السبت - 28 أيار 2022
بيروت 22 °

إعلان

طبيبة الأطفال نهى باز... "ماري بوبينز" المطبخ وحافظة إرثه

المصدر: النهار
هنادي الديري
هنادي الديري https://twitter.com/Hanadieldiri
نهى باز في الوسط.
نهى باز في الوسط.
A+ A-

نشوة الطرب حول المائدة، والمطبخ أشبه بسرد قصصيّ لحياة عائلة بكاملها: مُناكفات، همهمات مُتواطئة، بعض "تلطيشات" لا غنى عنها، بل هي ركيزة الحبّ بترجمته الغريبة في العائلات، بين قطعة الصفوف التي نلتهمها "سبّوقة ع الماشي" و"الكفتة "المشويّة"، تحضيرات تتخلّلها الكثير من المُنافسات، واعتداد في النفس لهذه القدرة السحريّة على تقطيع الخيار والبندورة بطريقة مُتناسقة، والقليل من دبس الرمّان من فضلكم فوق المقانق لكي لا تغضب ربّة المنزل وتتّهمنا بالتقليل من أهميّة إرث العائلة الذي تتوارثه الأجيال. والكثير من عصير الليمون فوق طبق الزعتر، مع الإغلاق الضروريّ للعينين تعبيراً عن الرضا، و"ضيعاني ما عملت مطعم، كنت قبرت الفقر".

الحياة خارج المطبخ أشبه بالكوخ البارد والرطب الخالي من الأساطير المُحببة، التي لا نتعب أبداً من الاستماع إليها عن العمالقة والسحرة والتنين، و"كنّا نقضّي ساعات عم نحرّك اللبن بالطنجرة يا ستّي لتظبط الكبّة بلبنيّة".

 

وماري بوبينز الخاصّة بنا تروي قصّة عشقها للحياة، وهذا التعلّق بالفرح من خلال الأطباق اللبنانيّة التي وهبتها لنا في كتاب Gouts Du Liban الذي صدر حديثاً، ليُقنعنا بأنّ المطبخ قصّة بآلاف الفصول المُتشعّبة. وهو مُشبّع بثروات مصنوعة من هذه السعادة المُعدية، وهذا الإصرار على مُساعدة العالم بأسره، وهذه الموهبة في تحويل المطبخ رفيق كل الأيّام، لاسيّما الصعبة منها. و"رشّة كزبرة مفرومة" لتكون البيتزا مجبولة ببضعة أسطر من رواية الوالد أو الجدّة داخل المطبخ بقوانينه الخاصّة التي لا حاجة إليها... للقوانين!

طبيبة الأطفال، نهى باز، تتقاسم معنا 60 وصفة لبنانيّة "قحّ"، أضافت لها والشيف المُتواضع جو برزا، لمسة حديثة تؤكّد على طريقتها بأنّ التمسّك بالقوانين الجافّة مضيعة للوقت. وصفات، نصوص وزيارة افتراضيّة لعشرات المشاهير الذين يُدخلونا إلى رواق جوعهم ولمَ لا؟ شراهتهم. نتعرّف إلى ذكريات طفولتهم، وفي الوقت عينه نُطبّق الوصفات التي يُسمح لنا أن نُضيف إليها نزواتنا وكلّ ما يُمليه علينا جوعهم.

 

الحياة بالنسبة إلى نهى باز تفتقر إلى النكهة إذا لم نلوّنها بثوب الفرح، وهي تتعامل مع الأطفال الذين يدخلون عيادتها الزاهية تماماً كروحها، وهم خائفون، ويخرجون منها وهم يضحكون وسُرعان ما يفهمون بأنّ شخصيّة ماري بوبينز التاريخيّة حقيقيّة، تتجسّد في هذه المرأة التي لا تخجل من عشقها للسعادة. هذه السيّدة التي نادراً ما تدخل عيادات المستشفى العريق الذي تعمل فيه في العاصمة الباريسيّة من دون الحلويات اللبنانيّة والقهوة اللبنانيّة الشهيّة. تضحك عندما ينادونها بالـMamma Mediterraneenne، وهم يضحكون بسعادة وميضها بات نادراً هذه الأيام عندما يلمسون شغفها بالطعام، وتعلّقها بالكلمة المكتوبة في كلّ تصرّفاتها. اكتسبت اسم "نهى" بفعل صداقة والدها مع "جيهان وأنور" (السادات)، "وكان عندن بنت شقيّة كتير تحمل هذا الاسم. ويقول الوالد: لو عندي بنت بسمّيها نهى".

ونهى تفوّقت في كلّ المجالات، "تطليعة أهلك لإلك إنت وزغيرة كتير بتأثّر". ترعرعت وسط عائلة حمتها كثيراً، وفجأة وجدت نفسها تعمل في غرفة الطوارئ في أحد المستشفيات خلال الحرب الأهليّة. والحرب بحسب هذه السيّدة التي امتدّت الأحاديث معها عبر الهاتف فترة طويلة قبل الانتقال إلى كتابة بعض فصول من قصتها، "هي مدرسة الحياة. غيّرتلي نظرتي للعالم والناس. صارت كلّ التفاهات ما بقى تعنيلي شي. صار الإنسان أهمّ شي".

 

ولأنها كانت الشاهدة ذات يوم في غرفة الطوارئ على وفاة طفل لم يتمكّن جدّه الذي حمله على ظهره من الجنوب وصولاً إلى بيروت، من أن يوفّر المال ليؤمّن له العلاج، أنشأت جمعيّة "الشموس الصغيرة" التي تحضن كلّ طفل لا مأوى لديه ولا قدرة له على تأمين الدواء ليُهدهد جسده الصغير المُنهك. "مهنتي بدّي كرّسها للناس".

المطبخ أغواها باكراً، و"أوّل نصيحة بعطيها كحكيم: كيف الناس ياكلوا مظبوط. خلال الاستشارات أكرّس 20 دقيقة للأم لأنقل إليها فوائد التغذية السليمة".

مطبخنا اللبنانيّ: "صحّي جداً". وماري بوبينز الخاصّة بنا تعشق الدبس والطحينة والخبز اللبنانيّ. ترى أنّنا نستطيع أن نفهم الكثير عن البلد من مطبخه. تقرأ الكثير من الكُتب التي تتمحور على عالم المطبخ بسرده القصصيّ الذي نتبعه في ضوء القمر لنفهم سرّ الثوم عندما نمزجه بزيت الزيتون العطريّ و"عصرة" الليمون فوق الأكلة ما إن تخرج من النار. "في منزلي كرّست 4 غرف لكتب الطبخ. في الأسبوع الواحد يُمكن أن أنهي 5 أو حتّى 8 كُتب. هذا إيقاعي منذ الطفولة". المطبخ بالنسبة إلى هذه السيّدة التي اكتسبت لقب ماري بوبينز لكونها غالباً ما تُساعد عشرات المُراهقين في حلّ نزاعاتهم مع أهلهم، هو أكثر بكثير من الوصفة و"كم ملعقة ملح، و3 أو 4 ليترات حليب". المطبخ هو الفُسحة الشاهدة على حقيقتنا، على إيقاعنا لدى ممارسة عملية الحُبّ المُتجسّدة بكوب من البندورة المُنكّهة بالزنجبيل والبقدونس المتبّلة بالقليل من الحرّ لتكون الأكلة في صورتها النهائيّة "على خاطر" هذا الفرد أو ذاك في العائلة.

 

نشتري كتاب Gouts Du Liban ونغوص في وصفات أضيفت عليها بعض ومضات شخصيّة، وفي الوقت عينه نُساهم في تغيير مسار حيوات صغيرة عدّة إذ أنّ ريع الكتاب يعود بكامله للجمعيّة التي تُريدها نهى، والتي لا تخجل من تمسّكها بالسعادة، الإجابة الناهية لذلك اليوم في غرفة الطوارئ عندما توفّي الولد الذي حمله جدّه على ظهره من الجنوب وصولاً إلى بيروت، ومات لأنّه لم يملك المال الكافي ليحصل على علاجه.

نهى باز تنجذب إلى كلّ "المعجونين بالعواطف". لا تُضيّع وقتها مع هؤلاء الذين يرتدون ثوب البرودة واللامبالاة. مطبخها يُشبهها. مليء بالألوان تماماً كشخصيّتها. فيه عشرات الكُتب التي تحتفي بالطعام. مطبخها مُزخرف بالفرح. "وقت بصفصف الحبوب حدّ بعضها، بلاقي ألوانها فيها بهجة. المواد التي أستعملها مليئة بالفرح. الفاكهة التي أستعملها أيضاً. أعيش السعادة الحقيقية عندما تصلني الخضر الطازجة. لا أخفي المنتجات في البراد. أعرضها. أختار الوعاء، كلّ وعاء بتأنّ. أتعامل مع الفاكهة والخضر في مواسمها. في أجمل من التمر مثلاً؟ أوّل الخريف أكيد. في أحلى من ألوان التمر؟".

 

إذا طلبنا منها أن تختار أكلة واحدة تتناولها أو تصنعها في كلّ الأيام المُتبقّية لها على الأرض، "بختار الخبز. بجميع أنواعه. الخبز ريحتو بتفتح القلب. الخبز محور كلّ مائدة. بكلّ طقوسه. في الكتاب أروي قصتي مع الخبز. ذكرياتي مُرتبطة برائحة الخبز التي كانت تصلني من أفران بيروت ولم نعد اليوم نجدها في أفران بيروت. تسحرني رائحة الخبز الصاج. أوكاي، الخبز مش أكلة. ولهذا السبب سأختار الكبّة بلبنيّة. الكزبرة والتوم، الكبيبات، طعم كلّ المكوّنات، واللبن!".

من جهة الحلويات، "المعمول! كلّ عام أصنعه بنكهة مختلفة: بالجوز، بالبوسفير، بالفستق والكرز. أخترع كما يروق لي".

عندما يروي الشخص قصّة حياته في المطبخ، هو في الواقع، "يختار سرد الذكريات الأكثر بهجة والأكثر فرحاً. اخترت المطبخ لأنّه التعبير الأقصى عن التراث. نجلس حول الطاولة مع الذين نحبهم. عندما أدعو الضيوف أختارهم من مختلف طرق الحياة".

 

نهى (ماري بوبينز) تعشق لبنان، "غرامي إمشي بالجبال وآكل التبولة في قرية مثلاً عند سيدة تدعى إبتسام أبي حيدر. بسمتها، تبولتها بيفرّحوا القلب. بالنسبة إليّ هذا لبنان. عندما ألتقي بسيدة تخبز في الشوف من قلبها. المطبخ والموسيقى من العناصر التي تجعلني أشعر بأنّني أعيش الرفاهية المطلقة. عالمنا اليوم يحتاج إلى رفاهية بسيطة".

إذا طلبنا منها أن تدعو شخصيّة تاريخيّة على العشاء، تختار "أودري هيبرن، والمتنبّي. الأخير فتح لي أبواب اللغة العربية، وكان ذوّاقة بكلّ ما للكلمة من معنى. وأودري هيبرن لأنّها عاشت حياة قاسية بكثير من فصولها. قرأت كلّ شيء عن هذه المرأة الملائكيّة. للمتنبي أطهو الأطباق العربية (وفيها شويّة تفلسف Sweet And Sour)، ولأودري أطهو الحلوى بالفاكهة".

 

نهى باز Coquette، تعشق الأناقة على الرغم من أنّها تعرّفت إلى الموت باكراً وفهمت أنّ في الحياة ما هو أهم من المظاهر، "كامرأة تتنقل في المجتمع اللبنانيّ والمجتمع الأوروبيّ أكيد أنوثتي من أولويّاتي. الأنوثة مهمّة جدّاً. أعشق الأناقة. أنا مغرمة على سبيل المثال بإيلي صعب وتصاميمه".

نهى الزوجة والأمّ تهتمّ كثيراً بالهدوء وبالعائلة. "كانت العيلة عندي قبل كلّ شيء. زوجي (الطبيب الكبير باتريك باز) ساعدني كثيراً. دعمني وشجّعني. فهم روحي المستقلّة وتعايش مع عشقي للثقافة ولعملي. ومع ذلك حافظت على بيتي وكنت ولا أزال أهتمّ بأدقّ التفاصيل. يصل زوجي من عمله. يعيش السعادة عندما أدعو الناس إلى طاولتنا. يقول أنّني (عملتلّو جوّ، عملتلّو بيئة، فتحت البيت)".

 

نهى الأم قريبة جدّاً من ابنتيها ستيفاني ودلفين، "الحديث بيننا لا يتوقّف".

والكتاب الذي سيولد قريباً بعد Gouts Du Liban "ورشتو مبلّشة"!

 
 

                   [email protected] 

الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم