعي حتمي، ولا أحد قادراً على تحمّل ذلك".

هل يُثبَّت الدولار على سعر 4000 ليرة؟ 
 
وفي السؤال عن الحديث حول تثبيت سعر الصرف على 4000 ليرة أواخر هذا العام، يقول ناصر الدين إنّ "ذلك ليس تثبيتاً، إنّما هو خطوة أصبحت الدولة مضطرة للقيام بها، خصوصاً بعد إشاعة أن سعر الصرف في السوق السوداء 8000 ليرة، وبذلك، تدفع الناس إلى القبول بسعر 4000 ليرة مقارنة بـ 8000 ليرة، ليظهر وكأنّه إنجاز، إنّما هو "ضحك على الناس". 
 
ويبرّر ذلك بأنّه "سابقاً، لم تكن قيمة سعر الصرف 1500 ليرة، وكان يتم دعمه لتثبيته على هذا السعر، ودفع لبنان والمواطنون ثمن هذه السياسة عشرات مليارات الدولارات من دون أي نتيجة. لذلك السؤال هو: إذا أصبح سعر المنصة 4000 ليرة، ما هي الضمانة ألّا يكون هناك سعر صرف آخر في السوق السوداء؟ فهذا يحتاج إلى خطة ترشيد اقتصادية مفيدة، وبالتالي لا يمكن البناء على الحديث عن تثبيت الدولار على 4000 ليرة في المرحلة المقبلة إذا أردنا تصحيح الاقتصاد، فهذا يتطلب وجود حكومة وخطة طوارئ".
 
وحول ضمان عدم بروز سوق موازية في حال ثُبت الدولار على سعر 4000 ليرة، يفيد ناصر الدين أنّ "الأمر يتوقّف على ماهية الخطة الاقتصادية للحكومة المقبلة، فالآن تستفيد من السوق السوداء السياسة النقدية والمصارف لتقليص خسائرها، لذا نسأل: ماذا يضمن عدم بروز سوق سوداء ثانية؟ وما هي الضمانة بأن يستعيد المودعون أموالهم بالدولار؟ وماذا يضمن عدم حدوث تضخّم إضافي في الأسعار؟ وفي ظلّ غياب الثقة من اللبنانيين، كيف يمكن حماية الاقتصاد؟".
 
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم