السبت - 28 أيار 2022
بيروت 22 °

إعلان

الموت!

المصدر: "النهار"
هنادي الديري
هنادي الديري https://twitter.com/Hanadieldiri
"الآن وفي ساعة موتنا".
"الآن وفي ساعة موتنا".
A+ A-
من الواضح أنّها تقيم وزناً للموت، على الرغم من أنّها "بعدها بعمر الهوى زغيرة".
 
والعبور الأخير عاشقة عملاقة رهيبة لا تستطيع الشابّة سيرين غندور (1996)، أن تتخلّص من ابتسامتها الخبيثة، فهي تستمرّ في حديثها مع حتميّتها المكسوّة بالصقيع، وإن كانت تخافها سرّاً...وعلناً.
 
مساء اليوم نطيل التفكير في نهايتنا المحتومة، وفي المساء القادم نلعب الورق ونلهو في ملعب قصصنا الصغيرة العديمة الجدوى.
سيرين تفكّر في اللحظة القادمة "بدون مُجاملات".
 
 
تفكّر فيها طوال الوقت.
 
لا تُزخرفها.
 
وأفراد العائلة يتعبون أحياناً من هذا الهوس، على الرغم من تشجيعهم لها ودعمهم الكبير لموهبتها "يالّلي بيندقلّها النوبة".
 
"لا أحد يُريد أن يواجه الموت، ولكنّها المسألة الأكيدة الوحيدة في حياتنا"، تقول لي بسلام.
 
الشعر مُزيّن بالغرّة، والأقراط تستقرّ في الأنف.
 
 
نُدخّن بعض السجائر على شرفة "Mission Art Beirut"، القائمة في مار مخايل. والحياة قد تعود بأيّ لحظة إلى سابق عهدها في شارع نركض فيه صوب أيّامنا الأخيرة "In Style"، بفعل عظمته وجمال المباني فيه.
 
هذه المباني المُجاورة تحضن جلستنا المُرتاحة على الرغم من كوننا نصطدم بالموت، هذا الخصم الذي خسرنا معركتنا معه سلفاً. وقد يكون ذاك الانفجار استهدف قناطر أحلامنا وغرفها المديدة، بيد أنّ عاشقة الموت العملاقة لم تستدعِها إليه بعد. فإذاً، لا خوفَ من الاسترسال في الحديث المُرتاح. الشارع الذي يقف مُجدّداً بعد الضربات المُتتالية التي تعرّض لها، يحمي ظهورنا، وسيرين مُنهمكة بمواساة نفسها بالأشكال الرهيبة وبالفنّ الفصيح والبليغ.
 
 
عنوان المعرض المُستمر حتّى 26 من الجاري:
 
"الآن وفي ساعة موتنا".
 
معرض مُقلق وشاهق في رسالته وجماليّة الرعب المُتسلّل من موهبة هذه الشابة المسكونة بالعبور الأخير على الرغم من أنّها "بعدها بعمر الهوى زغيرة".
والدها الفنان الكبير عيسى غندور يؤكّد لها أنّ الموت حقيقة لا يُمكن تجاهلها.
 
ومع ذلك، فهو "يتجنّب الحديث عنه".
 
و"ع شوي" سننضمّ إليه، نحن أيضاً في لعبة التجاهل "الخفيفة – نضيفة" هذه.
 
 
سيرين لم تتخطَّ يوماً الخوف من فقدان أحد الأحباء.
 
هو خوف يُلازمها منذ الطفولة.
 
"نحتفل بأعياد الميلاد ولا نفكّر فيها على أنّها التعبير الأقسى لرنين الجرس الذي يُذكّرنا بمرور الوقت. نُغلّف الموضوع بالبالونات والحلوى والسلوك الأنانيّ".
 
والفنّ يُسعفها في الشفاء.
 
أو ربّما يُمهّد الطريق لقبول الفكرة.
 
أو أقلّه التآخي مع لونها الرهيب.
 
"أدمج روح الفكاهة في أعمالي، وهذه طريقتي في التخفيف من جمود الموت وثقله".
 
 
سيرين لا تملّ من تصوير نفسها على "الكانفا"، فهي بطبيعة الحال العارضة الأكثر توفّراً لترسمها. سيرين والموت (الله يسعدو ويبعدو) يرقصان على إيقاع واحد.
 
"أشعر بأنّني صادقة عندما أجسّد نفسي. المُعالجة حميميّة إلى أبعد حدود. تصوير الذات يسمح لي أن أرى نفسي جيّداً، وأن أتقبّل نفسي. وفي الوقت عينه أنفتح على مَن حولي".
 
تفتح لنا البوّابة التي تفضي إلى حديقتها السرّيّة، حيث نقطف منها براعم الموت. آه الموت. ها قد عدنا مجدداً إلى حقوله المؤقّتة.
 
لوحاتها شخصيّة، "وأنا أنفتح عليك أيها الزائر من خلالها. عندئذٍ لا أعود وحيدة".
 
عندما تُشاطرنا خوفها الذي تخجل من حجمه الكبير المُستقرّ على صدرها، لا يعود رهيباً بل يُنظر إليه كعمود من أركان الواقع.
 
عشقت الرسم منذ طفولتها. "لوّن وهيك... وسُرعان ما اكتشفت والدتي هذا العشق. لكنّها لم تُرسلني إلى مدرسة أو معهد لأدرس الفنّ رغبةً منها في أن أطوّر أسلوبي الخاص".
 
 
من الواضح أنّ عائلة سيرين تضطلع بدور كبير في حياتها.
 
والدتها تُرافقها، عندما نلتقي قبل أيام من إنطلاق المعرض في الفُسحة التي يملكها غيّاث المشنوق وتوفيق الزين، وحيث يتمّ تعليق الأعمال الجميلة والمسكونة.
كما هي حاضرة في إحدى اللوحات. جدّة سيرين، غريس حتّي علّمت "الديزاين" لسنوات طويلة في الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة.
 
الفنّ، إذاً، غرفة آمنة تلجأ إليها الشابة عندما يُصبح الموت أكثر من زائر مؤقت، "بيطلّ علينا طلّات"، بل يتحوّل الانتداد غير المرغوب فيه لروحنا المُتألّّمة، والتي لم تفهم بعد، وهي تسأل باستمرار: "لماذا"؟
 
الصور الذاتيّة ليست مُريحة ولكنّها محوريّة في عمليّة الشفاء. "الرسم الذاتيّ يُجبرني على النظر إلى نفسي بتمعّن. وأن أتقبّل كلّ شيء يصطدم النظر به". ولكن الوقت يُساعد. ويسمح لنا بأن نتقبّل وأن نرتاح مع كلّ ما كان يُربكنا.
 
سيرين تُخصّص كلّ وقتها للفنّ. وبعد فوزها بمنحة فنيّة تمكّنت من أن تتبضّع المواد التي تحتاجها لتتصالح مع الموت. هي المرّة الأولى التي تُركز فيها كليّاً على فنّها. وتوفيق وغيّاث آمنا بموهبتها الشاهقة الفتيّة. الموت القادم من كلّ لون وكلّ عرق في "الكانفا" لم يجعلهما يتردّدان في تقديم أعمالها للذوّاقة.
 
 
الرسم لم يكن يوماً مسألة ميكانيكيّة، أكاديميّة بالنسبة لصاحبة الغرّة الجذّابة. الفنّ "بيدمرّني"، وهي تحتاج للوقت لتخرج من صندوق الإلهام مشهيّات تطرد بواسطتها الخوف وتروّض من خلالها الهوس بالبوّابة الأخيرة. الرسم رحلة داخليّة نادراً ما يحميها العقل. العقل يأخذ إجازة عندما يُعلن الفن عن حضوره المهيوب. قد تستمرّ الجلسة الواحدة أمام اللوحات 7 ساعات. شكراً للموسيقى لأنّها تحضن المشهد الخلفيّ. "أحياناً تنتهي الأنغام ولا ألاحظ غيابها". في المعرض 20 لوحة، و"يمكن أكتر بشوي". قد يعود الموت إلى الأعمال التالية، وفي كلّ الأحوال، ستُكمل سيرين غندور رحلتها الشخصيّة من خلال الفنّ. لن تُعالج مُستقبلاً الموضوعات التي يُمكن أن نتابعها في نشرات الأخبار، على سبيل المثال. أخبارها الداخليّة مُشوّقة أكثر. وعندما تُرهقها "الكانفا"، تُغنّي وتعزف على البيانو، كما علّمت نفسها العزف على آلة الـBass Guitar. لن تُغادر لبنان، فهي مُتعلّقة بعائلتها. و"خبريّة الموت أصلاً موجودة لأنّني أتعلّق بشدّة بأحبائي"، وهي تخشى أن تفقدهم. مُلهمتها الكبيرة جدّتها غريس التي سنزورها قريباً، "إذا الله راد"، "وستّي هلكتني ببيكاسو".
 
 
الموت يقضي عطلته الصيفيّة في هذه الأعمال المسكونة والتي تُحاول أن تفهم. أعمال غير مُريحة وفائقة الجمال في الوقت عينه.
 
وسيرين غندور "المسكونة"، من أجمل اكتشافات توفيق الزين وغيّاث المشنوق لهذا العام.
 
زوّار.
 
نحن لسنا أكثر من زوّار.
 
البعض منّا يخفي هذه الحقيقة خلف تململ مُستمرّ.
 
وهذه الشابة بغرّتها الجذّابة ترتجف خوفاً أمامها وتسأل بلا خجل:
 
"لماذا"؟
 
- الفُسحة قائمة في شارع أرمينيا رقم 948 – مار مخايل. مقابل درج الفاندوم. مبنى جبر. الطابق الأول.
 
 

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم